Minbar Libya

بقلم علي عبد اللطيف اللافي

شهدت ليبيا خلال الأسابيع والايام الماضية تطورات كبيرة ومتسارعة كان من أهم ترتباتها:

  • تفكك التحالفات في الشرق الليبي والتي ترتبت عنها تجلي الصراع الخفي سابقا بين عقيلة صالح وحفتر ونجليه والذي تبينت تفاصيله أثناء جلسات مجلس النواب الخاصة بقانون الاستفتاء…

  • اشتعال معارك النفوذ مجددا في طرابلس العاصمة، وهي معارك تحولت الى اشتباكات دامية خلال الأيام الماضية وخاصة بعد عيد الأضحى، بين الاخوة الأعداء في ضواحي طرابلس…

وبناء على ذلك فإن الرهان الحقيقي والرئيسي في ليبيا لا يزال عمليا، حول الخلاف حول الاتجاه إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية كحل للازمة الراهنة من عدمه بناء على خلافات على تفاصيل كتجسيد لصراع دولي واقليمي باعتبار رغبة البعض في تأجيل الانتخابات وإصرار البعض على أنجازها في نهاية العام الحالي

وكخيار ثالث الشروع في حوار بين أطراف النزاع للتوافق على سلطة تنفيذية فاعلة؛ تقوم بمهام رئيسية منها التمهيد للانتخابات العامة وهي عمليا الاتفاقات الأولية المترتبة على مفاوضات العاصمة الهولندية والتي تجري في أحد النزل الغابية بعيدا عن التأثيرات والمؤثرات…

إن الذهاب للانتخابات في ليبيا بغض النظر عن الاختلافات في الآليات أو الأسس أو التاريخ، جاءت بعد قناعة الجميع بما سميناه في دراسة تحليلية لنا ، بتوازن الضعف داخل وبين مكونات المشهد المحلي والإقليمي والدولي المتداخلة في الملف الليبي وبناء على انسداد الأفق السياسي بفشل جولات التفاوض التي شهدتها العاصمة التونسية منذ أكثر من سنةز

فقد أظهرت جولات الحوار في تونس مدى عمق الخلافات بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة وما يمثلانهما، ورغم حالة توازن القوى بين الجميع فإنه من الواضح أن حسم الصراع لطرف دون الآخر بعيد الإمكان رغم عمل حفتر باستمرار على الأجندات والبدائل الخلفية للعملية السياسية،

على غرار خطة الالتفاف والتي لم ولن تتهيأ شروطها في كل الحالات رغم أن الاعداد اللوجستي لها بدأ منذ اشهر في “الوطية” و”مسلاتة(25 كلم على البحر) و”صبراتة” إضافة للممهدات اللوجستية التي من الممكن ان يقوم بها التيار المدخلي والذي بدأ منذ أسابيع في تصفية وحصر خصومه في العاصمة في زوايا غير مريحة إضافة الى استنجاده بأنصار التيار المدخلي في الدول المجاورة والذين دخل بعضهم للأراضي الليبية وخاصة التونسيين والجزائريين منهم …

وقد سبق لأذرع إقليمية معروفة أن حاولت طوال السنوات الماضية كسر ذلك التوازن من خلال الدعم العسكري للأطراف الموالية لها إلا أنها لم تنجح وهو ما أقنع وحتم على الجميع حضور لقاء باريس في نهاية الامر أي في 29 مايو الماضي بغض النظر عن الأهداف والمرامي من عقده يومها أو أهدافها من القبول بالحضور فيه.

فبنغازي لم يتم دخولها الا بعد ثلاث سنوات (2014-2017) ودرنة لا تزال غير مكتملة السيطرة عليها رغم الانتصار ميدانيا على مجلس شورى المدينة وهو الامر الذي تطلب أشهرا وامدادا لوجستيا مصريا واماراتيا وفرنسيا.

إضافة للخيبات المستمرة عبر السقوط المستمر في العاصمة لمنطق الترتيب اللوجستي للخلايا النائمة ( قبل مؤتمر باريس بأسبوعين تحديدا) ..

ان اتفاق الصخيرات رغم علاته البُنيوية حظي بدعم دولي وأصبح منذ 2015 الإطار المرجعي الوحيد للخروج من الأزمة وهو أمر اكدت عليه كل الجهود الدولية والاممية على غرار اتفاق باريس ولقاء روما يوم 09 يوليو الماضي، خاصة أنه من خلال الصخيرات وجد جسمان جديدان هما المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة المعترف بهما دولياً إضافة لمجلس النواب.

كما أن الاتفاق قطع الطريق يومذاك على مشروع إيجاد قذافي آخر بل أنه مثل الإعاقة المنهجية والعملية لسيناريو “سيسي ليبيا” المترنح بطبيعته منذ فبراير 2014.

وبما أن الاتفاق قد نُفذ جزئيا فقد أدى ذلك الى جمود العملية السياسية بل فشلت لاحقا كل محاولات الإنعاش، وبالتوازي مع ذلك فشل خصومه أن يكسروا حالة توازن القوى طيلة مدة الجمود، فلم يبق إلا صندوق الاقتراع لكسر حالة التوازن هذه وحسم الصراع لأحد أطرافه ديمقراطياً..

ولكن السؤال متى وكيف سيتحقق ذلك؟

ان أي اتفاق أو حوار بين فرقاء الصراع الليبي لن يكتب له النجاح الا بعد تفكيك وانهاء الاختلاف حول الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات ذلك أن الإقدام عليها بالعقليات السياسية الحالية سينقل حالة الانقسام الحالية لمستويات عُليا من التعقيد.

كما أن الإسراع في إجرائها دون اتخاذ التدابير اللازمة لخلق حالة الاستقرار لا يعدو كونه محاولة لتمرير سيناريوهات ترتب في غرف إقليمية ودولية أو لخدمة هذا الشخص أو ذاك او هي تمرير لسيناريو رُتب وخطط له بداية من سنة 2016 بعد الفشل في تكريسه انقلابيا منتصف 2014 ويراد تمريره حاليا بطريقة جد ناعمة وعبر الصناديق.

ولكن ذلك أمر غير ممكن بل ومستحيل ولا حل في ليبيا وفق أكثر المُتابعين، إلا عبر التزام العقلاء من كافة الأطراف الليبية بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية بعد إقرار مشروع الدستور وتوحيد المؤسسات السيادية وخضوع مختلف القوى العسكرية للسلطة المدنية، وذلك هو الضامن الوحيد حتى تُؤتي الانتخابات أُكلها وبذلك تنتهي حالة الصراع السياسي.

لقد عبّر البعض من أطراف الصراع عن تحفظهم على الانتخابات من منطلق أنها لن تقدم جديد على مسار الحل، والحجة عندهم أن الرأي العام يعيش حالة استلاب جراء النزاع والحملات الإعلامية المضادة، وبالتالي لن يكون الناتج إلا جسما تشريعيا متناقضا مشلولا، وغير مؤهل لقيادة البلاد وهي تعيش أخطر أزماتها.

وهناك من يتحفظ على الانتخابات الرئاسية؛ للاعتقاد بأنها ستكون وسيلة التمكين لخليفة حفتر بعد أن فشل في فرض نفسه عسكريا، حتى تفرع الخلاف ليصبح حول إجراء انتخابات متزامنة كما يريد طرف، أو قصر الانتخابات على المجلس التشريعي فقط كما يدعو آخرون.

لقد عبّر البعض من أطراف الصراع عن تحفظهم على الانتخابات من منطلق أنها لن تقدم جديد على مسار الحل، والحجة عندهم أن الرأي العام يعيش حالة استلاب جراء النزاع والحملات الإعلامية المضادة

ولقد ازداد الخلاف أكثر حدة بعد أن انقسمت الأطراف الدولية الفاعلة على نفسها في هذا الخصوص بعد اجتماعي باريس وروما، فقد صار جليا أن هناك محورا دوليا مهما يضم واشنطن وروما، يدعو إلى تجاوز خطة سلامة بتأجيل الانتخابات، والتفاوض حول إعادة ترتيب المؤسسات التنفيذية، وفرض درجة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

على الجهة المقابلة، تقف باريس وخلفها موسكو ومعهما الجارة مصر، حيث أظهرت فرنسا إصرارا على إنجاز الانتخابات قبل نهاية العام الجاري، ويبدو أنها استنفدت جهدها كاملا دون أن تظهر بوادر نجاح بل أن الإشارة الأهم جاءت في تراجع المبعوث الأممي عن خطته بشكل صريح، بعد أن أعلن في آخر إحاطة له أمام مجلس الأمن منذ أسابيع عدة؛ عن صعوبة أن تجرى انتخابات هذا العام.

ظل تمسك المبعوث الأممي بالانتخابات كخيار عام مفتوح، وليس وسيلة لإنهاء النزاع في وقت محدد وقد بات الأمر مؤكدا أن لا انتخابات هذا العام، ويبدو أنه صار راجحا أن لا انتخابات في ظل الوضع الراهن، وأن الاتجاه سيكون بالدفع إلى توافق ينهي أهم مظاهر التأزيم المستحدثة، والتي في مقدمتها الأزمة الاقتصادية الخانقة المتمثلة في النقص الشديد في السيولة، وارتفاع الأسعار، والتدني الكبير في الخدمات العامة (الكهرباء – الماء – السيولة المالية ….).

هذا الخيار الأخير تتبناه الولايات المتحدة، عبر مساعدة المبعوث الاممي “استيفاني ويليامز” والتي صارت نائبا لغسان سلامة منذ بداية يوليو الماضي وهي تجري زيارات مكوكية بين تونس وطرابلس وبنغازي وتقابل كل المكونات السياسي منها والاجتماعي، بل وظهر ما يشير إلى أنها فاعلة في إدارة الأزمة ووضع الأسس تمهيدا لحلها أو التخفيف من حدتها ولا شك أن هناك توافق بين الولايات والمتحدة وإيطاليا على تخطي خيار الانتخابات.

وهناك مؤشرات على اتجاه ويليمز إلى المقاربة التوافقية، وحراكها كشف عن اهتماما أكبر بالتهدئة ومعالجة الوضع الانساني والمعيشي الصعب، وبناء على كل ذلك من المنتظر أن يتم الإعلان عن خطة جديد للبعثة الأممية تتأسس على:

ـ التفاوض بهدف إعادة تشكيل سلطة تنفيذية واحدة

ـ دمج المؤسسات السيادية المنقسمة

ـ تعيين حكومة مصغرة قادرة على معالجة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية

ـ الشروع في الترتيب للانتخابات مع نهاية العام القادم

***

علي عبد اللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية

_______________

المغاربي للدراسات والتحاليل