Minbar Libya

بقلم ليزا واتانابي

لأسباب ليست بغريبة، تركز الاهتمام على الجماعات الجهادية في ليبيا . ومع ذلك، تدعي ليزا واتانابي أن اللاعبين الإسلاميين الآخرين يستحقون مزيدًا من المراقبة نظرًا للدور الذي يمكنهم أن يضطلعوا به في تشكيل مستقبل هذه الدول.

وللمساعدة في معالجة هذه الفجوة، تطرقت واتانابي في عملها إلى:

1) جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، التي قطعت شوطا كبيرا في قبول القواعد والمبادئ الديمقراطية.

 2) المزيد من الجهات الفاعلة السلفية المحافظة، مثل الجهاديين السابقين.

 3) السلفيون في حالة الركود، الذين يتجنبون عادة المشاركة في الساحة السياسية ويرفضون المقاومة المسلحة ضد الأنظمة الإسلامية السنية، وأكثر من ذلك.

الجزء السابع

السلفيون المغالون (المداخلة)

التحالفات وطنيا

تتحالف العديد من الجماعات المسلحة التي تتبع التيار المدخلي مع المؤتمر الوطني العام. وتعتبر قوات الردع الخاصة في العاصمة طرابلس، من أهم جماعات التيار المدخلي في الجانب الغربي من البلاد. ويقودها عبد الرؤوف كارة، الذي يعد أحد أبرز أتباع التيار المدخلي في طرابلس.

رأت قوات الردع الخاصة النور لأول مرة بعد الثورة، وظهرت كأحد الفرق المدخلية التي تقاوم الرذيلة في البلاد. وتتبع هذه الفرقة وزارة الداخلية، وتتخذ من مطار معيتيقة الدولي مركزاً لها، حيث تدير هناك سجنها الخاص.

يبلغ عدد أعضاء فرقة الردع الخاصة حوالي 1500 مقاتل تقريباً، من بينهم بعض الضباط السابقين في الجيش الليبي، المعارضون لخليفة حفتر.

ولا تعارض قوات الردع الخاصة خليفة حفتر والجيش الليبي فحسب، وإنما ترى أن الشيخ الصادق الغرياني، الذي يدعم حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس، أحد أعدائها، وخاصة بعد أن أفادت تقارير بأن له علاقة بالإخوان المسلمين .

وفي الوقت ذاته، يعتبر جهاز مكافحة الجريمة أحد أذرع قوات الردع الخاصة، ويتخذ هذا الجهاز من طرابلس مقراً له، وهو يتبع التيار المدخلي أيضاً. ومن المرجح أن يكون هذا الجهاز مسؤولاً عن اختطاف الشيخ نادر العمراني في سنة 2016، الذي كان أحد أعضاء دار الإفتاء الذي كان يرأسه الغرياني. ويرجع ذلك إلى الانتقادات الحادة التي يوجهها العمراني لفتاوى التيار المدخلي .

كما تعد قوات فرع الأمن المركزي أبو سليم، إحدى القوات الرئيسية المسلحة في طرابلس، ومن بين أهم الجماعات التي تتبع التيار المدخلي. ويقود هذه القوات، عبد الغني الككلي، في حين تدير أحد مراكز الاحتجاز في منطقة أبو سليم بالقرب من طرابلس.

وعلى غرار قوات الردع الخاصة، أعلنت قوات فرع الأمن المركزي أبو سليم ولاءها للمؤتمر الوطني العام. وتحالفت قوات فرع الأمن المركزي أبو سليم مع أهم وأقوى الكتائب المسلحة في طرابلس، كتيبة ثوار طرابلس، التي كان يقودها قبل ذلك بلحاج ولكنها تخضع الآن لقيادة هيثم التاجوري، الذي أعلن كذلك ولاءه للمؤتمر الوطني العام.

ومؤخراً، قام التاجوري بطرد حكومة الإنقاذ الوطني، برئاسة حافظ الغويل، من مقرها في فندق ريكسوس النصر بطرابلس .

وتعد كتيبة المشاة 604 مجموعة أخرى مسلحة مدخلية، متحالفة مع حكومة الوفاق الوطني. وقد تشكلت إثر مقتل رجل الدين السلفي، خالد بن رجب الفرجاني، الذي تمت تصفيته على يد مسلحي تنظيم الدولة على خلفية معارضته لهذا التنظيم. وقد سافر شقيق الفرجاني إلى طرابلس وقام بتأسيس المجموعة، بدعم من قوة الردع الخاصة التابعة لوزارة الداخلية.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الكتيبة تضم حوالي 450 مقاتلا (بداية من أواخر سنة 2015)، أغلبهم من أبناء مصراتة، رغم أنها تضم أيضا مقاتلين من أجزاء أخرى من البلاد، على غرار سرت، وبني وليد، وطرابلس، والزنتان وسبها. وشاركت كتيبة المشاة 604 في عملية البنيان المرصوص، وهي حملة ضد تنظيم الدولة تم إطلاقها في سنة 2016 لدحر التنظيم في سرت، على يد كتائب موالية لحكومة الوفاق الوطني. ورغم تعاون هذه المجموعة مع حكومة الوفاق الوطني، بادر زعيمها أيضا بإقامة علاقات مع حفتر، الذي ينحدر من قبيلة الفرجان ذاتها ، وهو ما يطرح تساؤلات حول ولاء هذه المجموعة على المدى الطويل.

إثر فتوى صدرت في سنة 2016 تدعو المداخلة للانضمام إلى معسكر حفتر ضد مجلس شورى ثوار بنغازي، بسبب ما اعتبرته تقاربا بينه وبين الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية، أقام المداخلة تحالفا مع حفتر والجيش الوطني الليبي. ويعد الكثير من المداخلة الذين قدموا الدعم العسكري لحفتر، نتيجة لخطابه المعادي للإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين، أعضاء سابقين في كتيبة التوحيد السلفية، التي كان في البداية يقودها عز الدين الترهوني. وقد تفككت هذه الكتيبة إثر وفاته في بداية 2015.

عقب ذلك، انضم عناصرها إلى العديد من الوحدات في الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، من بينهم كتيبة القوات الخاصة 312، والقوات البحرية الخاصة، والكتيبة ميكانيك مشات 110 . وهناك أيضا مجموعة مسلحة أخرى منتمية إلى المداخلة ولكنها أقل حضورا، ومتحالفة مع الجيش الوطني الليبي، وهي كتيبة طارق ابن زياد .

التحالفات دوليا

ظهرت تقارير حول الدعم السعودي للمداخلة، حيث تعزى قدرة الكتائب المدخلية على زيادة تعدادها البشري من خلال تقديم رواتب مغرية، وبناء قدرات هامة، في جزء منها، حسب الكثيرين، إلى التمويل الذي يحصلون عليه من مصادر سعودية، ولكن هذا الأمر لا يعدو كونه مجرد تخمينات.

في الواقع، يمكن أن يأخذ دعم السلطات السعودية أشكالا أخرى، مثل تقديم هذا الدعم للدعاة المداخلة. فقد أرسلت المملكة السعودية رجال دين مداخلة إلى شرق ليبيا بموافقة من الجنرال حفتر، على سبيل المثال . ومن بين هؤلاء الدعاة الذين ينشطون في الشرق، سالم الوصاري، وحمد بن عيسى، وعادل القوارشة، وفرج المالكي، ومبروك القاضي، ومسعود الناظوري وعز الدين محمد .

إضافة إلى ذلك، عقب اختطاف نادر العمراني، أعلن الصادق عبد الرحمن الغرياني أن المداخلة كانوا يتلقون التوجيهات من نظرائهم في دول الخليج من أجل اغتيال رجال الدين الليبيين. ولكن عدة تقارير أشارت إلى أن عملية الاختطاف تمت بأوامر مباشرة من المدخلي المصري محمد سعيد رسلان ، وهو ما يحيل إلى أن شبكات المداخلة في مصر ربما يكون لها نفوذ في صفوف نظيراتها في ليبيا.

محاور النفوذ وطنيا

يبدو أن المداخلة يستخدمون نفوذهم وعلاقاتهم مع حفتر من أجل تعزيز حضورهم في الشرق، حيث تشير التقارير إلى أنهم يحضون بالدعم لدى بعض فئات المجتمع. ولا يسيطر المداخلة فقط على العديد من المساجد في الشرق، بل هناك حديث عن سيطرتهم على الهيئة العامة للأوقاف، وهي السلطة الدينية التي أنشأتها حكومة البيضاء.

وقد عبر بعض السكان المحليين عن تخوفهم من أن هذه المؤسسة التابعة للدولة بصدد نشر الإيديولوجيا المتطرفة .  ومن المرجح أن إدماج المداخلة في مختلف وحدات الجيش الوطني الليبي قد يخدم أيضا هدف توسيع دائرة نفوذ هذا التيار في شرق ليبيا، وهو ما يمكن أن تكون له تبعات على مستقبل الجيش الليبي.

وذلك في حال تم ضم وحدات الجيش الوطني التي تشتمل على مداخلة في صفوفها إلى أي مؤسسة عسكرية ليبية موحدة .

أما في الغرب، يتمتع المداخلة بحضور مهم على الأرض في طرابلس، خاصة من خلال قوة الردع الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب ألوية أخرى يقودها مداخلة، من بينهم قوات فرع الأمن المركزي أبو سليم. وبالتعاون مع قوات ثوار طرابلس، تسيطر المجموعات المدخلية على أجزاء واسعة من طرابلس .

وربما تكون قوات فرع الأمن المركزي أبو سليم، إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، قد حصلت على دفعة كبيرة في آذار/مارس 2017، عندما قامت بإخراج حكومة الإنقاذ الوطني من مقراتها في فندق ريكسوس في طرابلس .

في الواقع، تعتمد حكومة الوفاق الوطني على دعم هذه الكتائب في العاصمة. أما في مصراتة، التي توجد فيها كتيبة المشاة 604، يمارس المداخلة نفوذا على مجلس بلدية مصراتة .

في المناطق التي تمكن فيها المداخلة من التوحد وتشكيل كتلة، نجحوا في الحصول على المزيد من النفوذ. ولكن حقيقة كونهم لم يتبعوا كلهم الفتوى المدخلية التي دعتهم للتحالف مع الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، إلى جانب حضورهم على الجانبين في طرفي النزاع في الحرب الأهلية، كلها أمور تشير إلى أن ولائهم المحلي يطغى في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من أنهم لا يمثلون قوة متحدة، إلا أن تحالفاتهم مع حفتر وحكومة الوفاق الوطني ربما تؤدي إلى مزيد تقوية التيار السلفي المتشدد في هياكل الأجهزة الأمنية الليبية وداخل الدوائر الاجتماعية والدينية في البلاد.

كما يتمتع المداخلة أيضا بأسبقية، كونهم قادرين على تقديم أنفسهم على أنهم حماة للأمن، إلى جانب بعدهم عن شبهات الفساد، وهو ما يمكن أن يجذب إليهم السكان الذين يعتبرون في أمس الحاجة للأمن والحوكمة الرشيدة.

يعتبر هذا التطور مثيرا للقلق، بما أن المداخلة يقفون ضد أغلب الإسلاميين، الذين على الأرجح سيواصلون لعب دور محوري في السياسة الليبية. في الوقت ذاته، قد ينجر عن الولاء الأعمى الذي يدين به المداخلة للحكام تأثيرات سلبية على الاستقرار في ليبيا على المدى الطويل ، في حال وصلت قوة غير ديمقراطية في البلاد للحكم، وبحثت عن الشرعية الدينية من خلال التحالف مع المداخلة.

يساهم دعم المداخلة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، ومشاركتهم في الحرب ضد تنظيم الدولة، في تعزيز قبول المجتمع الدولي للكتائب المدخلية. ففي الشرق، ساعد دعم المداخلة للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر في زيادة اهتمام المملكة السعودية بمداخلة ليبيا بشكل عام، وذلك على اعتبارهم قناة محتملة لتعزيز نفوذها في شمال أفريقيا.

أهمية إسلاميي ليبيا

ساهم الدعم السياسي للثورة، إلى جانب الدور الذي لعبته الكتائب الثورية المرتبطة بالإسلاميين، في ضمان النفوذ للإخوان المسلمين في حكومات ما بعد القذافي والأجهزة الأمنية الموازية. ورغم أن وزنهم السياسي تراجع منذ سنة 2014، إلا أن المسار السياسي المدعوم من الأمم المتحدة، والمؤسسات التي تم إنشاؤها ضمن الاتفاق السياسي الليبي بوساطة أممية، وفر محاور للتأثير المتواصل لهذه الجماعة.

من المنتظر أن يتقلص هذا النفوذ أكثر، إذا تم إدخال تغييرات على الاتفاق السياسي الليبي. كما تساهم الكتائب المرتبطة بالإخوان المسلمين والموالية لحكومة الوفاق الوطني، خصوصا تلك المنضوية تحت ما يعرف سابقا بقوات درع ليبيا، في تأمين المزيد من النفوذ للإخوان المسلمين. وإذا تم إدماج هذه الكتائب في صفوف الشرطة والجيش مستقبلا، سيضمن ذلك لهذا التيار أتباعا داخل أجهزة الدولة، تكون متعاطفة مع أجنداته.

وحتى قدماء المحاربين في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا (التي أصبح اسمها الحركة الإسلامية الليبية للتغيير)، لم يصلوا لنفس درجة الحضور السياسي الذي حققه الإخوان المسلمون، رغم أن البعض منهم نالوا اعترافا سياسيا إثر الثورة. ويعزى ذلك بالأساس إلى اصطفافهم إلى جانب الإخوان المسلمين.

ولكن أهمية بعض الأعضاء السابقين في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، تعززت بفضل أهمية وقوة الكتائب التي يقودها المحاربون السابقون في هذه المجموعة، خاصة في طرابلس وشرق ليبيا، رغم أن هذه الكتائب خسرت البعض من قوتها مؤخرا.

أما مسألة تمكن القادة السابقين في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا من ترجمة سمعتهم إلى نفوذ داخل الأجهزة الأمنية في المستقبل، فسيرتبط ذلك بالنظرة العامة لارتباطاتهم بالأطراف الجهادية السلفية.

في حين أن المداخلة، في معظمهم، لم يلعبوا دورا مهما في الثورة، إلا أنهم لم يبقوا على الحياد في الحرب الأهلية. وبهذه الطريقة، تمكنوا من فرض أنفسهم كطرف يتسم بالاتزان لدى حكومة الوفاق الوطني من جهة، والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر من جهة أخرى. وهذا يمكن ترجمته في المستقبل إلى حضور في أجهزة الشرطة والجيش.

نتيجة لحالة التفكك السياسي في ليبيا، وتسامح حفتر مع التيار المدخلي، بات هذا التيار بصدد تعزيز حضوره في الدوائر الدينية في الشرق، مانحا أتباعه قنوات يمكنهم من خلالها زيادة أعدادهم في هذا الجزء من البلاد.

وفي المجمل، تراجع النفوذ السياسي للإسلاميين، وخاصة الإخوان المسلمين، منذ سنة 2014. ولكن المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، وفر قناة يمكنهم من خلالها البقاء ضمن المعادلة السياسية، ولكن بدرجة أقل أهمية. إضافة إلى ذلك، أمنت لهم أهمية الكتائب المرتبطة بالأطراف الإسلامية محاور للنفوذ في الغرب والشرق، وهو ما يمكن ترجمته إلى نفوذ في الأجهزة الأمنية الليبية في المستقبل.

ففي حال أصبحت هذه الكتائب جزءا من مؤسسة عسكرية موحدة، يمكن أن تؤثر أجنداتها المتناقضة على حالة الوحدة داخل الجيش. فضلا عن ذلك، يمكن أن يمثل تنامي الفكر المدخلي في الشرق تحديا حقيقيا لإعادة إحياء الانتقال الديمقراطي في ليبيا، إذا تمكنت قوى غير ديمقراطية من فرض سيطرتها في أي مرحلة، في حين قد يعزز ذلك قوة الفكر المتشدد في هذا الجزء الذي يعتبر بالأساس من أكثر المناطق المحافظة.

***

ليزا واتانابي ـ كبير البحاث بقسم الدراسات الإنسانية، والاجتماعية والسياسية، معهد الدراسات الأمنية بزيورخ. تختص بقضايا شمال أفريقيا والمتوسط الأوروبي

***

ترجمت هذه الدراسة ونشرت بموقع ليبيا الخبربعنوان الجهات الاسلامية: ليبيا وتونسعن الأصل التي نشرها مركز الدراسات الأمنية، خلال شهر حزيران/ يونيو 2018. ونعيد نشر الجزء المتعلق بليبيا فقط

_________________