Minbar Libya

بقلم أبو نادين

لعب التيار المدخلي في ليبيا أدوارا مُهمة منذ بداية التسعينات بل كان له دورا حاسما في عدد من الصراعات التي دارت في ليبيا منذ منتصف سنة 2014 حيث أربك الحسابات في الشرق الليبي من حيث تقلَب اصطفافاته ومن حيث الأدوار المسترابة كما تغيرت مواقفه في الغرب والجنوب الليبيين.

فكيف تطور هذا التيار في ليبيا منذ منتصف التسعينات؟

وما هي فسيفساء مكوناته في ليبيا اليوم؟

وماهي المؤثرات الإقليمية في تحالفاته وأدواره؟

وما هي اصطفافاته الممكنة في الأشهر القادمة خاصة في ظل تطورات السيناريوهات على ضوء نجاح أو فشل لقاء فرقاء الصراع الليبيين بباريس؟

أولا: حول ماهية التيار المدخلي الليبي

عادة ما تتحدد ماهية أي تيَار بطبيعة العناصر التي تنتسب اليه من حيث مرجعياتهم الفكرية والمذهبية ورؤيتهم السياسية، إلا أن المداخلة (على الرغم من أنهم يرفضون المصطلح ).

هم عمليا تيار متحكم فيه بل هم عمليا نتاج واقعي لإكراهات فكرية ودينية وإقليمية، تعرَضت لها المملكة العربية السعودية أثناء حرب الخليج في بداية التسعينات، وعمليا المداخلة ينتسبون لـ”الجامية” (نسبة للشيخ الارتيري محمد أمان الله الجامي) أو «المدخلية» (نسبة للسعودي ربيع المدخلي).

يتكوّن التيار المدخلي في ليبيا أساسا من بعض العناصر الذين يرفضون ظاهرا الاشتغال بالسياسة، وعمليا ليس بين عناصر هذا التيار ارتباطات تنظيمية ظاهرة للعيان كما لا توجد له زعامة موحدة بل زعامات كثيرة متنوعة يتقارب بعضها ويجتمعون في بعض المسائل ويحصل بينهم افتراق واختلاف أحياناُ وقد يصل إلى حد القطيعة.

ما يجمع عناصر هذا التيار تشابه المنهج في التعامل مع المخالف ومحاولة احتكار التسمي بالسنة والسلفية وتضليل بقية التيارات ولهذا التيار موقف متشدد من العمل السياسي والحزبية والانتخابات والتقارب مع الآخرين، كما أنه مُغال في ما يسمى طاعة ولي الأمر.

ثانيا: المداخلة وحقبة القذافي

ـ ناصب النظام الليبي السابق في البداية هذه الحركة/التيار العداء وألقى القبض على كثير من أتباعها وكانت إدارة “مكافحة الزندقة” تشتغل على أدبياتها ومناصريها وعناصرها القيادية وخاصة في الشرق الليبي.

ـ تفطن نظام القذافي إلى إمكانية استخدام التيار المدخلي ضمن أدواته للدفاع عن شرعيته السياسية والإقليمية، وبالتالي وضع استراتيجيا التوظيف والاختراق سواء في عمله الداخلي أو في أنشطته الخارجية نتاج رهاناته الإقليمية وخاصة على المستويين العربي والافريقي، وتم الاختراق مركزيا وقاعديا وعلى مستوى روابط التواصل الإقليمي.

ـ عمليا ظل أتباع الحركة السلفية طوال نشأتهم وتمددهم في ليبيا بمنأى عن الشأن السياسي خاصة والشأن العام في العموم، واقتصرت اهتمامات الأعضاء في المدن والأحياء على غرار بعض مظاهر التدين والتأكيد عليها، كمسألة إعفاء اللحي وحلق الشارب ورفع الإزار، كما ركز المداخلة جهودهم مثلهم مثل بقية التيارات السلفية، على محاربة التصوف بجميع حركاته الفلسفية والطرقية، وهنا مربط فرس توظيف القذافي لهم مغاربيا وإفريقيا.

ـ مكن التقاطع بين المداخلة ورُؤية القذافي لفسيفساء مكونات التيار الإسلامي، فقد قام أتباع الحركة السلفية بتأثير من شيوخ العربية السعودية بتوجيه سهام نقدهم وتبدعيهم وتفسيقهم إلى منهج جماعة “الإخوان المسلمين”، وتبادلوا في شأن ذلك الأشرطة والرسائل الصغيرة الواردة من نظرائهم في المملكة، وخاصة بعد منتصف التسعينات أي بعد فشل ما سُمَي بـ”محاولة ورفلة..

ـ قام الساعدي القذافي إبان اندلاع ثورة 17 فبراير 2011 بالاتصال ببعض شُيوخ الحركة السلفية بالمملكة، وحصل من بعض شيوخهم على فتاوى تُحرِّم الخروج على الحاكم، حيث تم اعتبار “ثورة 17 فبراير”، “فتنة القاعد فيها خير من القائم” (حسب أدبياتهم المنشورة)، وبثت شركتي لبيانا والمدار الليبيتين للهاتف المحمول يومها رسائل نصية تحض على التزام البيوت وعدم الخروج في المظاهرات الشعبية في ليبيا.

 ثالثا: التيار المدخلي وتطور المواقف والاصطففات (2011-2014)

بعد انتصار ثورة فبراير ومقتل القذافي وهروب نجله الساعدي إلى النيجر، خرج أتباع الحركة السلفية عموما للعلن، وساهموا بشكل فاعل في العمل الإغاثي الاجتماعي، إلا أنهم لم يُساهموا في العمل السياسي، بل نظروا إلى انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 على أنها “بدعة لا يجوز الخوض فيها.

وقبل الانتخابات، قام أتباع المدخلي في ليبيا، بهدم تراث الصوفية في ليبيا وحرق أدبيات الإخوان المسلمين. كما شكلوا دوريات ضد الرذيلة التي ركزت على مكافحة تهريب المخدرات، واستهلاك الكحول، وغيرها من الأنشطة التي تعتبر غير إسلامية، وتجسد ذلك بشكل بارز في قوة الردع الخاصة لكارة والجماعات المرتبطة بها.

ومع اندلاع الصراع بين تياري الكرامة وفجر ليبيا في صيف 2014، انضمت جماعات المداخلة المسلحة للفصائل المتحاربة.

ثم لاحقا وأثناء زيارة رئيس الوزراء السابق علي زيدان للمملكة العربية السعودية طلب من شيوخ المداخلة والسلفية بها إصدار فتوى تحض أتباعهم في ليبيا على المساهمة في انتخابات مجلس النواب الليبي التي أجريت في الخامس والعشرين من جوان 2014، ومن ثم صدرت فتوى على موقع الشيخ ربيع المدخلي بأنه على الليبيين المشاركة في الانتخابات لاختيار نُوابهم، وفهم السلفيون الرسالة وشاركوا في عمليات الاقتراع بكافة المدن والقرى المُتواجدين بها.

بالتالي بدأت مواقفهم تتطور وفقا لاصطفاف المملكة العربية السعودية إقليميا والتي أصبحت ضمن اطار المحور الاماراتي/المصري ضد المحور التركي/القطري وان كان أشكال غلب عليها الحذر والتواري.

 رابعا: الدور الحاسم للمداخلة في الشرق الليبي (2014-2017)

يعتقد بعض المتابعين أن الأدوار المسترابة لعدد من السلفيين المداخلة بدأت في الشرق الليبي منذ نهاية سنة 2012 عبر تشابك الأدوار وتقاطع لأدوار أجهزة مخابرات إقليمية في بنغازي بالذات باعتبارها المدينة المفتاح لحسم الصراعات في ليبيا منذ العقود الأولى للقرن العشرين.

وعمليا لاحظ المراقبون للتطورات السياسية في ليبيا، أنه في الفترة التي سبقت عملية الكرامة بقيادة حفتر، أزالت أجهزة الاستخبارات في الشرق الليبي، العديد من السلفيين المداخلة من قوائم المراقبة التي كانت موضوعة في عهد القذافي، بل وبدأت بإشراكهم بنشاط في المعركة ضد التنظيمات الإرهابية في بنغازي ولكن البعض من المتابعين يعتقد أنهم – أي المداخلة قد وظفُوا ذلك بان صفوا العديد من خصومهم داخل التيار الإسلامي بل وضيقوا عليهم وأخذوا منهم مساحات فعلهم وأنشطتهم،

بل أن هناك تحاليل وقراءات تُؤكد أن بعضهم يقف وراء سلسلة الاغتيالات التي هزت بنغازي من منتصف عام 2013 إلى أوائل عام 2014 وهناك تساؤلات حول من اغتال العقيد كمال بازازة؟ ( أي رجل الدين الشعبي وهو أيضا رئيس قسم الشؤون الإسلامية في مديرية الأمن بنغازي ، في عام 2013).

ولا يختلف اثنان أن تغيرا آخر قد طرأ على أتباع المدخلي في ليبيا، بعد إعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر حركته الانقلابية في السادس عشر من مايو 2014، إذ أيدوا حفتر خلافا لمنهجهم القائم على عدم الخروج على ولي الأمر، الذي كان وقتها المؤتمر الوطني العام، مدفوعين بفتاوى أتت من المملكة العربية السعودية مفادها أن المؤتمر الوطني العام انتهت صلاحيته وولايته في السابع عشر من فيفري 2014 وذلك تماهيا مع حركة لا للتمديد التي ظهرت بعد هذا التاريخ رافضة استمرار المؤتمر الوطني العام وداعية إلى مرحلة انتقالية ثالثة على رأسها مجلس للنواب، وهي جوهر وفكرة حزب تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل.

وفي سياق منفصل انضم شباب المداخلة الليبيين إلى البوابات الأمنية التابعة لحفتر والممتدة من منطقة “برسس” شرق بنغازي وحتى مدينة المرج.

وحسب شهادات نقلتها مواقع وصحف للمُفرج عنهم من قبل تابعين لحفتر فإن بعض الذين حققوا معهم لمعرفة منهجهم الديني كانوا من المداخلة، حيث كانوا يصنفون المقبوض عليهم، إما منتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين الليبية، أو إلى أحد التيارات السلفية الجهادية المنتشرة بشرق ليبيا.

وانتشرت بمدن الشرق الليبي أيضا مكتبات لأتباع المنهج المدخلي السلفي تبيع في كتب ذات طبعات فاخرة سعودية ولبنانية بأسعار رخيصة بخلاف ما هو معروف عن أسعار هذه الكتب في ليبيا خاصة تلك الكتب التي تنتقد أتباع الحركات الإسلامية الأخرى، كالإخوان والسلفية الجهادية، مما جعل مُراقبون يقولون بأن هذه المكتبات ممولة من أطراف بعينها في المملكة العربية السعودية.

أما في درنة فقد اشتدت حرب التصفيات والانتقام بين المداخلة والجهاديين طيلة سنتي 2014 و2015، حيث تعرضت محال تجارية أصحابها من أتباع “المدخلية”، إلى عمليات تفجير من طرف الجهاديين بسبب ما قيل من أن المداخلة منضمون في العمليات القتالية العسكرية التي يشنها حفتر على بنغازي يومها، ومشاركتهم في تحقيقات أمنية مع أتباع السلفية الجهادية من درنة.

وعمليا انضم أشرف ميار الحاسي، القائد الميداني السابق في لواء 17 فبراير ونائبه النفاتي التاجوري – إلى قوات (الصاعقة) الخاصة، بل وانضم بعض المداخلة إلى وحدة سلفية على وجه الحصر تحديدا كتيبة التوحيد بقيادة “عز الدين الترهوني.

والتأمت وحدات سلفية مقاتلة مماثلة في المرج حول حفتر وفي البيضاء المجاورة ولأسباب مختلفة حاربت المجموعات السلفية المدخلية وخصوصا كتيبة التوحيد، بشكل فعال جنبا إلى جنب مع قوات حفتر.

ويذكر الجميع أن حفتر وانصاره قد خسروا عمليا جزء من الهلال النفطي في مارس 2017 مباشرة بعد أن نبهت السلطات السعودية المدخلي بعدم التدخل في الشأن الليبي يومها، وهو ما يعني أن المداخلة قد انسحبوا ولم يحاربوا يومها وانهم كانوا القوة النافذة بعد أسابيع في استرداد ما افتك من حفتر قبل ذلك.

يتبع في الحلقة الثانية

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية

______________