Minbar Libya

بقلم صقر الجيباني

بعيداً عن الأسماء والشخصيات ،والقادة والرموز ، والأجندة والإيديولوجيات ، والتدخلات الإقليمية والدولية فإن الصراع الدامي في العاصمة طرابلس ليس صراع سلطة ونفوذ ومال فقط بين بارونات المال والاعتمادات ، أو صراع بين فبراير وسبتمبر ،

إنما هو صراع بين شباب ليبي من الفئة العمرية تحت سن 25 سنة وجدوا أنفسهم مُجنّدين في مليشيات مسلحة تتبع بالاسم الجهات الرسمية ولكن فعلها يشهد تبعيتها لأمراء ثكناتها العسكرية .

وهذه الفئة كما هو معروف تمتلك القوة البدنية والحماس الزائد والمندفع ، وتنقصها التجربة والخبرة ، وبالتالي من السهل توجيهها وقيادتها من قبل قادة مليشيات وأمراء حرب لهم مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه .

الفئة العمرية التي نتحدث عنها وجدت نفسها في حالة بطالة إجباريّة أو مقنّعة ويئست من الأجسام صاحبة القرار الجاثمة على سدة الحكم (الرئاسي – البرلمان المصرفين المركزيين ) من أن تضع حلاً للوضع المالي والاقتصادي المتردي والذي انعكس على تدهور مستوى المعيشة وأهدر الكرامة ، وبالتالي لم يكن أمامها إلا خياران اثنان :

إما الهجرة إلى أوربا عبر البحر للبحث عن فرصة أفضل للحياة توفر لها العيش الكريم خاصة وأنهم في مقتبل العُمر ، فأرض الله واسعة والوطن حيث كرامتك وليس حكراً على مسقط الرأس وملاعب الصِّبا .

وإما البقاء في ليبيا والإنخراط في إحدى التشكيلات المسلحة للحصول على المال لتوفير مستلزمات المعيشة مُطَمْئِنَاً نفسه بأنه خرج ممتشقاً سلاحه من أجل الوطن !! ولا أعرف أي نوع هذا من الانتماء للوطن يجعلك تخرج عليه بـ”خشم البندقية ” لتقتل وتحرق وتروّع المدنيين في بيوتهم وتفرّقهم بين نازح ومُهجّر !!

البطالة قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة لا سيما بطالة الشباب الذين سُدّت في وُجوههم أبواب الاسترزاق الحلال وفرص العيش الكريم بعد توقف عجلة التنمية في ليبيا وتكالب الأزمات عليها وخصوصاً أزمة السيولة وتوقف المصارف عن منح السُّلف والقروض الميسرة أو بدون فوائد ربوية لدعم المشروعات الصغرى والمتوسطة،

بل التوقف والعجز حتى عن دفع مستحقات الموظفين وغيرهم من المودعين في استلام كامل رواتبهم وودائعهم المالية، وإحجام رجال الأعمال والمستثمرين عن الولوج في مشاريع تخلق فرص عمل جديدة للشباب العاطل بسبب المناخ الاقتصادي السيء في ليبيا والملبّد بأجواء مخاطرة كثيرة التقلبات غير مطمئنة وغير مستقرة .

في إحصائية للعام 2017 عن الشباب العاطل في العالم للفئة العمرية (15-24 سنة) كانت ليبيا من أعلى نسب البطالة في العالم حيث وصلت إلى 46% (المصدر : بيانات البنك الدولي ) وهذه النسبة مؤشر خطير لما آلت اليه الأوضاع الاقتصادية

وعليه

نحن جميعاً مسؤولين أمام الله وأمام الوطن وأمام التاريخ تجاه هذه الفئة من الشباب ،

فإما إيقاف الحرب واستغلال الفرصة من قبل صُنّاع القرار الاقتصادي والسياسي بعد اسئناف إنتاج النفط وارتفاع أسعاره العالمية في تدوير عجلة التنمية لإستيعاب هؤلاء الشباب وتفريغ طاقاتهم في الإنتاج والنمو الاقتصادي وبالتالي تحقيق نوع من الإستقرار،  

وإما تركهم ضحيّة لأمراء الحرب وتجار الأزمات والإعلام المُموّل ليكونوا وقوداً لحرب أهليّة وبالها سيكون علينا جميعاً وآثارها ستبقى عقوداً طويلة من الزمن.

***

صقر الجيباني/ محلل مالي ليبي

___________