Minbar Libya

بقلم عبدالله الكبير

بشكل واضح يشتد الخلاف بين إيطاليا وفرنسا حول سبل حل الأزمة الليبية. فبينما تدفع الحكومة الفرنسية نحو تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية نهاية هذا العام كما جاء في بيان باريس.

تصر الحكومة الإيطالية على ضرورة تنفيذ عدة خطوات قبل الإنتخابات، أهمها توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق مصالحة وطنية، وتهيئة الأوضاع سياسيا وأمنيا بما يضمن نجاح الإنتخابات.

الموقف الإيطالي يبدو أكثر واقعية إذ لابد من تهيئة المناخ وتهدئة الصراع قبل الشروع في تنفيذ أي حل سياسي، فحتى بيان باريس الذي أعلن عنه في مايو الماضي بحضور أغلب أطراف الصراع ينص في كافة بنوده على توحيد المؤسسات، وإنشاء قاعدة دستورية للانتخابات، وتفكيك الحكومة الموازية وكافة الكيانات التابعة لها في شرق ليبيا، وعقد مؤتمر جامع يضم كل القوى السياسية، حتى الوصول إلى إجراء الإنتخابات.

لم تلتزم الأطراف المجتمعة في باريس ببنود البيان الذي لم توقع عليه أصلا، وبعد ساعات قليلة من إعلانه تنصلت منه وتبادلت الاتهامات في عدم الإلتزام به.

إزاء التوغل الفرنسي في ليبيا استنجدت الحكومة الإيطالية بأمريكا ودفعت بالدبلوماسية الأمريكية ستيفاني ويليامز لتكون نائبة للمبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، وتحصل رئيس الحكومة الإيطالية كونتي على دعم مباشر وصريح من الرئيس ترامب الذي صرح في المؤتمر الصحفي بعد اللقاء باعتراف أمريكا بالدور الريادي لإيطاليا في ليبيا.

ومن دون شك فإن اصطفاف أمريكا خلف إيطاليا في نزاعها مع فرنسا جاء ردا على الموقف الفرنسي بشكل خاص والأوروبي بشكل عام من الصراع الأمريكي الإيراني، فضلا عن تطابق رؤى ومواقف ترامب والحكومة الإيطالية اليمينية في قضية المهاجرين والصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

 لن يتطور الخلاف بين إيطاليا وفرنسا إلى حد الأزمة، فالغربيون قادرون على تسوية خلافاتهم داخل البيت الأوربي، وستقف كل من إيطاليا وفرنسا عند حدود نفوذهما في ليبيا، غير أن الوصول إلى هذه التسوية سيأخذ الكثير من الوقت نظرا لتشابك الملفات والقضايا وتعقيداتها.

ولا يمكن التعويل على القيادات الليبية في أخذ زمام المبادرة والنهوض بتسوية محلية بعيدة ولو جزئيا عن تدخلات القوى الغربية، وتتلكأ البعثة الأممية في الشروع بعقد المؤتمر الوطني الشامل الذي يفترض انعقاده داخل ليبيا بحضور كافة القوى السياسية والعسكرية الفاعلة للاتفاق على ميثاق وطني يحدد الأسس والأوليات،

ويكون بمثابة دستور مؤقت للمرحلة الحالية، والخروج برؤية شاملة تنهي حالة الصراع عبر تشكيل حكومة وفاق وطني يخضع لها الجميع وتمنح صلاحيات واسعة في قضايا ملحة كالاصلاح الاقتصادي وجمع السلاح وتفكيك المليشيات والجماعات المسلحة ومكافحة الاٍرهاب وعصابات التهريب.

  ضعف النخب السياسية الليبية يتجلى بشكل سافر في امتداد الصراع الإيطالي الفرنسي وتوغله داخل الكيانات الليبية الطارئة، فالنجاح المسيطر على البرلمان والقائد العسكري خليفة حفتر في الشرق يتحالفان مع فرنسا رغم عدم التزام حفتر بما ورد في بيان باريس، وكان المبادر إلى القفز عليه من خلال نقل الإشراف على قطاع النفط إلى المؤسسة الموازية في الشرق قبل التراجع وإعادته للمؤسسة الشرعية بعد التدخل الأمريكي، أما في الغرب فالمجلس الرئاسي والأطراف القريبة منه فهي حليفة لإيطاليا التي تقدم الدعم السياسي والأمني لحكومة الوفاق.

  هذا الضعف مع انعدام المبادرات الوطنية وعمق الفجوة بين المعسكرين المتصارعين يُحد من استغلال هذا الخلاف بما يحقق المصالح الوطنية وسيادة الدولة على كيانها، و يحافظ في الوقت نفسه على مصالح الدولتين، وغيرها من الدول المنخرطة في الصراع بتوازن دقيق يراعي الجميع.

لذلك لا يظهر في الأفق أي أمل في تقارب القوى الوطنية للحوار والتفاوض حول سبل الخروج من حالة الاستعصاء ويترقب الجميع المؤتمر الدولي المزمع عقده في روما خلال الخريف المقبل، وتنظمه الحكومة الإيطالية كرد مباشر على المبادرة الفرنسية التي أثارت عاصفة من الغضب في الأوساط السياسية الإيطالية، إذ قدرت أنها محاولة فرنسية للاستحواذ على القدر الأكبر من النفوذ في ليبيا على حساب المصالح والنفوذ الإيطالي.

 حتى يحين موعد هذا المؤتمر تتزايد فجوة الخلاف بين الأطراف المتصارعة محليا حول كافة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، ويتلكأ مجلس النواب في إصدار قانون الاستفتاء على مسودة الدستور،

وتماطل حكومة الوفاق في تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية، فيما تستمر معاناة الناس في تصريف شؤون حياتهم اليومية، إذ فاقمت حالة الصراع من أزمة انقطاع الكهرباء والوقود والسيولة النقدية في المصارف مع ارتفاع أسعار كافة السلع من دون أي محاولة جادة من قادة البلاد في ابتكار حلول تخفف من هذه المعاناة،

وبموازاة ذلك تستمر عصابات تهريب الوقود والسلع المدعومة والهجرة غير النظامية والجماعات المتطرفة في ممارسة نشاطها من دون رادع.

___________