Minbar Libya

ليبيا بلد غني بثرواته ومتميز بموقعه الإستراتيجي على الضفة الجنوبية للمتوسط المتاخم لأوروبا من جهة الشمال.

هذان العاملان جعل من البلد الممزق مركز أطماع من القوى الدولية المتصارعة على النفوذ والثروات وأحالته إلى ساحة تجاذب إقليمي ودولي .

وما كان للأزمة الليبية أن تطول لولا هذا التدخل الدولي السافر، إذ أنّ الصراع القائم تتجاذبه قوتان نافذتان هما إيطاليا وفرنسا .

ولكل دولة منهما مشروع وهدف واستراتيجيا لإدارة الصراع وكذلك حلفاء من الداخل والخارج .

المعلوم أنه بعد سقوط نظام القذافي سلمت أمريكا وأوروبا إدارة الملف الليبي لإيطاليا باعتبارها المستعمرة السابقة للبلد وأكثر الدول التي لها مصالح حيوية في البلاد .

لكن الدور الإيطالي بقي ضعيفا وغير فاعل إلى جانب دور البعثة الأممية للدعم والتي غيرت من خطتها انطلاقا من عهدة طارق متريالمبعوث الثاني لليبيا بعد الانجليزي ايان مارتن: حيث تحول عمل الأمم المتحدة من جهة داعمة لبناء مؤسسات الانتقال الديمقراطي إلى جهة تلعب دورا سياسيا للمصالحة بين أطراف الصراع .

وكانت إيطاليا أكثر الدول دعما للمجهود الأممي الذي توج نهاية 2015 باتفاق الصخيرات الشهير الذي دخلت البلاد بعده مرحلة جديدة صارت فيها الأطراف الخارجية أكثر تأثيرا في الوضع الداخلي

مقدمة

إن الصراع الدولي المحموم على   مقدرات ليبيا أضحى ظاهرا للجميع وأطرافه صارت معلومة بعد أن كانت لفترة طويلة غير بارزة بقوة سواء للمتابعين والمهتمين أو لعامة الناس .

هذا الصراع تجلى بوضوح في الساحة الليبية ببعديه العسكري والسياسي وهو ما أحالها إلى ساحة صراع دولي بالوكالة. هذا لا يعني أن كل القوى السياسية منخرطة في مشاريع الهيمنة الأجنبية إذ هناك قوى وطنية فاعلة على الساحة ومخلصة للمشروع الوطني ولكنها تفتقر إلى العقل السياسي الفعال وإلى الداعم الأجنبي القوي الذي يلتقي معها حول مصلحة ليبيا.

إن الخطير في الأمر أن القوى الدولية أضحت تفصل المشاريع لمستقبل البلاد وفق مصالحها بعيدا عن المصلحة الليبية إلى حد صار فيه المشروع الأممي الذي ترعاه بعثة الدعم  متأخرا أمام تغوّل القوى الأخرى المتصارعة بما يعني أن مجمل الملف قد انتزع من أيادي أهله ليتحول إلى ملف دولي بامتياز.

فما هي طبيعة الصراع الدولي في ليبيا ؟

وما هي أهم الأطراف المتصارعة ؟

وما دور القوى الليبية في الداخل ؟

وما آفاق المشهد في ظل الواقع المعقد ؟

أسئلة يطرحها المتابعون للملف الليبي نحاول أن نجيب عنها في هذه الورقة .

في طبيعة الصراع الدولي القائم في ليبيا

راهنت إيطاليا على الاتفاق السياسي وساندت حكومة السيد السراج خصوصا في الملف الأمني حيث كان للايطالي باولو سيرادورا فعالا في دخول السراج وحكومته إلى طرابلس وفي بناء الخطة الأمنية لحماية الحكومة والعاصمة وبالتالي التأثير القوي في القرار السياسي وكان لها ذلك على امتداد ثلاث سنوات معتمدة  على الدعم الأمريكي وعلى كتائب عسكرية من طرابلس.

كما  راهنت على نجاح الاتفاق السياسي وعملت مع حكومة السراج على ترتيب البيت الداخلي وفق رؤية الأمم المتحدة والقوى الكبرى واشتغلت مع قوى سياسية مساندة للاتفاق السياسي ومارست نفوذا قويا على عديد الكتائب والقوى العسكرية خاصة في المنطقة الغربية إلا أنها جوبهت بمشروع فرنسي مواز بدأ يتبلور مع نهاية 2015 وعطل مساعيها الرامية إلى استقرار البلاد وفق رؤيتها.

من المعلوم أنّ فرنسا لا تملك أي نفوذ تاريخي في ليبيا وهي تدرك أهمية هذا البلد وما يحتوي من ثروات خاصة في الجنوب الذي يربطها بمستعمراتها السابقة في إفريقيا .

وتراهن فرنسا في مشروعها على الجنرال المتقاعد الذي يقود عملية الكرامة التي انطلقت سنة 2014 وكانت سببا في دخول البلاد في حالة من الفوضى السياسية والعسكرية والأمنية مستغلة حالة الخلاف التي كان عليها المؤتمر الوطني العام والذي انعكس بوضوح على أداء حكومة السيد علي زيدان.

انطلقت عملية الكرامة في مرحلة أولى بدعم مصري إماراتي وقد وجدت فيها فرنسا الجهة التي يمكن منها الدخول إلى ليبيا .

وبالفعل حصل ذلك وبدأ الدعم الفرنسي العسكري يصل لحفتر من بداية 2016 والغاية السيطرة على كامل الشرق الليبي لتصبح الكرامة رقما صعبا في المعادلة العسكرية والسياسية

ولعل ما يحكم العلاقة بين حفتر وفرنسا هي المصالح الذاتية البحتة .

ففرنسا غايتها ثروات الجنوب الليبي لأنها الدولة الوحيدة التي قامت بمسح جيولوجي لصحراء الجنوب سنة 1946 أيام الحرب العالمية الثانية وتدرك بالتفصيل حجم الثروات الباطنية في هذه الرقعة من ليبيا.

وقد وعدها حفتر بهذه المنطقة إن دعمته في الوصول إلى السلطة ولذلك هي تسعى جاهدة إلى تمكينه من التمدد عسكريا حتى تفرضه في المعادلة السياسية النهائية

إن الفرنسيين يدركون حقيقة التوازنات السياسية في البلاد .

وأدركوا مؤخرا أن إيصال حفتر إلى أعلى هرم السلطة هو أمر في حكم المستحيل .

ولذلك دعت فرنسا إلى مؤتمر في شهر جوان الماضي جمعت فيه البرلمان والمجلس الأعلى للدولة والسيد فايز السراج وأيضا خليفة حفتر باعتباره أمرا واقعا رغم أنه لا يملك أي صفة شرعية في البلاد .

وكانت غاية المؤتمر شرعنة وضع حفتر وتقديمه للعالم كقائد للجيش الليبي وكفاعل رئيس لا مجال لتجاوزه في المشهد السياسي .

وكذلك وضع خارطة طريق لبلوغ الانتخابات التشريعية والرئاسية قبل وضع الدستور وهو ما يخدم مصلحة حفتر والقوى التي تدور في فلك الكرامة والمرتهنة في قرارها للثلاثي مصر والإمارات وفرنسا.

إن فرنسا الآن تسعى لتثبيت حفتر كقائد عام للجيش وهو يقبل بذلك بعد أن أفاق من حلم الرئاسة .

وهذا الموقع إن حظي به قد يمكنه لاحقا عبر الانقلاب العسكري على الشاكلة المصرية من بلوغ هدفه في السيطرة على البلاد ووأد كل حلم ديمقراطي بعد ثورة دفع فيها الليبيون آلاف الشهداء

في مستقبل الكرامة في ظل الوضع القائم

عملية الكرامة ليست مشروعا ليبيا على الإطلاق وإنما ولدت من رحم الانقلاب في مصر ورعتها دولة الإمارات عرّاب الثورات المضادة في العالم العربي .

وقد وجدت دولتا مصر والإمارات في فرنسا خير مساند لهما في دعم العملية عسكريا وسياسيا عبر التسويق لها في المحافل الدولية وإظهار الجنرال العجوز كمحارب للإرهاب.

ولكن هذه المقولة بدأت تتآكل مع الزمن مع بروز طموحات حفتر في السلطة ومع حجم الجرائم المرتكبة في الشرق الليبي والموثقة لدى محكمة الجنايات الدولية إلى جانب حالة التفكك والانشقاق التي تعرفها الكرامة سواء من عسكريين أو إعلاميين أو سياسيين. وحالة الترهل والضعف برزت مؤخرا سواء في عملية اجتياح درنة إذ لا زالت المعارك الطاحنة تدور الى الآن في أحياء المدينة وهو ما يفند حقيقة السيطرة عليها.

وكذلك أثناء اجتياح الجضران للهلال النفطي إذ تمكن من طرد قوات حفتر في ساعات معدودة.

وهو ما أعطى الانطباع بأن الحديث عن قوة عسكرية فعالة للكرامة هو أمر فيه الكثير من المزايدات  إذ لولا الدعم الإقليمي والدولي لانتهت هذه العملية في المهد.

البقية في الجزء الثاني

_____________