Minbar Libya

بقلم علي أبوزيد

التصوف ما هو إلا مقام الإحسان الذي قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنك يراك)، فهو تجرد للحق بالحق، وهو التعبير الأصدق عن لبّ الدين ومقاصد الشريعة، وهو أيضاً لم يسلم من الدخلاء فيه ممن جعله مطية ووسيلة لهوى نفسه ومصلحة شخصه بدعاوى باطلة وتخاريف ضالة وقول بغير علم.

التصوف في ليبيا

والتصوف في ليبيا له جذوره التاريخية بعيدة الغور، وله دوره الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، فقد كانت زوايا الطرق الصوفية تمثل مقارّ القيادة الاجتماعية في المراكز الحضرية في ليبيا، ولعب دوراً كبيراً في قيادة الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي، وهل أتى الملك إدريس إلى العرش إلا من الزعامة الدينية للعائلة السنوسية وانتشار طريقتهم خاصة في الشرق الليبي.

وقد كانت الزوايا الصوفية أيضاً مناراتٍ للعلم ومأوى للناس تنفق على طلبة العلم والمحتاجين من ريع أوقافها وأحباسها، وقد تراجع دور الزوايا الصوفية في ليبيا بسبب تأميم الأوقاف وجعلها تحت رعاية الدولة،وانصراف الناس للتعليم النظامي بدلاً عن التعليم الأهلي، ومن أسباب التراجع أيضاً أن الطرق الصوفية غالباً ما يتولى مشيختها من لا يحسن ولا يفقه من علوم الشريعة ومعارف الحقيقة وآداب الطريقة شيئاً.

وصار دور الصوفية مقتصراً على ظهورهم في إحياء الاحتفالات الدينية فقط دون أي دور دعوي أو خطاب ديني مؤثر، بل بعد ثورة فبراير زاد تراجع هذا الدور لاعتبارهم من بقايا نظام القذافي الذي أعطاهم هامشاً ضئيلاً يتحركون فيه على عكس غيرهم من التيارات، كما أن الصوفية تعرّضوا للاعتداء والمضايقة من الوهابية وخاصة المداخلة

فهدمت كثير من زواياهم ومساجدهم ونبشت قبور وأضرحة أغلب الأولياء ممن يفخر العقلاء بأن يضم تراب الوطن أجسادهم الطاهرة، فأصبحوا أقلية مستضعفة خاصة وأن أغلب التيارات الدينية المتصدرة مرجعيتها الوهابية وإن اختلفت توجهاتهم السياسيةسواء المداخلة أو السلفية الحركية (دار الإفتاء) أو السلفية الجهادية (القاعدة وداعش)، وحتى جماعة الإخوان المسلمين يغلب على أعضائها تبني المرجعية الوهابية.

لذلك فإن الصوفية في نظر هؤلاء ليست إلا جماعة قبورية مبتدعة بممارساتها الشركية.

هذا الانكماش والتراجع الذي شهده التصوف في ليبيا وما صحبه من اعتداء جعلهم غالباً في منأى عن التوظيف السياسي، إلا أننا نشهد اليوم استدعاءً للتصوف في المشهد السياسي من خلال استخدامه خطاباً دينيا لتيارات سياسية،

وهذا التوظيف ليس مقتصراً على ليبيا في فقط، بل هو حالة إقليمية بدأت تبرز منذ تراجع الدعم للخطاب السلفي بعد توجه النظام السعودي إلى ما يسميه انفتاحاً وابتعاداً عن التطرف، وتشكل تيار من شخصيات دعوية مدعومة إماراتياً بسخاء لها شبكة علاقات واسعة في المنطقة، ومتنفذة بشكل كبير في الأزهر لتقدّم خطاباً مصبوغاً بصبغة صوفية باهتة على أنه الخطاب الديني الأقدر على مواجهة التطرف والإرهاب –وربما نبسط الكلام عن هذا التيار في غير هذا المقام-.

ظهور التصوف في الخطاب السياسي الليبي

وقد ظهر استدعاء التصوف للمشهد الليبي على لسان السيد عارف النايض العازم ترشيح نفسه للرئاسة، الذي يؤكد دائماً على خلفيته الصوفية التي لا نعرف عنها إلا إجازاتٍ عامة يجيز بها المشايخُ طلبةَ العلم تبركاً وليس لها أثر يذكر في المتانة العلمية، والسيد النايض الأكاديمييريد أن يجمع حوله شتات الصوفية في ليبيا لسببين:

أولهما: أن الصوفية يشعرون بتهميش وظلم كبير وقع عليهم، وفي دعوة النايض لهم فرصة لتقوية أنفسهم ولعب دور مهم في المشهد الليبي،

وثانيهما: أن النايض يقدم التصوف ليس كخطاب بعيد أن التطرف فقط، بل كجزء من الهوية الليبية، وهو بذلك يسعى لجذب شريحة من الناس التي ضاقت ذرعاً بالفتاوى المستوردة، ومظاهر التدين المتأثرة بالبيئة الاجتماعية في الخليج، بل وبلهجاتهم أحياناً.

كما أنّ استدعاء التصوف بات واضحاً حتى في المقاربة الأمنية عندما يرجع (بعضهم) استهداف بوابة كعام من قبل خلية لداعش أنه بسبب خلفية مدينة زليتن الصوفية، ويدرك الزائر لمساجد زليتن والخمس ومسلاتة انتشار الوهابية فيها بشكل كبير وذلك منذ أغسطس 2012 بعد تفجير وهدم ضريح سيدي عبد السلام الأسمر.

ومع اتفاقي مع السيد النايض أن التصوف هو أحد أركان المدرسة الشرعية في ليبيا، وأنه يعبر عن الهوية الثقافية والدينية لهذا البلد عبر تاريخ ممتد لقرون، إلا أن توريط التصوف سياسياً في هذه المرحلة غير مُجدٍ للتصوف، وذلك بسبب هشاشة وضعف بنية التصوف في ليبيا الآن، فالزوايا تكاد تخلو من العلماء وطلبة العلم، وأغلبها مقتصر على تحفيظ القرآن فقط،

كما أنه ليس للصوفية جسم يجمعهم، والمجلس الأعلى للتصوف السني في ليبيا لم يعقد إلا مؤتمرَه التأسيسي فقط، والخلافات حادة داخله يعلمها القريبون منه؛ لذلك فإن النهوض بالتصوف ليس بزجّه في السياسة واتخاذه مطية للسلطة، بل ببعث التصوف أخلاقاً وسلوكاً وتربيةً مقترناً بالعلم والمعرفة، وهذا بلا شك يحتاج إلى اجتهاد وإخلاصٍ يندر وجوده في السياسة.

***

علي أبوزيد / كاتب ليبي

___________