Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

لو كُتب يوما أن يقع كشف كل ملابسات وتاريخ اللواء المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” السياسي والعسكري والشخصي ولو سُمح عمليا لكل من عرفُوه بأن يتكلمُوا ويفصحُوا عما علموا عنه (سلبا وايجابا)،

فإن الباحثين والدارسين للتاريخ سيكتشفون هولا من المفاجآت واسرارا من المتناقضات لا في مسيرة الرجل العسكرية والسياسية فقط بل كوما من المعطيات في السياسات العربية والدولية.

فحفتر كان شابا قوميا عربيا ليصبح بعثيُ الانتماء في بداية الثمانينات (وهو الذي أعجب بصدام حسين حتى أنه سمى ابنه باسمه)، وهو نفسه من قاد أحد الكتائب الليبية في حرب أكتوبر 1973 بعد أن شارك في حركة الضباط الأحرار التي أطاحت بحكم الملك ادريس السنوسي،

وهو أيضا أحد قادة حرب تشاد في منتصف الثمانينات ليأسر لاحقا ويعيش عقدين كاملين في ولاية فرجينيا الأمريكية رغم أن البعض يتهمه بأنه عاشها في حضن الادارة الامريكية وأجهزتها المخابراتية على اعتبار أنه سكن على بعد مئات الأمتار قريبا من المقر المركزي لــ”سي أي أي”…

وبغض النظر عن مُلابسات وحقبات تاريخه الشخصي والسياسي، فقد بيَن غيابه الظرفي في ابريل الماضي في علاقة بوضعه الصحي يومها وبخطة تمويهية لإضفاء “رتوشات” في تكتيكات إقليمية لمسار الاحداث في ليبيا، أنه مثار جدل كبير لا في ليبيا وحدها بل في عدد من الدول الإقليمية،

وعندما كانت التطورات تجري في طرابلس خلال الأسابيع الماضية كانت ظلاله موجودة فيها رغم أنه كان يتنقل بين النيجر ومقره الحالي في الشرق الليبي مشتغلا كل الوقت على إجراء تعديلات في خطته البديلة أي ما سماه مُساعديه بـــ”خطة الالتفاف على العاصمة طرابلس” والتي طالما أكدت بعض وسائل اعلام عربية طوال السنوات الماضية، بأنه سيدخلها، بينما هو على يقين أنه لن يدخلها ويسيطر عليها عسكريا مادام في تونس ديمقراطية ومادام النظام الجزائري قائما.

إضافة الى استحالة ذلك، ليبيا لأسباب تاريخية وإرث ثقافي واجتماعي ليبي معروف، فأي مستقبل للواء المتقاعد خليفة حفتر؟،

وماهي ترتبات التطورات الأخيرة على موقعه السياسي خاصة في ظل ميل للمجتمع الدولي ان يكون مجرد شريك بشروط الآخرين لا بشروطه؟

وماهي مختلف سيناريوهات ذلك المستقبل في بعديه السياسي والعسكري؟

الوضع الراهن لحفتر ومُعسكر الكرامة

بعد تناقل وسائل الاعلام الليبية والإقليمية والدولية الوضع الصحي لحفتر في أبريل الماضي إثر نقله يومها للمستشفيات الباريسية بشكل عاجل وطارئ، تبين لاحقا أن حفتر هو موضوع رهانات إقليمية من العواصم العربية على غرار  الأردن وأيضا القاهرة التي كان يزورها منذ سنوات اقامته في فرجينيا الأمريكية بناء على علاقات تاريخية له مع الأجهزة المصرية والسياسيين المصريين ومع بعض الفاعلين الرئيسيين في المؤسسة العسكرية المصرية ورأسا مع الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، أما الاماراتيين  فقد التقت أجنداتهم ما بعد 2008 مع أجندات اللواء المتقاعد وتم الربط معه بناء على تعقيدات علاقات إماراتية دولية معروفة.

ورغم ان الاهتمام بزعيم عملية الكرامة قد تراجع في الأسابيع الماضية، إلا أنه لا يزال رقما في المعادلات ولكنه وفي قراءة للحراك الدولي خلال الأسابيع الماضية فانه لم ولن يكون الرقم الأول، فالليبيون منقسمون بين مُساند ومُنتقد وكاره له ولرجاله ولسياساته ومواقفه.

ورغم أن قاعدة أنصاره تقلصت بشكل كبير في المناطق الثلاث مقارنة بسنتي 2015 و2016، فانه لا حل نهائي في ليبيا الا بمشاركة حفتر وقيادات الكرامة وخاصة في موضوع توحيد المؤسسة العسكرية ولكن ليس بشروط حفتر، والذي لم ولن يكون المُحاور الرئيسي للمجتمع الدولي والاقليمي بل هو المحاور الشريك فقط.

وفي تشخيص لموقعه السياسي والعسكري يمكن التأكيد على المعطيات التالية ليكون الاستشراف لاحقا أقرب للواقعية منه للتحليل الانطباعي أو السريع:

  • أن الوضع الصحي لحفتر في أبريل الماضي لم يكن مُفتعلا وإن تم توظيفه، لتحقيق خطوات تكتيكية من طرف رجاله في الشرق الليبي ومن طرف القوى الإقليمية والدولية الداعمة له، ورغم ان الأهداف المرسومة يومها من العملية التمويهية وتفاصيلها قد سقط أغلبها بناء على طبيعة التطورات التي حدثت بين أبريل الماضي و سبتمبر الحالي، فانه يُمكن التأكيد أن الرجل مُصاب فعلا منذ أكثر من سنتين، ولكن المؤكد أن الأمر أقل خطورة مما أذيع وبُث يومها ويُروج له في مناسبات عدة، وحالته الصحية بشكل دقيق مُرتبطة بإشكالات على مستوى الدماغ، كنتاج طبيعي لمضاعفات الأدوية المستعملة خلال السنوات الماضية، إضافة أن معاناته الصحية الأخرى مرتبطة بالقلب وأنه بدا في أكثر من مناسبة شاحبا ومرهقا.

  • العقل السياسي المُدبر لحفتر والكرامة خلفيته أمنية وعسكرية ومن الصعب أن يتحول الى عقل سياسي براغماتي يقبل بالحوار أو بقراءة التطورات في ابعادها الذاتية والموضوعية، ومن خالطوا حفتر لفترات طويلة يعرفون أنه نرجسي الشخصية لا يسمح بقبول رأي غيره إلا اذا اضطر لذلك بناء على قراءات نفعية وهو لا يقبل بوجود شخص قوي في محيطه الاستشاري أو التنفيذي، وهو لا يستمع إلا للمصريين والاماراتيين، مع الإشارة أنه ذو عقل توظيفي في الوصول لأهدافه بل هو قادر على المناورة والتكتيك والتوظيف ولعل الجميع يذكر أنه عمل على التوظيف الاعلامي لصالحه أثناء المعارك بين الثوار وكتائب القذافي سنة 2011 على غرار حادثة بني وليد المعروفة.

  • عند وضع الخطط وتنفيذها عادة ما يقوم حفتر ومساعديه بمناورة تمويهية عالية الدقة، وهنا لابد من التساؤل: ماذا كان حفتر يقصد وأي خطة رسم خلال احداث طرابلس الأخيرة عندما لمح هو ومساعديه ان اللواء السابع قريب منهم؟، خاصة في ظل رواج أخبار مُسربة يومها أن تطورات في الملف الليبي تجرى بعيدا عن الأضواء وهي معطيات أكدها أكثر من مصدر ليبي واقليمي خلال الأيام الماضية,

  • حفتر يعي جيدا أن فُسيفساء التناقضات في الشرق الليبي أكثر من الجهة الغربية ومن الجنوب، ولكنه يناور مُستفيدا من كثرة قنوات عربية خادمة له ولحلفائه في ترذيل الثورات العربية وفي تشويه خصومه وكل الشخصيات الليبية التي تُنافسه، وهو في صراع دائم مع كل شخصية يُمكن أن تكون ذات كاريزما حتى أنه في صراع غير مُعلن مع “عقيلة صالح” وأيضا مع “عبدالله الثني” ومع غيرهما رغم أنهما معه في نفس المعسكر السياسي بل هما وغيرهم في أغلب الفترات موالين له سواء بالترغيب أو الترهيب رغم تغيرات المعادلات بينه وبينهم في الأسابيع الماضية، كما تم تهميش شخصيات ليبية داعمة للكرامة بناء على توصيات مباشرة من قبله، ومعروف أن كل محيطه الإعلامي والاستشاري وأبرز رجال الديوان الخاص به، هم من المقربين منه هم أساسا من قبيلة الفرجان.

  • لا يختلف اثنان حول وجود مؤشرات لاستمرار الارتباك في عدد من العواصم العربية والغربية حول الدور المستقبلي للواء المتقاعد مع وجود ملامح خطة تقضي بأن يبقى حفتر في مجال الشرق الليبي فقط لا غير ومحاصرة دوره وتأثيراته على المجلس النيابي والتأكيد على توسع مجال رئيس حكومة الوفاق فائز السراج للتحرك بالمنطقة الشرقية خلال الأشهر القادمة بغض النظر على صلاحيات المجلس وطبيعة تركيبته بعد مؤتمر نوفمبر المقبل، خاصة وأن هناك حديث عن صلاحيات واسعة لرئيس حكومة من خارج الرئاسي.

  • تنامي الأدوار والعودة المستقبلية للحضور السياسي لرئيس تحالف القوى الوطنية “محمود جبريل” للمشهد وتهميش دور حفتر أمام أدوار لشخصيات أخرى وان كانت في مدار حلفائه الإقليميين على غرار “محمد بالقاسم الزوي” و”عارف علي النايض” و”جاد الله عزوز الطلحي” و”أحمد قذاف الدم” وآخرين…

  • تواصل الخلافات الصامتة بين القيادات المسلحة المحلية بمدينة بنغازي وأبناء حفتر، فهذه القيادات ترفض ضمنا أي دور عسكري أو أمني لأبناء حفتر، والامر هنا تجاذب بين رؤيتين تدور النقاشات حولها بين الفاعلين، الأولى نفعية في توظيف القرابة والواقعي على الأرض، وبين رُؤية وطنية إصلاحية للدفع في اتجاه الحل السياسي بغض النظر على المدى الزمن وتوخي المرحلية…

  • انسحاب ممكن ومتوقع مستقبلا للتيار السلفي المدخلي من المشهد الأمني في كل ليبيا وحتى في بنغازي مستقبلا، ومعلوم أن المداخلة في كل ليبيا يعيشون مرحلة ارتباك كبرى وما يسمى عملية السليان التنظيمي والعلاقاتي نتاج خلافات تكتيكية إماراتية – سعودية إقليميا ونتاج ما حدث في طرابلس ومسؤوليتهم عليه، ونتاج اهداف خطة وليامز والتي تتضمن أساسا التقليص من دور المداخلة واحتواء بعض المليشيات المربية والخادمة لهم، ولا ننسى هنا أن حفتر يلعب لعبة التواصل والمساندة لمداخلة الجهة الغربية وفي نفس لوقت يدعم بأشكال مختلفة خصومهم.

  • رفض الشراكة (وان كان محتشما وغير معلن) بين القوى السياسية والعسكرية بالمنطقة الغربية مع معسكر حفتر سيكون أمر قائم نسبيا وسيصبح جليا بشكل جد وارد مستقبلا، بل أن تلك القوى هي عمليا في وضع البحث عن مصالحها مع المجلس الرئاسي بطرابلس والتقرب من مكوناته وربط علاقات سياسية واجتماعية معها أو مع الحكومة الانتقالية المقبلة، وذلك خاضع لطبيعة التطورات ونتائج مؤتمر نوفمبر القادم في إيطاليا وخاصة بعدما تبين أن خطة الالتفاف التي تعتمد أدوار لهؤلاء غير ممكنة التنفيذ…

التطورات الأخيرة وتراتبية سيناريُوهات مستقبل حفتر السيسي والعسكري؟ 

بناء على ما ذكرناه أعلاه، فإن اللواء المتقاعد خليفة حفتر أمام سيناريوهات عدة بناء على تطورات الساحة الليبية والإقليمية والدولية مستقبلا:

أالسيناريو الأول، وهو أن يكون جزء من اللعبة السياسية المرتقبة والتي ستترتب عمليا في المؤتمر الدولي في إيطاليا، والتي من المنتظر ان تضعه لاعبا من بين عدة لاعبين ولكن بشروط الآخرين وليس بشروطه التي طالما أملاها سابقا وخاصة على برلمان طبرق .

بالسيناريو الثاني، ويتمثل في نهاية طموحه السياسي مقابل بقائه رقما مهما في قيادة المؤسسة العسكرية ولو مؤقتا والاقرب أن يكون قائدا عاما للجيش ولكن سيطلب منه بشكل واضح أن يُعلن قبوله بسلطة مدنية مسؤولة أولى على مؤسسة جيش ليبي موحد.

تالسيناريو الثالث، أي خروجه الفعلي من الساحة بناء على نهاية أفقه السياسي والعسكري ربما قبل انتخابات مارس القادم (الموعد الأولي المنتظر للانتخابات) بناء على تصدعات حاصلة بينه وبين عسكريين بعضهم قريبين من أنصار القذافي، على أن التطورات بينت أن توقع أن يعيش حفتر نهاية شبيهة بنهاية جون قرنق في السودان وإن بأشكال مختلفة أمر غير متوقع في ظل التطورات الحالية وفي المدى المنظور.

ثالسيناريو الرابع، قد تتطور الأوضاع لصالحه دراماتيكيا فيعيد سيناريو 1 سبتمبر 1969 ويلعب دور القذافي 2، رغم ان هذا السيناريو طُرح اقليميا ودوليا في بدايات سنة 2016 الا أنه توارى كسيناريو، وهو أمر جد مُستبعد ولكنه ليس مستحيلا.

الخلاصة

لم يعد لحفتر نفس الدور و لا نفس الحظوة بعد أحداث الهلال النفطي في نهاية يونيو/جوان وبداية يوليو/جويلية الماضيين إضافة لتطورات الأحداث في طرابلس في أيلول الحالي وطبيعة الحراك الدولي والخيارات الإقليمية اذ هو أضعف من أي مرحلة سابقة حيث أنه لم يُعد جوادا وحيدا للذين كانوا يدعمونه ويُراهنون عليه سواء من مناصريه أو المتحالفين معه في الداخل والخارج،

والأمر أصبح مختلفا لما كان عليه الوضع في يونيو/جوان الماضي، ذلك أن الفاعلين السياسيين أصبحوا يستحضرون أجندات وطنية تقوم على الوعي بالمخاطر المستقبلية لأي تطورات سلبية أو انفصالية أو تنامي النزعات الشخصية في المشاريع السياسية والعسكرية المستقبلية،

الا انه مطلوب منهم أيضا استيعاب عقلهم السياسي لطبيعة التطورات الإقليمية واثارها على ليبيا والمنطقة المغاربية وعلى كل القارة السمراء، وهو ما يعني ضرورة مسارعة كل الليبيين الى بناء المصالحة الوطنية التي تنبني على عدالة انتقالية منصفة ودافنة لآلام الماضي.

______________