Minbar Libya

 بقلم أنس خالد

يعتبر البعض أن حالة التدهور أو القصور أو الإخفاق أو التدني، في المجالات الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة، هي مؤشر للتصنيف والتسليم بأنها دولة فاشلة،

أيًا ما كان المسبب في ذلك القصور أو التدني أو الإخفاق الذي وصلت إليه الدولة، سواء كان نتيجة سياسات خاطئة ومتخبطة من النخبة الحاكمة،

أو نتيجة عرض خارجي قوي تقع الدولة تحت وطأته، مثل الحصار والعقوبات الاقتصادية،

أو كان نتيجة الإكراه عن طريق حروب الجيل الرابع من الحروب غير المتماثلة، التي تستغني فيها الدول الكبرى عن استعمال ترسانتها العسكرية ونيرانها، ويستخدم فيها الأطفال والنساء من ذات الدولة المستهدفة، في وجود تعاون من الطابور الخامس لإحداث القلاقل وعدم الاستقرار والفوضى، وصولًا إلى إعلان العصيان المدني في كافة المرافق، أو سواء كان نتيجة أي مسبب آخر.

  وكان نتيجة هذا المفهوم (إعلان الفشل) الذي تلجأ إليه الدول الكبرى متعمدة، والتي تخصص لهذا الغرض مؤسسات وهيئات، مثل صندوق السلام ومجلة السياسة الخارجية فورين بوليسي، وجامعة جورج ماسون وغيرهم،

كان نتيجة ذلك المفهوم الذي يعرف الفشل بأنه: فقدان الدولة حقها السيادي في احتكار قوتها بشكل شرعي مما يعرضها للاضطرابات وحركات العصيان المدني،

أو تكون سيادتها مقيدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية،

أو وجود قوات أجنبية على أراضيها،

أو هي الدول التي لا تستطيع أن تلعب دورًا فاعلًا ككيان مستقل على أراضيها.

كان نتيجة ذلك هو إصدار قوائم للدول الفاشلة في شهر يوليو (تموز) من كل عام، وهذه الدول الفاشلة يجري استهدافها أو بالأحرى استنزافها كما هو مشاهد، باعتبار المصالح السياسية والاقتصادية، والثروات الطبيعية الضخمة التي تحتويها.

  وإذا أمعنا النظر في العوامل والمؤشرات مثل المؤشر الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي، التي وضعتها تلك المؤسسات، نجد أنه كان من السهل لديها تحييد تلك العوامل وتوجيهها إلى أغراض سياسية تتفق تمامًا مع مصالح واستراتيجيات الدول الكبرى،

بمعني أنها محاولة لإضفاء الشرعية والقانونية لما سوف تقوم به الدول الفاعلة لاحقًا بحق هذه الدول،

وعليه فإنها تصنف كوريا الشمالية مثلًا دولة فاشلة مثلما تصنف الصومال دولة فاشلة، مع ما بلغته كوريا الشمالية من التطور العلمي والتقني، وليس من الصعب في ذلك أن نقف على تسييس العوامل والمؤشرات التي يتم الاستناد عليها، والتي تفتقد النزاهة المهنية العلمية، ووفقًا لذلك تصنف كوريا الشمالية دولة فاشلة، بل مارقة؛ لأنها تشكل تهديدًا أمنيًا حقيقيًا للولايات المتحدة.

  ومع ذلك فإن هذه المؤسسات مختلفة عن بعضها في تناولها لمؤشرات وقياس الفشل، فمؤسسة برتلسمان مثلًا تعتمد على المؤشر السياسي والأمني في قياس الفشل، بينما تعتمد مؤسسة الاقتصاد والسلام المؤشر الأمني فقط، وتعتمد مجوعة عالم الاقتصاد المؤشر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، في حين تعتمد جامعة جورج ماسون وصندوق السلام المؤشرات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية،

وهذا الاختلاف في تناول المؤشرات ينتج عنه تباين في قياس الفشل؛ مما يعني أن تقييم الفشل غير موحد وغير مطلق لأنه يختلف من جهة لأخرى، ومن الطبيعي أن لا يثق في هذا التصنيف إلا الجهات التي أصدرتها، أو بالأحرى الجهات التي من مصلحتها هذا القياس.

ومع ذلك فان إضافة وصف الفشل للدولة وتسميتها بالفاشلة يظل أمرًا يفتقد للمهنية العلمية وغير متقبل، لما ينطوي عليه الوصف من الظلم والإجحاف المتعمد والمقصود؛ لأن الفشل أو الانهيار صفات متغيرة، وليست ثابتة،

بل إن من طبيعة الأفراد والدول التعرض للنكبات والإخفاق، بل إن الدولة أو الأفراد ينجحون دائمًا بعد تعرضهم لتجارب الفشل والانهيار والتدمير كما في تجربة اليابان على سبيل المثال،

أما أن تلصق صفات النقص والمهانة بما يعطي انطباعًا بأنها مكون أساسي للدولة مهما كان حجم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية بها، فهذا مما يتنافي مع حقائق الأشياء ويخالف المعقول،

ومع هذا فإن إضافة الصفات الناقصة للدول وتسميتها بها لا يخرج من مسمي الظلم، ولا يخرج أيضًا من مسمى الحرب النفسية والتشهير ومحاولة زعزعة الثقة لديها، وتشكيكها في ثوابتها واستراتيجياتها وعقيدتها، مجرد إطلاق هذه التسمية يعطي شعورًا وإحساسًا بأن هذه الدول القوية لديها من الحق في أن تسمي من تشاء بما تشاء.

  ومع هذا فإن مسمى الدولة الفاشلة، والذي كان دخول المتغيرات السياسية والنظرة النفعية فيه، ليتم اجتياح الدول ونهب ثرواتها، وإخضاعها تحت مسميات مسؤولية الحماية وحفظ الأمن والسلم الدوليين، باعتبار أنها غير مؤهلة لتكون جزءًا من المنظومة الدولية، (نحو 20 دولة عربية تسمي دولًا فاشلة) فإنه يمثل سقطة فكرية وأخلاقية وتكشف عن نفوس مريضة بالتسلط والكبر والهيمنة.

***

أنس خالد ـ كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط

____________