Minbar Libya

بقلم محمد منصور

صراع بين إيطاليا وفرنسا يدخل بقوة الميدان الليبي من أجل تثبيت النفوذ الأكبر هناك، وذلك بعد سنوات مع المعارك المستمرّة وقبل أشهر من الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

دخل الميدان الليبي خلال الأسابيع الأخيرة في مرحلة جديدة عنوانها الأساس هو الصراع بين إيطاليا وفرنسا على النفوذ في ليبيا“.

فبعد سنوات شهدت تزايد النفوذ الإيطالي، بالتزامُن مع غياب للدور الأميركي والفرنسي، دخلت فرنسا والولايات المتحدة على خط الأزمة بقوّة نقلت كامل الملف الليبي إلى مرحلةٍ جديدةٍ، فيها يتم حسم مصيره بناء على نتيجة النِزال بين الطرفين.

إيطاليا تتحفّز في ليبيا

الانخراط الفرنسي المُتزايد في الملف الليبي، والذي كان أهم إرهاصاته هو مؤتمر باريس الذي تم عقده في أيار/ مايو الماضي، وجمع الأطراف الرئيسية في الميدان الليبي، والذي تم فيه التوافق على عقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية أواخر العام الجاري، دفع إيطاليا لمحاولة مجابهة هذا التدخّل وتحجيمه، خاصة بعد فشل القمّة الأوروبية الطارئة حول مكافحة الهجرة.

ويأتي التحرّك الإيطالي بهدف خدمة رؤيتها الإستراتيجية القريبة حول مستقبل الوضع الليبي، والمتلخّصة في عدم إجراء أية انتخابات إلا بعد تعميم مصالحة ليبية شاملة تشمل كافة الجهات والأطراف المحلية.

من أجل مواجهة الدور الفرنسي، بدأت إيطاليا عبر كل من وزراء خارجيتها ودفاعها وداخليتها بجانب سفيرها في طرابلس، في العمل على تأجيل الانتخابات بالتوازي مع تنفيذ الخطة الأوروبية في الجنوب الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية. وكذلك البدء في الترويج لاجتماع حول ليبيا ترعاه الحكومة الإيطالية في الخريف المقبل. بالفعل خلال الأسابيع الماضية بدأ الوزراء الإيطاليون في التوافد على ليبيا، مُطلقين تصريحات أثارت في المجمل بعض الشكوك والكثير من الغضب في الداخل الليبي.

وزيرة الدفاع الإيطالية زارت طرابلس للمرة الأولى يرافقها رئيس الأركان، وتحدّثا عن قُرب إطلاق برنامج لتدريب القوات الليبية، وتقديم دعم للقوات البحرية والجوية وخفر السواحل التابعين لحكومة الوفاق في طرابلس، لكن كانت للوزيرة تصريحات مفادها إن القيادة في ليبيا هي للإيطاليين، وأن إجراء الانتخابات قبل المُصالحة الوطنية هو خطأ فادح.

هذه التصريحات أثارت موجة من الغضب داخلياً في ليبيا، ازدادت عقب تصريحات مماثلة أدلى بها السفير الإيطالي في طرابلس خلال مداخلة تلفزيونية، وأشار فيها إلى أن حكومة روما ستقف بكل قوّة ضد إجراء الانتخابات في ليبيا، وأنه لا اعتراف سوى بخطة الأمم المتحدة للحل السياسي في ليبيا.

زار طرابلس أيضاً وزيرا الداخلية والخارجية، حيث تم أثناء زيارة الأخير الإعلان عن تفعيل اتفاقية الصداقة بين ليبيا وإيطاليا والموقّعة عام 2008، والتي تنصّ على استثمارات إيطالية في ليبيا بقيمة خمسة مليارات دولار على مدى 25 سنة قادمة، كتعويض عن حقبة الاستعمار.

هذا الإعلان تم بالتزامن مع موافقة مجلس النواب الإيطالي على تسليم طرابلس 12 زورق دورية لحرس السواحل الليبي من أجل دعم عمليات مكافحة الهجرة غير الشرعية، ضمن خطة أوسع تشمل استخدام حرس السواحل الإيطالي لطائرتين من دون طيّار من أجل مراقبة النطاق المقابل للمياه الاقليمية الليبية.

على المستوى الميداني، بدأت إيطاليا في خطوات عملية لتنفيذ خطة مموّلة أوروبياً لإنشاء نقاط مراقبة قرب الحدود الليبية الجنوبية، وأرسلت إلى مدينة غات الجنوبية وفداً رأسه مدير دائرة الهجرة في روما، ويضمّ في أعضائه عدداً كبيراً من الضباط التابعين لسلاح الهندسة في الجيش الإيطالي.

هذه الخطوة إذا ما وضعناها جنباً إلى جنب مع تحرّكات إيطالية مماثلة في النيجر غربي ليبيا، التي بدأت تصلها بشكلٍ تدريجي مجموعات من العسكريين الإيطاليين للتمركز في بعض المدن مثل مدينة أغاديز، تمهيداً لافتتاح قاعدة عسكرية إيطالية مطلع العام القادم، نصل إلى نتيجة مفادها أن إيطاليا توسّع بشكل مُتزايد هامش مناورتها في ليبيا بكافة الملفات.

توجّت إيطاليا تحفّزها في ليبيا بزيارة قام بها رئيس الوزراء الإيطالي إلى واشنطن، نجح فيها في تغيير الموقف الأميركي من الملف الليبي والذي كان خلال عهد الرئيس السابق ترامب يكتفي بمراقبة تطوّر الأوضاع على الأرض من دون التدخّل المباشر.

خلال هذه الزيارة أعلن الرئيس الأميركي تأييده الكامل للرؤية الإيطالية للحل السياسي في ليبيا، وبدأ التنسيق مع روما في ما يتعلق بالتمركزات العسكرية في النيجر التي أنشأ فيها سلاح الجو الأميركي قاعدة لانطلاق عمليات الطائرات الهجومية من دون طيّار، وفي هذا الصدد، جاءت زيارة قام بها وفد من قيادة القوات الأميركية في أفريقيا إلى مدينة مصراته، وقد رئِست هذا الوفد القائمة السابقة بالأعمال الأميركية في ليبيا، والتي تم تعيينها مؤخراً كنائبة لرئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

في نفس السياق، سجّلت الدبلوماسية الإيطالية نقطة لصالحها بعد زيارة وزير خارجيتها إلى مصر، حيث أعلن الطرفان عن وجود توافق بين رؤاهما للوضع في ليبيا، وعن قرب بدء اجتماعات دورية مشتركة بينهما حول هذا الملف.

مصر في هذه المرحلة تؤكّد على دعمها الكامل لقوات الجيش الوطني الليبي، لكنها في نفس الوقت تبقي على صلات مع الهيئات السياسية الرئيسية في ليبيا، وكذلك تتّفق من حيث المبدأ العام مع الرؤية الفرنسية حول الوضع الليبي، لكنها هنا تميل إلى وجهة النظر الإيطالية التي لا ترى أفقاً واضحاً يسمح بنجاح أية انتخابات تشريعية أو رئاسية في المدى المنظور.

الموقف الجزائري بات أيضاً أقرب إلى وجهة النظر الإيطالية، وهذا كان واضحاً خلال زيارة وزير الخارجية الجزائري الأخيرة إلى واشنطن. تونس تبقى قريبة من وجهة النظر الفرنسية وأعلنت ذلك بوضوح خلال اللقاء الأخير بين وزير خارجيتها ووزير الخارجية الفرنسي.

فرنسا .. محاولة  لاستدراج الموقف

فرنسا من جانبها بدأت في محاولة تطويق المحاولات الإيطالية للقفز على مخرجات مؤتمر باريس الأخير الذي حضرته القوى الرئيسية في الساحة الليبية بجانب وفود دول عديدة، وفيه تم التوافق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية أواخر هذا العام.

وزير الخارجية الفرنسي أجرى خلال الأسابيع الماضية جولة شملت ليبيا وتونس ومصر، أجرى فيها مباحثات حول إمكانية إجراء الانتخابات الليبية أواخر هذا العام، وصرّح عدّة مرات خلال هذه الجولة أن إيطاليا كانت ممثلة في مؤتمر باريس الأخير، ووافقت على كل مخرجاته بما فيها مبدأ إجراء الانتخابات اواخر العام.

الرئيس الفرنسي يتوقّع أن يزور مصر خلال الأسابيع المقبلة لبحث الملف الليبي مع القيادة المصرية، وهي زيارة يعوّل عليها كثيراً في تحديد اتجاه التحرّك الفرنسي خلال الفترة القادمة.

مواقف الأطراف الرئيسة في الداخل الليبي

تكرّس الانقسام بين الأطراف الرئيسة في الميدان الليبي على ضوء الصراع بين فرنسا وإيطاليا. قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر نفّذ خلال الشهر الماضي بعد استعادة السيطرة على الهلال النفطي، مناورة لإظهار القوّة بإعلانه نقل تبعية حقول النفط إلى مؤسسة النفط التابعة للحكومة المؤقتة في طبرق، وهو ما أثار ردود فعل رافضة على المستوى المحلي والدولي، ومن ثم بعد أيام أعلن إعادة الوضع إلى ما كان عليه وقام بتسليم تبعية إيرادات الحقول إلى مؤسسة النفط في طرابلس التابعة لحكومة الوفاق.

قائد الجيش أكّد خلال الفترة الماضية على دعمه لمخرجات مؤتمر باريس، وللرؤية الفرنسية القاضية بإقامة الانتخابات أواخر هذا العام. لكن بالتزامُن مع هذه التصريحات، لوحظت تصريحات تصعيدية من جانب المتحدّث باسمه، حيث أكّد على ضرورة إنهاء حُكم الميليشيات في طرابلس، وأن دولاً مثل قطر تدعم مجموعات مسلّحة في الجنوب الليبي.

كان لحفتر زيارة لافتة إلى النيجر، وفيها أطلع على التطوّرات الجديدة في ما يتعلق بالتعزيزات الإيطالية والأميركية الأخيرة. في ما يتعلق بموقفي مصراته وطرابلس، فإن عدم حضور ممثلين عن المجموعات المتواجدة في مدينة مصراته كان المؤشّر الأبرز على اقتراب هذه المجموعات من وجهة النظر الإيطالية، أما عن طرابلس، فمازال رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فيها مذبذباً بين الطريق الفرنسي والطريق الإيطالي، عملياً هو أقرب لوجهة النظر الإيطالية، لكنه يحتفظ بعلاقات جيّدة مع فرنسا.

تحرّكات ميدانية موازية لكل الأطراف

لم يغب الميدان عن هذه التطوّرات السياسية، الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر تقدّم بوحداته ليصل إلى منطقة الكيلو 50 شرقي مدينة سرت التي تسيطر عليها وحدات عملية البنيان المرصوصالموالية لحكومة طرابلس. بهذا باتت قوات حفتر على بُعد 30كم فقط من المواقع المتقدّمة لقوات البنيان المرصوص في الكيلو 20 شرقي سرت.

كذلك نفّذ سلاح الجو الليبي غارات قرب منطقة السدادة على وحدات تابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي.

تحسّباً لهجوم جديد على الهلال النفطي، دخلت قوات منطقة الخليج العسكرية في حال استنفار تام.

في مسارٍ موازٍ، تقترب قوات الجيش من تأمين كامل مناطق مدينة درنة، حيث لم يتبق فيها إلا أقل من 25 بالمائة من مساحة المدينة القديمة، يتحصّن فيها بضع عشرات من المسلّحين. قوات الجيش تستمر في دوريات ملاحقة عناصر مجلس شورى مجاهدي درنة الهاربين من المدينة، حيث اشتبكت وحدات من الكتيبة 101 مشاة مع عدد منهم قرب البوابة 200 على طريق طبرق – أجدابيا، مما أسفر عن مقتل 15 مسلحاً، كذلك تنفّذ وحدات من الكتيبة 128 مشاة دوريات مماثلة على طريق سرت – الجفرة.

تنفّذ وحدات الجيش في جنوب ليبيا عملية عسكرية في محيط مدينة الكفرة ضد عمليات التهريب والتسلّل، وسط هدوء حذر يسود مدينة سبها بعد اشتباكات الشهور الماضية.

تنظيم داعش لم يغب عن هذه التحرّكات، فتم رصد تحرّكات لعناصره جنوب منطقة العقيلة الواقعة غربي مدينة أجدابيا، كذلك نفّذ عناصر التنظيم نقاط تفتيش على طريق أجدابيا – جالو، واختطفوا عسكريين على طريق ودان – زلة.

الهجوم الأبرز للتنظيم خلال هذه الفترة كان على مركز شرطة العقيلة، والذي فيه تم استخدام سيارات تمّت سرقتها من منطقة الهلال النفطي، لكن تمكّنت قوات الجيش من ملاحقة منفّذي الهجوم والاشتباك معهم.

التدهور الأمني في العاصمة طرابلس تزايد خلال الأسابيع الأخيرة بشكل ملحوظ، عمليات الخطف مستمرة وكان آخرها اختطاف موظفين في المؤسسة الليبية للاستثمار.

كذلك استمرت الاشتباكات المتقطّعة بين المجموعات المسلّحة داخل المدينة خاصة في منطقة حيّ بوسليم ومحيط طريق مطار طرابلس، وتعرّض مخيم نازحي تاورغاء إلى هجوم مسلّح استهدف إبعادهم عن المنطقة. كذلك تعرّض نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق لمحاولة اغتيال بهجوم مسلّح، وتم اغتيال ضابط بالقوات الجوية التابعة لحكومة الوفاق وكان يشغل منصب مدير الحركات الجوية في مطار معيتيقة العسكري.

اتّسع نطاق التظاهرات المندّدة بسوء الأحوال المعيشية وانقطاع التيار الكهربائي لتشمل بالإضافة إلى طرابلس مدن صرمان والزنتان والزاوية ومصراته، وكذلك توتّرات بين مدينتي زوارة وصبراتة. لوحظ خلال الأيام الأخيرة تعدّد الهجمات التي تستهدف منظومة تشغيل وإدارة مشروع النهر الصناعي، وكان آخرها الهجوم على موقع آبار السرير الجوفية على خط سرت – بنغازي، والذي فيه تم اختطاف أربعة مهندسين أجانب.

وكذلك الهجوم على موقع جهاز إدارة المشروع في منطقة تبعد 50كم من مدينة تازربو. كذلك تعرّض القطاع النفطي لخسائر بعد هجوم على حقل الشرارة النفطي.

إيطاليا تفوز، أم ان لأطراف جديدة كلمة أخرى؟

بعد جلستين غير ناجحتين، تمكّن مجلس النواب الليبي في طبرق من التوافق حول مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، على أن يتم تعديل المادة السادسة فيه بعد عيد الأضحى القادم. وهو ما يعني عملياً تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى أمد غير مُسمّى لحين إتمام الاستفتاء على الدستور.

بالتالي نستطيع أن نعتبر أن الوضع السياسي الليبي يسير في اتجاه الرؤية الإيطالية ولو بشكلٍ مؤقت. تصريحات المتحدّث باسم قائد الجيش الليبي الأخيرة حول طلب دعم روسي على ثلاثة اتجاهات أولها هو دعم إنجاز الانتخابات نهاية هذا العام، ورفع حظر التسلّح عن ليبيا، ووقف الدور التركي – القطري – الإيطالي في الداخل الليبي، هي تصريحات قد تؤشّر إلى تدخّل روسي قريب في الأزمة الليبية، لكن يبقى حجم هذا التدخّل رهناً للتطوّرات الآنية، خاصة أن بريطانيا قد تدخل في أي وقت على خط هذه الأزمة خاصة بعد تقديم حكومة الوفاق في طرابلس طلباً رسمياً للندن لاستقدام مدرّبين عسكريين بريطانيين لتدريب الوحدات التابعة لها.

_____________