Minbar Libya

 بقلم أنس الدويبي

غضبت الإمارات غضبا شديدا عندما ورد إليها خبر عاجل من ليبيا في عام 2014 مفاده أن عملية عسكرية استباقية واسعة النطاق سميت بفجر ليبيا انطلقت في مناطق الغرب الليبي والعاصمة طرابلس.

هذا الغضب الإماراتي من عملية فجر ليبيا العسكرية له ثلاثة أسباب مهمة:

السبب الأول: أن حلم الإمارات بالهيمنة على ليبيا عبر تقديم الدعم لخليفة حفتر أصبح الآن أصعب إن لم يكن في حكم المستحيل في ظل هذه العملية العسكرية التي انطلقت على نحو مفاجئ والتي أعلنت صراحة أن هدفها الأول والأخير هو خليفة حفتر ومحاولاته الانقلابية الصبيانية.

حيث عولت الإمارات على سيطرة سهلة وسلسة لخليفة حفتر على السلطة في ليبيا عام 2014، واعتقدت حينها أن حملة لا للتمديد، ومهلة الـ5 ساعات لحل المؤتمر الوطني، إلى جانب التحالف السري بين كتائب الزنتان وخليفة حفتر،

إضافة إلى شماعة الإرهاب التي استخدمها حفتر للترويج لعمليته العسكرية في بنغازي؛ اعتقدت الإمارات بأن كل ذلك قد وفر بيئة مناسبة لسيطرة خليفة حفتر على السلطة في ليبيا وبشكل سلس.

السبب الثاني: للغضب الإمارتي، أن عملية فجر ليبيا قامت إثر تحالف عسكري بين الكتائب المسلحة في مدن الغرب الليبي، وتسيطر الكتائب المنضوية تحت هذا التحالف على مساحات شاسعة من الجغرافيا الليبية، فضلا عن سيطرتها على المدن الرئيسية للبلاد بما في ذلك العاصمة طرابلس مصدر جميع السلطات ومؤسسات الدولة.

وهذا يعني بأن فرص سيطرة خليفة حفتر على العاصمة عسكريا معدومة؛ لأن ميزانه العسكري لا يؤهله حتى للتفكير بمواجهة عسكرية مع التحالف المذكور.

السبب الثالث: أن هذا التحالف الذي بناء عليه تأسست فجر ليبياليس مجرد تحالف من أجل عملية عسكرية تقليدية، بل هو مشروع وطني متكامل، يمثل المؤتمر الوطني غطاءه السياسي، فيما تمثل عملية فجر ليبيا قوته العسكرية على الأرض، في حين مثل دعم المجالس البلدية المنتخبة غطاء وحاضنة شعبية لهذا المشروع،

وبالتالي حالة الانقسام والفوضى والعشوائية التي عولت عليها الإمارات لتكون عاملاً أساسيًّا في نجاح مشروعها وتمكين خليفة حفتر من السلطة، قد انعدمت في هذه الحالة.

كل هذه العوامل والأسباب كانت تعني بالعقل وبالمنطق أن مشروع هيمنة الإمارات على ليبيا وتمكين حفتر قد فشل فشلا ذريعا في عام 2014 لانعدام عنصر المفاجأة فيه أولا، وثانيا لأن العوامل على الأرض لا تساعد في ذلك، وبالتالي أصبحت رغبات خليفة حفتر السلطوية من الماضي ومسألة إسقاط هذه الرغبات نهائيا من على أرض الواقع باتت مسألة وقت لا أكثر.

كل هذا كان ليدفع الإمارات لليأس وصرف نظرها عن رغبتها بالتوسع في ليبيا.

ولكن من سوء حظ الليبيين أن الإمارات لا يوجد في قاموسها مصطلح اليأس، ولذلك أصرت على المضي قدما لتحقيق رغبتها بتمكين حفتر من السلطة في ليبيا وللقيام بذلك لم يكن أمام الإمارات سوى تغيير قواعد اللعبة.

رأت هذه الدولة الغنية بأن ما فشلت بتحقيقه عبر القوة الصلبة في المنطقة الغربية لليبيا أي عبر السلاح قد يتحقق عبر قوة أخرى وهي القوة الناعمة قوة النفوذ والدبلوماسية والوعود والإغراءات السياسية.

ومن هنا بدأت العلاقة السرية ما بين الإمارات والرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا برناردينو ليون والذي كافأته الإمارات فيما بعد بتعيينه مديراً للأكاديمية الدبلوماسية في أبوظبي بفضل دوره المحوري الذي أداه خدمة للمصالح الإماراتية في ليبيا

حيث تعرض هذا الدبلوماسي الإسباني لفضيحة سياسية بعدما كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن تواصله السري مع الإمارات وتلقيه تعليمات منها بعد تحصل الصحيفة على رسائل مسربة من بريده الإلكتروني.

بحثت الإمارات كثيرا في طبيعة مشروع فجر ليبيا ودرسته بعناية وبحثت في طبيعة تحالفاته وتركيباته السياسية والعسكرية وأوجه قوته ونقاط الضعف فيه ومن خلال بحثها العميق اكتشفت نقطة ضعف ذهبية في هذا المشروع برمته إن استخدمتها بشكل جيد قد تقلب الموازين لصالحها ولصالح مشروعها في ليبيا رأسا على عقب.

نقطة الضعف هذه هي حزب العدالة والبناء الكيان السياسي الذي أسس بعد الثورة والمنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية والذي يملك تمثيلاً في المؤتمر الوطني العام الجسم السياسي المنتخب الذي تولى السلطة في ليبيا بعد الثورة.
وقبل أن نكتشف كيف ذلك نحتاج في البداية إلى تعريف مختصر للأحزاب السياسية الليبية التي تولت السلطة بعد الثورة.

هذه الأحزاب هي مجموعة كيانات سياسية لا تملك أي خبرة سابقة في ممارسة السياسية وتمكنت نتيجة الفراغ الذي احدثته الثورة ونتيجة الدعم الخارجي الذي تحصلت عليه تمكنت من تولي زمام السلطة في ليبيا دون أن تكون مؤهلة لذلك ودون أن يكون في رصيدها أي نضال يحسب في ثورة الشعب الليبي يمنحها الحق لتولي تلك المرحلة الحساسة المفصلية التي كانت تحتاج إلى الأخلاق أكثر من حاجتها للسياسة.

فبناء دولة يسودها العدل ودولة تنهض بالمجتمع من جديد ودولة متقدمة اقتصاديا وتعليميا وثقافيا وتأسيسها من الصفر بعد أربعة عقود من الاستبداد والجهل والفساد، بالتأكيد هو عمل أخلاقي غير سياسي بالمطلق وذلك لأن السياسة قذرة وهي مبنية على المصالح وجميع الدول العظيمة الخالدة عبر التاريخ لم يقم ببنائها سياسيون بل بناها قادة عظماء ودافعهم في ذلك هو دافع أخلاقي بالدرجة الأولى.

انطلاقا من ذلك اكتشفت الإمارات بأن حزب العدالة لا يفقه في السياسة، وهو حزب يصفه المعارضون له بالمراهق سياسياً ولا يملك القدرة على التقدير الاستراتيجي، والأهم من ذلك أنه حزب متهم بالوقوع في غرام السلطة ويقول رافضو الحزب أن السلطة هي كلمة السر وراء خيارات الحزب الاستراتيجية مهما كانت التكلفة الأخلاقية لذلك.

بالإضافة إلى كل ذلك يمتلك الحزب تمثيلا سياسيا كبيرا في المؤتمر الوطني العام الجسم السياسي الذي لطالما عملت الإمارات على إسقاطه عن السلطة وفي مناسبات كثيرة.

أما أهمية الحزب الكبرى بالنسبة للإمارات تتمثل في الوجود الذي يتمتع به داخل مدينة مصراتة المدينة الأثقل عسكريا في عملية فجر ليبيا وعمودها الفقري.

وهذا التواجد للحزب داخل مصراتة ليس لوجود قاعدة شعبية له مثلاً داخل المدينة كما يبدو للوهلة الأولى وإنما ببساطة لوجود محمد صوان المنحدر من مصراتة، على رأس قيادة الحزب.

هذا الأمر ونتيجة للمنطق الجهوي الذي ساد بعد الثورة أوجد لحزب العدالة والبناء مكانا داخل مصراتة جنبا إلى جنب مع مكوناتها السياسية والعسكرية والاجتماعية.

ولذلك وظفت الإمارات هذه العوامل المهمة بذكاء شديد لقلب موازين المعركة لصالحها وصالح مشروعها في ليبيا المتثمل في خليفة حفتر.

لقد كان حزب العدالة والبناء هو أول طرف يدعو وبشكل مفاجئ قوات فجر ليبيا إلى إنهاء عملياتها العسكرية تحت ذريعة الرغبة في عقد الهدنة والمصدر في ذلك غرفة العمليات العسكرية لفجر ليبيا.

وعقد الهدنة في العمل العسكري والسياسي ليس قرارا عشوائيا وإنما قرار له أسباب ومسببات ومعطيات وظروف معينة وتتخذ القيادة قرارها بعقد الهدنة وفقا لذلك ولا يوجد في القاموس العسكري وحتى السياسي هدنة من الفراغ أو هدنة بلا مبررات أو هدنة بلا أسباب فلماذا إذا طلب الحزب من قوات فجر ليبيا عقد الهدنة دون أن تكون لهذه الدعوة أي مبررات منطقية؟ 

يجيب على هذا السؤال حزب العدالة نفسه الذي برر لاحقا بأن تقديمه دعوة لعقد الهدنة رغبة منه بحقن الدماء! وهذا تبرير أشد غرابة من الدعوة نفسها.. وفق أي منطق ولدت هذه الرغبة الأخلاقية المفاجئة بحقن الدماء، في حين أن الحزب كان في مقدمة الداعمين لاندلاع الحرب؟

رفض المؤتمر الوطني وقادة المعركة في الميدان دعوة حزب العدالة بعقد الهدنة مع المليشيات الموالية لحفتر المتمركزة غرب طرابلس.

واعتبر المؤتمر الوطني وقادة المعركة حينها وبعد دراسة وتحرٍّ عن الموقف، اعتبروا بأن الهدنة هي في الحقيقة مؤامرة دولية تسعى لها بعثة الأمم المتحدة بقيادة برنادينو ليون، وهدفها الحقيقي هو إضعاف سلطة المؤتمر الوطني على الأرض، عبر العمل على بقاء المليشيات الموالية لحفتر المتمركزة غرب طرابلس في أماكنها، والحيلولة دون قيام قوات فجر ليبيا بحسم عسكري معها.

واعتبر المؤتمر الوطني أن عقد الهدنة في ذلك التوقيت ليس ممكنا لسببين سنتحدث بشأنهم في الجزء الثاني من هذا المقال ان شاء الله.

***

أنس الدويبي ـ صحفي ، مقدم

____________