Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

تفاقمت ظاهرة الهجرة غير القانونية بعد الانتفاضات الشعبية التي عرفها الوطن العربي منذ عام 2011، نتيجةً لموجة العنف التي مارستها النظم الاستبدادية في مواجهة الحركات الاحتجاجية؛ ما اضطر شرائح مجتمعية في سورية، والعراق، ومصر إلى الهجرة.

كما شملت موجات الهجرة بلدانًا أفريقية تعاني الفقر وانعدام الأمن والفوضى. ويُعتبر الاتحاد الأوروبي الوجهة الأساسية لمعظم المهاجرين القادمين من المشرق العربي، ودول أفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ تسمح القوانين بطلب اللجوء الإنساني والسياسي، وتمنح طالبي اللجوء تسهيلات الإقامة وإجراءات لمّ شمل أسرهم.

ومع تنامي أعداد طالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، تحولت ظاهرة الهجرة غير القانونية إلى قضية رأي عام؛، فقد ربطت دول الاتحاد بين أمنها الداخلي والهجرة على اعتبارها معضلة أمنية ذات صلة بظواهر كالجريمة والإرهاب والتطرف الديني.

كما نجحت حركات اليمين المتطرف، مع تنامٍ للشعور القومي وحالة الاحتجاج المجتمعي، في إدراج الهجرة في برامجها ودعاياتها لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؛ على اعتبار أن المهاجرين يهددون الاستقرار الداخلي ومستوى الحياة الاقتصادية في تلك الدول، خاصة المطلة منها على الضفة الشمالية للبحر المتوسط (إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، واليونان).

وقد مثّلت ليبيا مصدرًا أساسيًا للمهاجرين غير القانونين؛ لتوافر العوامل التي تجعل منها نقطة تجمع، والانتقال منها بقوارب الموتأو قوارب الحظإلى الضفة الشمالية للمتوسط، فهي تعاني حالة انهيار شبه كامل للدولة ومؤسساتها المدنية والأمنية، فضلًا عن أن حدودها البرية الواسعة تساعد على تدفق المهاجرين من دول أفريقية عديدة، وقد نشطت فيها شبكات الجريمة والاتجار بالبشر، ومارست انتهاكات خطيرة في مجال حقوق المهاجرين.

الهجرة غير القانونية في ليبيا بلغة الأرقام

قدرت المنظمة الدولية للهجرة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في تقرير لها حول النزوح والهجرة غير القانونية في ليبيا مصفوفة تتبع النزوحصدر في 27 شباط \ فبراير 2018، أن نحو 704 آلاف و 142 مهاجرا وصلوا إلى ليبيا، من 40 دولة أفريقية.

وكانت الدول الخمس الأعلى تمثيلا بين المهاجرين هي النيجر ومصر، وتشاد، والسودان، وغانا على الترتيب، وتمثل مجتمعة ما نسبته 66% من إجمالي المهاجرين في ليبيا، يقطنون في 99 بلدية و 55 محلة.

وجاء في التقرير أن 73% من مهاجري دول جنوب الصحراء الكبرى يقيمون في غرب ليبيا، في حين يقطن 17% في المناطق الجنوبية، و10% في المناطق الشرقية.

توزع هؤلاء المهاجرين، بحسب المناطق والبلديات، وحصلت العاصمة طرابلس على العدد الأكبر منهم، إذ تؤوي 154 ألفا و810 مهاجرا، أي ما يعادل 22% من إجمالي عدد المهاجرين في ليبيا، في حين جاءت مدينة الخمس والبلديات المجاورة في المرتبة الثانية، إذ يقطن بها 93 ألفا و564 مهاجرا أي نحو 13% من الإجمالي.

ثم تليها مصراتة في المرتبة الثالثة، إذ يوجد فيها 88 ألفا و789 مهاجرا، ثم مدينة اجدابيا بواقع 63 ألفا و 572 مهاجرا، والجبل الغربي بنحو 55 ألفا و27 مهاجرا، والزاوية بواقع 33 ألفا و 288 مهاجرا، وسبها بواقع 31 ألفا و572 مهاجرا.

وذكرت المنظمة أن 92% من المهاجرين أي ما يعادل 650 ألفا و73 مهاجرا يفدون من 31 دولة أفريقية، في حين أن 53 ألفا و987 مهاجرا أي نحو 8% من المهاجرين من جول الشرق الأوسط وآسيا، وهي بنغلادش بـ 35 ألفا و976 مهاجرا، وسورية بنحو 11 ألفا و 695 مهاجرا، وفلسطين في المرتبة الثالثة بثلاثة آلاف و 131 مهاجرا.

وأشار التقرير أن 74% من مهاجري آسيا في ليبيا يقيمون في المناطق الغربية، في حين يقيم 25% في الشرق، و 1% في الجنوب.

بحسب بيانات المنظمة، يمثل البالغون 90% من المهاجرين الموجودين في ليبيا، ويمثل الرجال 89% من هؤلاء البالغين، في حين تمثل النساء 11%. وأوضحت أن 59% من المهاجرين القُصَّر كانوا بصحبة أحد والديهم، في حين كان 41% منهم بلا مرافقين. وتظهر الأرقام حجم الهجرة غير القانونية في ليبيا، على اعتبارها بلدا مصدرا للمهاجرين في اتجاه اوروبا، وتقف خلف شبكات تهريب منظمة تستفيد من حالة الفوضى السائدة وعدم الاستقرار الداخلي.

لماذا تمثل ليبيا بلدا مصدرا للمهاجرين غير القانونيين؟

إن العلاقة بين ظاهرة الهجرة وليبيا ليست جديدة، فقد كانت قبل ثورة 17 فبراير 2011 وجهة للعمالة القادمة من دول افريقيا، وتعود أولى تدفقات العمالة المهاجرة إلى سبعينيات القرن الماضي، نتيجة التطور السريع الذي شهدته هذه البلاد التي تملك ثروات نفطية كبيرة، وكانت حاجة الدولة ملحة إلى العمالة الأجنية لإنجاز مشاريع البنية التحتية. وقد مثلت مصر وتونس المصدر الأساس للعمالة الوافدة إلى ليبيا.

في السياق ذاته، شجعت ليبيا على قدوم العمالة إليها، ووقعت اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مع عدد من الدول الافريقية، لا سيما أنها بلدان شمال أفريقيا تعدادا للسكان وفي حاجة إلى العمالة الأجنبية المدربة، وذات الخبرة، خاصة في قطاعي الزراعة والطاقة.

وقد عبر القذافي عن ترحيبه بالأجانب في سبتمبر 1999 في القمة العادية لمنظمة الوحدة الأفريقية في سرت التي مهدت لتأسيس الاتحاد الأفريقي. فقد تبين في خطابه مفهوم التضامن الأفريقي، معربا عن عزم ليبيا على الترحيب بالمهاجرين ذوي الأصول الافريقية، والاستمرار في اتباع هذه السياسة مع المهاجرين العرب. وكان القذافي يلوح دائما باستخدام ورقة المهاجرين الأفارقة للضغط على الاتحاد الأوروبي، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

شهدت ليبيا بعد عام 2000 ارتفاعا في عدد المقيمين الأجانب، بعد أن نشطت ظاهرة الهجرة غير القانونية من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء نحو ليبيا، ومنها عبر قوارب مطاطية غير صالحة للملاحة لمسافات طويلة إلى دول أوروبا المطلة على الضفة الشمالية للبحر المتوسط. وتحولت إلى مكان يقيم فيه المهاجر لأجل العمل والإقامة فترة من الزمن، استراحت محارب، ليكمل وحلته بعد جمع المال الكافي لدفعه لشبكات تهريب البشر إلى القارة الأوروبية.

وقد استضافت ليبيا في عام 2009، أي قبل عامين فقط من اندلاع الثورة وسقوط نظام القذافي، على أراضيها نحو 2.5 مليون مهاجر، قادمين من دول أفريقية، وأسيوية على وجه التحديد من بنغلادش والفلبين. وخلال الفترة 2001-2011، وصل إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية نحو 190405 مهاجرين من طالبي اللجوء، 60% منهم قادمون من السواحل الليبية. اما خلال الفترة 2002-2012 فقد وصل نحو 16445 مهاجرا إلى جزيرة مالطا معظمهم قادمون من ليبيا.

إن التحول الأساسي الذي ساهم في وضع ليبيا من جديد على خارطة الهجرة غير القانونية هو تدهور البيئة الأمنية في هذا البلد، بدءً من الصراع عام 2012 الذي أعقبه المزيد من انزلاق البلاد نحو الفوضى عام 2014، ما ساهم في تزايد أعداد المهاجرين الذين تم تهريبهم أو الإتجار بهم عبر ليبيا إلى أوروبا.

وقد أدى انهيار نظام العدالة إلى حالة من الإفلات من العقاب، مكنت الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية وتجار البشر من السيطرة على تنقل المهاجرين عبر البلاد. ويقف وراء التدفقات والديناميات الناظمة لظاهرة الهجرة غير القانونية بين ليبيا والاتحاد الأوروبي مجموعة العوامل التالية:

ـ قوة شبكات التهريب والاتجار بالبشر: نشطت هذه الشبكات في البلاد نتيجة الفوضى، في قوتها وتنظيمها، نظرا إلى امتلاكها السلاح والسيطرة على مناطق جغرافية وقاعدة لوجستية (منازل، وقوارب، واتصالات، والإفلات من القوة الحكومية).

ـ عامل الجذب الإقتصاطي: على الرغم من تدهور الأوضاع الاقتصادية في ليبيا، فإن المهاجرين عادة ما يتمكنون من العمل في السوق السوداء الليبية قبل الهجرة إلى أوروبا، في ظروف إنسانية صعبة جداً، لأجل جمع المال الذي يمكنهم من العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

ـ الحدود الرخوة: سياسات إدارة الحدود المعتمدة بين الدول الأفريقية وليبيا تسمح بنشاط مهربي البشر، إضافة إلى عدم قدرة حكومة الوفاق الوطني على ضبط الحدود الجنوبية، وصعوبة الرقابة على الحدود التي يمتد أغلبها على الصحراء بطول4400 كيلومتر مع ست دول (تشاد، والنيجر، والسودان، والجزائر، وتونس، ومصر).

ـ تعارض إرادات دول الجوار: ويتمثل في عدم التعاون الجدي بين الدول المجاورة لضبط مسألة الهجرة، فالاتفاقيات الثنائية مع تشاد والسودان والجزائر وتونس عام 2012، ومع مصر عام 2013 بشأن ضبط الحدود، لم تسفر على تعاون منهجي، ولم يكن لها أي تأثير يذكر في الحد من تدفق المهاجرين، أو تخفيف نشاط الشبكات الإجرامية لتهريب المهاجرين والإتجار بهم عبر الحدود البرية، نتيجة لتعارض استراتيجيات دول الجوار ومقارباتها لحل الأزمة الليبية.

ـ السمعة: أدت الأزمات الإنسانية والسياسية في البلدان المصدرة للمهاجرين، من دول أفريقية أو دول المشرق العربي، إلى دفعهم إلى المخاطرة واختيار ليبيا، رغم علمهم بخطورة الوضع الأمني الذي يماثل في خطورته وأوضاع بلدانهم أو هو أشد تأزما، إلا أن ارتباط سمعة ليبيا بسهولة الانتقال من سواحلها إلى أوروبا ساهم في تدفق المهاجرين إليها وبأعداد كبيرة.

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

____________