Minbar Libya

 بقلم إسماعيل رشاد القريتلي

يحلل هذا المقال دوافع تكرار القتال بشأن مدينة طرابلس منذ 2011، ويناقش فرضية مفادها أن النظام المركزي الشمولي ذا المستوى الإداري والسياسي الواحد هو أساس الاحتراب في طرابلس، والدافع لتوجه مناطق ليبية مختلفة لبسط السيطرة الكاملة أو الجزئية على المدينة، التي تستضيف ذلك النظام المركزي المغلق.

ويرى المقال أن تطوير نظام حكم سياسي وإدراي جديدة يعكس السياقات الاجتماعية والثقافية وتلك المتعلقة بالموارد والثروات يمثل أساس المعالجة لكل موجات الاقتتال بشأن طرابلس وأحد أهم عوامل الاستقرار في ليبيا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

التحول إلى النظام المركزي منذ 1963

وضعت اللبنات الأولى للنظام المركزي في القانون رقم (1) لسنة 1963، الذي بموجبه تم تعديل دستور المملكة الليبية المتحدة (1951) بإلغاء النظام الاتحادي، فحذفت كل الفصول والمواد والفقرات المتعلقة بالنظام الاتحادي والولايات، وأصبحت ليبيا منذ ذلك الوقت دولة بسيطة موحدة، مع تطوير مستويين للحكم تمثل الأول في المحافظات، والثاني في المتصرفيات لكن بصلاحيات إدارية ومالية محدودة تخضع لسيطرة المستوى الأولى الذي بدأ يتركز في مدينة طرابلس.

واستمر تعزيز النظام المركزي الشمولي بعد إسقاط النظام الملكي سنة 1969، وفي سنة 1995 ألغي المستوى الثالث من الإدارة المحلية، وضعف إلى كبير المستوى الثاني (الشعبيات) ولم يتغير ذلك النظام حتى فبراير 2011.

يبقى من المهم الإشارة إلى أنه منذ تعديل 1963 حصرت السلطة المركزية للدولة حقها المطلق في جباية كل أنواع الأموال والموارد المالية الناتجة عن تصدير النفط وغيره لصالح الموازنة العامة وفق المادة 172 في دستور 1963، وأصبحت المحافظات تتبع نظام الحكم المركزي.

نظام الحكم منذ 2011

أقر المجلس الوطني الانتقالي (المجلس التشريعي الأول التابع للمناهضين للقذافي بعد اندلاع أحداث فبراير 2011) قانون الحكم المحلي رقم 59 لسنة 2012، ثم عدل المؤتمر الوطني العام المنتخب في يوليو 2012 القانون بموجب القانون رقم (9) لسنة 2013 الذي منح للبلديات (المستوى الثالث في نظام الحكم) الصلاحيات التي أقرها قانون 59 للمحافظات (المستوى الثاني في نظام الحكم)، باستثناء الفقرة (ج) من المادة (12) المتعلقة بالمصادقة على ميزانيات البلديات، والفقرة (ب) من المادة (13) الخاصة بالتعليم العالي فقد منحهما لمجلس الوزراء.

غير أن القانون لم يفعل حتى الآن، واستمرت وزارات الحكم المحلي تمارس دورا هامشيا لصالح المستوى الثاني من الحكم المحلي. وكان الدافع لتعديل القانون (59) عدم اتفاق الجهويات والمناطق على عدد المحافظات وحدودها الإدارية خاصة أن القانون (59) لم يأخذ في الحسبان البنية التاريخية لليبيا المتمثلة في الأقاليم التاريخة الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان).

التربص بالسلطة المركزية

نتج عن تحلل منظومة الحكم السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية لنظام القذافي، وما نتج عن ذلك من تراجع واسع في تفرد الدولة بالسلطات السيادية لجهة تفكك المؤسسات السيادية، مثل الجيش والمخابرات ووزارة الخارجية، الأمر الذي ترتب عليه عجز كامل لسلطة النظام المركزي في التحكم وحماية الموارد المالية والاقتصادية للدولة بسبب تناوب سيطرة المجموعة المسلحة الجهوية والإيدولوجية على هياكل صناعة القرار السيادي والمالي في حكومات ما بعد فبراير.

أدى تكدس القرار المالي والإداري والسياسي في مقرات النظام المركزي الكائن في مدينة طرابلس إلى توجه أنظار أصحاب القوى والنفوذ نحو طرابلس للسيطرة عليها لضمان الحصول على أعلى عائد سياسي ومالي.

بمرور الوقت خضعت حكومات ما بعد فبراير إلى منطق الاستعانة بالمجموعات المسلحة الجهوية لتوفير الحماية لها مقابل عوائد مالية تعود على تلك المجموعات بطرق عديدة كالمرتبات والاعتمادات التي تمنح للشركات التي يمتلكها قادة تلك المجموعات وعقود المشاريع التابعة للوزرات والهيئات الحكومية المختلفة، ومساحات للنفوذ من خلال تعيينات في القطاعات العامة التي تمتلك موارد مالية كبيرة أو تسيطر على القرار السياسي والسيادي في الخارجية والداخلية.

وأمام هذا الواقع ذي الهيكلة الرأسية بدأت العاصمة تعيش صراعات وتشهد مواجهات مسلحة من أجل السيطرة على بنى وديناميات نظام الحكم المركزي.

وفي سنة 2014 شهدت طرابلس اقتتالا أهليا (فجر ليبيا) بين المجموعات المسلحة الجهوية التي تنتمي لمناطق من خارج طرابلس، كان أهمها الحرب بين كتائب مصراتة وكتائب الزنتان، والتي انتهت بسيطرة كتائب مصراتة على العاصمة صحبة عدد من كتائب طرابلس نفسها.

ثم استطاعت مجموعات مسلحة طرابلسية سنة 2016 من إخراج المجموعات المسلحة القادمة من مصراتة مستغلة الزخم الذي صاحب وصول المجلس الرئاسي إلى طرابلس في مارس من العام نفسه، والحماسة الأممية المتعلقة بالترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق السياسي خاصة المتعلقة بطرابلس، وكانت كتائب مصراتة وبعض الكتائب ذات الميول الإيدولوجية تستفيد ماليا وسياسيا من وجودها في طرابلس.

غير أن تغيرا وتعديلا حدث في الترتيبات الأمنية تمثل في استبدال تأسيس قوات أمنية نظامية بالتفاهم مع كتائب طرابلس الأقوى لحماية نظام الحكم الأمر الذي عزز من هيمنة تلك المجموعات المسلحة على دينامية نظام الحكم المركزي في جانبيه السيادي والمالي.
وتأتي الحرب الحالية التي اندلعت نهاية أغسطس من العام الجاري لترسم حلقة جديدة في مسلسل الاقتتال على النفوذ والمال في طرابلس، يقودها اللواء السابع مشاة القادم من مدينة ترهونة جنوب شرق طرابلس مطلقا على كتائب طرابلس دواعش المال العام“.

وقد استفادت مجموعات من الزنتان ومصراتة من هذا التحول فتحركت بعض مجموعاتها المسلحة نحو طرابلس ودخلت بعض ضواحيها.

ليس متوقعا أن تتوقف موجات الحرب لأجل السيطرة على طرابلس بسبب تكدس النفوذ والمال فيها من خلال النظام المركزي الشمولي الذي تدار به ليبيا منذ 1963.

الجميع متضرر من النظام المركزي

يتبنى المقال الحكم الذي يؤكد تضرر جميع الشعب الليبي من النظام المركزي بما في ذلك سكان طرابلس، فمظاهر الفقر والعوز تنتشر في طرابلس كما في سائر مناطق ليبيا، وانهيار البنية التحتية وضعف الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والاتصالات والمياه وغيرها تعاني منه طرابلس ككل المدن الليبية.

غير أن سكان المدن والمناطق الأخرى يقيِّمون الوضع على أنه مسؤولية طرابلس بصفتها عاصمة ليبيا (دستورا 51 و63 نصا على لليبيا عاصمتان، طرابلس وبنغازي) تهيمن على الموارد والعائدات المالية.

ولم يستطع الجمهور العام في المناطق والجهويات خارج طرابلس من الفصل بين طرابلس كمدينة وسكانها وبين النظام المركزي المتموضع فيها، وربما استقر هذا الموقف بسبب السرديات الجهوية التي تعزز سيطرة طرابلس على الدولة، مما أسس لوعي جمعي قادته جهات وشخصيات محلية تستفيد من ترسيخ تلك السرديات.

يقابل تلك السرديات الجهوية والمناطقية سردية تتبناها جهات وشخصيات سواء من مدينة طرابلس نفسها أو من إقليم طرابلس تناهض السرديات الأخرى، دافعت ربما دون قصد من بعضها عن نظام الحكم المركزي، بل توسعت في رفض النقد الموجه ضده بتوجيه اتهامات وإصدار أحكام غير موضوعية على الرافضين للنظام المركزي.

وعزز هذا النقاش المشوب بوجهات نظر غير نزيهة من كل الأطراف تأييد قطاعات من الجمهور العام في ليبيا للاقتتال في طرابلس الذي تقوده مجموعات سياسية وأيدولوجية واجتماعية مسلحة تنتمي لمناطق وترفض النظام المركزي أو ما يشاع شعبويا على أنه هيمنة طرابلس كمدينة وسكان على الموارد والنفوذ.

قانون (59) ومقترح مسودة الدستور

يمثل قانون الحكم المحلي (59) لسنة 2012 ولائحته التنفيذية الصادرة عن مجلس الوزراء بقرار (130) لسنة 2013 ومقترح مسودة الدستور الصادرة عن لجنة الستين في سنة 2017 تطورا إيجابيا على طريق المحاولة لحل المشكلة البنيوية في نظام الحكم في ليبيا التي تعانيها ليبيا منذ 1963.

لكن كلتا المحاولتين لم تنجحا في معالجة أساس المشكلة رغم الاعتراف الصريح بها؛ فمسودة الدستور على سبيل المثال لاحظت وجود مشكلة في نظام الحكم المركزي من خلال توزيع مؤسسات السلطة على الأقاليم التاريخية المعروفة في نصوص مسودة الدستور، فطرابلس مقر الحكومة، وبنغازي مقر البرلمان، والمحكمة الدستورية في سبها.

وبتحليل القانون والمسودة تجد أن السلطة المركزية سواء ممثلة في وزارة الحكم المحلي أو وزارة التخطيط أو مجلس الوزراء وعديد هيئات المستوى الأول لنظام الحكم تملك سلطة يمكن وصفها بالمهيمنة على مؤسسات الحكم المحلي، خاصة ما يتعلق بالموارد المالية كالضرائب والثروات الطبيعية، إضافة إلى سلطة التخطيط المركزي ومسؤولية المحافظ المنتخب أمام وزير الحكم المحلي المعين أي تمتع المعين بسلطة مراقبة ومحاسبة للمنتخب، وقصر صلاحيات هياكل محلية في حدود الاستشارة فقط كما في المجالس الاقتصادية للمحافظات.

تعديل المسودة والقانون أساس للحل

لعله ليس أمام الليبيين لإنهاء جولات الحرب ضد طرابلس إلا بإعادة التفاوض على نظام الحكم المركزي، والعودة لمربع النقاش الدستوري بهدف التفاوض الليبي الموسع لتصميم نظام حكم غير مركزي يتوافق مع السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية ومسألة الموارد والمالية والنشاط الاقتصادي. ومن المهم أن يتحرر المتحاورون المفاوضون من السرديات الشعبية للجهويات والقوميات بغية فرض وجهات النظر بل اعتبارها تعكس سياقات موضوعية تؤخذ في الاعتبار.

كما حدث سنة 1787 عندما أقر القادة الأمركيون المجتمعون في ولاية فرجينيا لصياغة دستور الولايات المتحدة باعترافهم بالسياق التاريخي لولايات الاتحاد وحقوق قبائل السكان الأصليين في إدارة أراضيهم.

هذا يعني أن يصمم نظام حكم سياسي وإداري غير مركزي يتفق عليه الليبيون وعلى تسميته وشكله، تنقسم فيه مستويات الحكم إلى أقسام ثلاثة كما هو مستقر في أنظمة الحكم غير المركزية بالعالم هي:

أولاسلطات الحكم في المستوى الأول وهي الحكومة والمجلس التشريعي والقضاء، مع تحديد صلاحيات تتناسب مع وظيفة هذا المستوى درج على ربطها بما يرتبط بالمصالح القومية للدولة مثل: الحرب والسلام والسياسة الخارجية والتجارة الدولية، والخدمات ذات المستوى الوطني مثل التعليم العالي أو ما يحدده الليبيون ويتفقون عليه.

ثانياسلطات الحكم في المستوى الثاني، وهي من القضايا ذات الخلاف الشديد بين الليبيين، لأن هناك من يطالب بالاعتراف بالأقاليم الثلاثة التاريخية يقابلهم من يرفض ذلك ويقترح كما في قانون الحكم المحلي مستوى ثاني سميت وحداته بالمحافظات، وهذه مسألة تؤسس على حقائق السياقات التاريخية والاجتماعية والقومية، ولا يمكن فرضها. ثم تحدد صلاحيات هذا المستوى المالية والسياسية والإدارية على أن يكون الأساس فيها هو الاستقلال بعديد الصلاحيات.

ثالثاسلطات الحكم في المستوى الثالث، وتتمثل في المدن والقرى والبلدات والوحدات السكانية والجغرافية الصغيرة، ويحدد لها كذلك مجالات عملها وصلاحياتها المالية والإدارية.

والأساس في تصميم نظام الحكم لأي دولة أن يؤخذ في الحسبان بناء توازن بين مستويات الحكم الثلاثة ومن ملامح هذا التوازن هو صلاحيات ومجالات الفعل للمستوى الثاني والثالث لأنهما يمثلان السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية.

أما المستوى الأول فهو مستوى مصطنع له وظيفة تنظيمية في الأساس كتنظيم العلاقات بين المستويين الأخريين، وحماية المصالح القومية الخارجية لجميع السكان لأن مجلسه التشريعي يضم ممثلين عن كل الأمة.

ما حدث في ليبيا أن المستوى المصطنع أصبح هو الأصل وهمش بتوالي السنين المستويين الثاني والثالث، وتأسست حول هذا النظام المركزي دوائر مصالح مختلطة الأصول، تتكاتف بديناميات عديدة لحماية مصالحها المتمثلة في السيطرة على المال والنفوذ التي يحققها لها استمرار نظام الحكم المركزي.

وعادة النظام المركزي يكون عابرا للجهويات والقوميات الأمر الذي يربك الجمهور العام ويحدث خلط بين دوائر المصالح المتراصة حول النظام المركزي دون أن يعنيها كما لا تسمح لها فنيا وإداريا ديناميات النظام من تخفيف مركزيته لصالح أي مستوى حكم آخر لعدم وجود تلك المستويات أو لخضوع الموجود منها لسلطة المستوى الأول.

الموارد الطبيعية والمالية

هذه الموارد تمثل قضايا ذات خلاف بين الليبيين وعززت سيطرة النظام الحكم المركزي المستقر في طرابلس على كل موارد الدولة المالية وثرواتها الطبيعية النزاع بشأنها، وحولت المدينة هدفا لكل طامح أو طامع في موارد الدولة المستقرة هناك، أو المتضرر من سطوة النظام المركزي.

ولم يعالج القانون ومسودة الدستور الخلافات والمخاوف المتعلقة بهذه المسألة، الأمر الذي يتطلب أن يشملها الحوار والتفاوض بين الليبيين للوصول إلى صياغة يرتضيها الجميع كما حدث في العراق بين الأكراد والحكومة في بغداد.

هناك خبرات إنسانية ممتدة فصلت في طبيعة ملكية الموارد الطبيعة، وحق استغلالها تجدها في التشريعات الأمريكية والكندية والاسترالية على سبيل المثال.

ويمكن لليبيين ابتكار نموذجهم الذي يتجاوب مع حقائق التاريخ والجغرافيا والتعداد السكاني ومظالم التهميش وغيرها.

خلاصة

تمثل طرابلس اليوم مركز المال والنفوذ في ليبيا، ويستقر فيها نظام حكم شديد المركزية لحد الانغلاق لعدم وجود مستويات نظام الحكم الثانية بصلاحيات كاملة تشمل القضايا السياسية والمالية والإدارية، وغياب كامل للمستوى الثالث في نظام الحكم.

ويدفع هذا الوضع المتشوفين للنفوذ والموارد أو المتضرريين من النظام المركزي إلى التوجه إلى طرابلس سلما أو حربا، ما يعزز الفساد السياسي والمالي كما هو كائن في الواقع اليوم، بل يجعل أفراد أقوى من جهات ذات طبيعة اعتبارية، وتعجز حتى السلطة على التأثير عليهم أو إقالتهم.

الحل يتأسس على إعادة التفاوض بشأن نظام الحكم، بما في ذلك حقوق استغلال الموارد الطبيعية والإيرادات المالية، وأخيرا ضمان حقوق كل المكونات القومية الوطنية في ليبيا.

استمرار العناد والتمسك بالسرديات الجهوية المختلفة، وعدم الجلوس إلى طاولة التفاوض لتحديد الأسس التي يصاغ وفقها الدستور الليبي ليشكل المرجعية القانونية لليبيا، سيحرض مجموعات مسلحة وجهويات وتيارات سياسية للسيطرة على طرابلس لأجل الاستحواذ على النفوذ والمال، ويفتح الأبواب مشرعة أمام التدخل الخارجي والتحالف مع المتسلطين المستقوين بنظام الحكم المركزي أو الطامحين في الوصول إلى طرابلس للاستحواذ على الأموال والتنفذ على ليبيا.

________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك