Minbar Libya

بقلم فريديريك بوبان

قبل أشهر قليلة، بدا أن الحل في ليبيا قريب. فالاستقرار عاد إلى العاصمة طرابلس، وبدا أن تنظيم داعش متعثر في الانبعاث من رماده في معقله السابق في سرت، إثر القضاء عليه في 2016.

والتقى أطراف النزاع الليبيين في باريس نهاية أيار (مايو) في 2016،، واتفقوا على تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية 2018.

وفي هذا السياق، اقترح غسان سلامة، رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، الإعداد لتنظيم «المؤتمر الوطني الجامع»، فأجريت مشاورات غير مسبوقة على مستوى البلديات. ولم يخف أن هذه المكاسب الديبلوماسية كانت هشة. ولكن حينها الطريق إلى الحل بدأت ترتسم.

ولكن في أقل من أسبوعين انقلبت الأمور رأساً على عقب. ففي العاصمة الليبية، انبعثت في نهاية آب (أغسطس) المعارك بين الميليشيات، على رغم أن هذه توالي شكلياً حكومة فايز السراج.

وشن داعش هجوماً على الشركة الوطنية النفطية في قلب طرابلسوهذا الهجوم أمارة بائنة على عودته العسكرية إلى ليبيا.

وفي الوقت نفسه، أخفق برلمان طبرق في تبني دستور جديد يمهد للانتخابات المقبلة.

وهذا الانعطاف المزدوجالأمني والقضائيعزز رأي المشككين في الفائدة المرتجاة من تنظيم عملية اقتراع في مثل هذه الظروف الخطيرة.

ودعا رئيس الحكومة في طرابلس، السراج، قبل أيام إلى إرجاء الاستشارات المرتقبة في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) المقبل.

ويبدو أن الأمور باقية على حالها في ليبيا. فهذا البلد بلغ طريقاً مسدوداً، وهو رهينة الميليشيات والمافيا الكاسرة ومجموعات إرهابية.

ويبدو أن أسره لن يفك في المدى المتوسط. ويبدو كذلك أن البدء من جديد والاستناد إلى مشروعية صناديق الاقتراع لانتخاب المسؤولين عن الفوضى الليبية، هو في مثابة وهم خادع ودرب تفضي إلى الفوضى والعودة إلى خانة الأزمة الأولى.

ولكن هل يُخلص من مآل الأمور هذه إلى أن الأزمة الليبية تعصى الحل، على رغم أن آثارها المدمرة تتردد في شمال أفريقيا ومنطقة صحراء الساحل الأفريقية؟

وبعضهم يرى أن وراء انحراف ثورة 2011 هو بنية المجتمع الليبي القبلي. ولكن هل «الأمة» الليبية موجودة حقاً، وهل أبصرت النور يوماً، في وقت يعرف سكان طرابلس وبنغازي ومصراتة والزنتان وسبها أنفسهم بنسبتهم إلى مسقط الرأس المحلي وليس إلى الوطن الجامع؟

ويرى بعض آخر أن لائمة الأزمة تقع على التدخل «الأطلسي» في 2011 الذي لم يترافق مع عملية إعادة إعمار ليبيا إثر سقوط القذافي.
وإلقاء نظرة إلى إخفاق عملية السلام الأخيرة مفيد.

فالاتفاق المبرم في الصخيرات في 2015 كان يفترض به ردم الهوة بين برقة في الشرق، ويغلب عليها مؤيدو استعادة سلطة استبدادية على الطريقة المصرية، وبين طرابلس التي يمسك بمقاليدها مؤيدو الإسلام السياسي.

وفايز السراج على رأس حكومة الاتفاق الوطني، كان يفترض به تجسيد المصالحة برعاية الأمم المتحدة. ولكن الظروف التي أدت إلى استقراره في طرابلس في ربيع 2016 حتمت عليه العجز والاخفاق.

فإلى اصطدامه بعداء المشير حفتر، تعثر بمسألة الميليشيات. فسلطته الجديدة لم ترسَ إلا بفضل «حسن نية» المجموعات المسلحة في طرابلس مقابل إطلاق يدها في نهب موارد الدولة. «فمن جهة، سمح الاتفاق الميليشيوي» ببسط سلطة السراج السياسية، ولكنه، من جهة أخرى، قوض أسس الدولة الوليدة.

فالدود نخر ثمرة الحل.

وغض الغربيون، وهم يدعمون البنية الأمنية المحيطة بالسراج، النظر عما يجري، وتظاهروا أنهم لا يرون ما يحصل.

ولكن هل اعتُبر بدروس ما جرى؟

وهل أوان نزع سلاح الميليشيات أو حلها في المؤسسات الأمنية الوطنية، لم يفت بَعد؟
وتمس الحاجة الديبلوماسية إلى العودة عن انحراف النفوذ الفرنسي ونظيره الإيطالي عن مساره الإيجابي. فمنذ حوالى العام، يدور بين فرنسا وإيطاليا في الملف الليبي، نزاع على النفوذ. وهذا النزاع سام.

فالرئيس الفرنسي يطمح إلى لعب دور صانع السلام في ليبيا، معولاً على علاقاته القوية بحفتر، سيد برقة أو الشرق الليبي.

وهذه العلاقات والطموحات أزعجت القادة الإيطاليين المقربون من سلطات طرابلس. وشد الحبال بين باريس، ومصالحها الاستراتيجية وثيقة الصلة بمنطقة الصحراء الليبية، وبين روما التي تتقرب من مستعمرتها الليبية السابقة، يقوض مساعي حل الأزمة.

وسبق أن عانى الليبيون من إقحام النزاع الإقليمي التركي– القطري والمحور المصري– الإماراتي على مشكلاتهم.

واليوم، التنازع الفرنسي–الإيطالي يفاقم التباس الأزمة الليبية.
***
فريديريك بوبان ـ مراسل، عن «لو موند» الفرنسية

______________