Minbar Libya

حوارات دارت بين مُمثلين عن مجلسي النواب و الأعلى للدولة

بقلم علي عبداللطيف اللافي

عندما كانت الاشتباكات قائمة والاقتتال الدموي جاريا في جنوب العاصمة طرابلس في نهاية أغسطس الماضي، كانت المفاهمات بين ممثلين عن المجلسين التشريعيين متواصلة كبناء لتفاهمات سابقة على غرار حوارات النزل الغابي في امستردام.

وعلى عكس ما يعتقد البعض فان الحوارات بين الفاعلين الليبيين رغم كل التجاذبات لم تتوقف أبدا، فمحاولات إيجاد مخرج للصراعات جارية منذ أبريل الماضي، بل تمت وتتم برعاية جهات مختلفة بما فيها البعثة الأممية، وهي تجري على مسارات متوازية ويحتفظ فيها بشخصيات وكيانات وتسقط أو تقصى أخرى.

فما هي المقدمات المرتبطة بتطورات الفعل السياسي في ليبيا في بعديه التواصلي والتجاذبي، وما هي حيثيات وتفاصيل حوارات ضواحي العاصمة التونسية وخاصة خلال الأسابيع الثلاث الماضية وما هي مآلات وترتبات ما تم التوصل اليه، وما هي نتائجه على الأرض في الساعات والأيام والأسابيع القادمة؟

مقدمات وقائعية وتطور الأحداث والتواصل بين المجلسين

بدأت الاتصالات منذ يونيو الماضي أي أنها أعقبت لقاء باريس، وقبل ذلك جرى لقاء المغرب بين خالد المشري وعقيلة صالح في منتصف أبريل الماضي (يومها كان اللواء المتقاعد خليفة حفتر يعالج في المصحات الباريسية).

ومعلوم أن ذلك اللقاء جرى على هامش لقاء برلماني دولي وإقليمي (وذلك لا يعني غياب الوساطة الإقليمية أو الدولية في عقد اللقاء)

في بداية مايو الماضي جرت حوارات في أكثر من عاصمة افريقية وغربية بين شخصيات ليبية معروفة على غرار لقاء داكار الذي تم برعاية مؤسسة معروفة بقربها من جهات غربية مؤثرة وفاعلة في السياسات الدولية، وقد جمع ذلك اللقاء قيادات مختلفة من تيار فبراير وأنصار الفذافي، ومقربين من قيادة الكرامة، واضافة الى ذلك تعثرت في تلك الفترة لقاءات سلامة مع فاعلين ليبيين في كل من تونس وتركيا في إطار التحضير بما يعرف بالجلسات التمهيدية للمؤتمر الوطني الجامع.

قبل أزمة حفتر الصحية بأكثر من أسبوعين وقبل لقاء المشري – عقيلة صالح في الرباط، صرح محمد صوان (رئيس حزب العدالة والبناء)، أنه يجب طي صفحة الصراعات وان القتلى بين الطرفين سيحاسبون وفقا لنواياهم من القتال، وقد تم لاحقا مهاجمة هذا التصريح بقوة من طرف سامي الساعدي (الرئيس السابق لحزب الامة الوسط)، وأهم الفاعلين في تيار دار الإفتاء الليبية.

في منتصف مايو الماضي عقدت كتائب ثوار ممثلة لمدن مصراتة والزاوية والزنتان لقاءات خاصة بها لوضع أسس خطة تنفيذية لمحاصرة المليشيات، وكانت المدن الثلاث قد التقت في أكثر من مناسبة لتوحيد موقفها من مليشيات طرابلس عبر التأكيد أن اختلافاتها تنحصر مع قيادات تلك المليشيات ونفوذها الممتد ماليا وميدانيا وسياسيا.

بعد لقاء باريس تمت لقاءات مباشرة وغير مباشرة بين ممثلين عن المجلسين وتم الحديث عن حكومة وحدة وطنية بل أن مواقع وصحف ليبية .معروفة قد نشرت قائمة الحقائب حسب المناطق

مواقع وصفحات تتحدث عن تحركات لحفتر وأنصاره في كل من جادو وتيجي والزنتان وفي الغرب الليبي بشكل عام، وبالتوازي مع ذلك عمدت أطراف سياسية تونسية عبر جمعيات مقربة منها على الدفع بأشكال شتى لغلق المعبرين الحدوديين بين تونس وليبيا وتم في وقت لاحق توظيف اشكالات تنموية واجتماعية على الأرض والتي كانت سببا مباشرا وعملي لغلق المعبرين وتم ذلك بعد أيام من اعلان نتائج الانتخابات المحلية في تونس.

في الأسبوع الأول من يونيو الماضي تم الحديث عبر تسريبات عن وساطات بين حفتر وعدد من الفاعلين في مدينة مصراتة بوساطة من عبد الباسط بدري (السفير الليبي السابق في السعودية)، على غرار “حسن شابا” و”فتحي بشاغا” وآخرين

السراج يزور السعودية في زيارة دامت يومين ثم يغادر الى تونس ليحضر مؤتمر في تونس حول الصلاحيات الاقتصادية والذي أثير جدل عن وقته واهمتيه وفاعليته.

تسريبات عن تطور عددي وكيفي لأنصار التيار المدخلي في مدن الغرب الليبي وخاصة مسلاتة والخمس وصبراتة وبعض أحياء طرابلس، والبعض مقربين من أنصار الكرامة يتحدثون يومها في بعض صفحاتهم عن قدرة حفتر في السيطرة على كل ليبيا.

الحديث عن المفاوضات والتواصل يغيب تماما بين المجلسين أثناء أحداث درنة وتطورات أحداث الهلال النفطي حتى بداية سبتمبر الحالي واجتماع بين عقيلة صالح وحفتر وحديث عن عملية عسكرية في الجنوب، ومقابل ذلك زيارات مكوكية إيطالية لدول المنطقة ووزير الخارجية الفرنسي يجري محادثة هاتفية مع المشري ويزور القاهرة لإجراء مشاورات بشأن الملف الليبي وحديث للمرة الأولى عن تباين في إدارة ماكرون حول التعامل مع الملف الليبي أحد طرفيها وزير الخارجية وهو أيضا وزير دفاع سابق.

في تواصل جديد في بداية يوليو خالد المشري، يؤكد على ضرورة حل الحكومة المؤقتة لمواصلة الحوار، ويبلغ ذلك في وقت لاحق لوزير الخارجية الإيطالي في لقاء له به في 7 يوليو.

ميدانيا غنيوة الككلي يتخلص يوم8 يوليو من أهم مساعديه إثر اكتشافه عملية اختراق عميقة.

في نهاية يوليو وبداية أغسطس الماضيين صحيفة القدس العربي تنشر تقرير عن بدء مفاوضات في امستردام (والتي نشطت ديبلوماسيتها في الملف الليبي منذ أشهر سابقة)، في هوتيل غابي بحضور نواب مقاطعين وممثلين عن المجلسين وأعضاء من هيئة الدستور وأولى اتفاقات تشكيل حكومة ذات صلاحيات واسعة مع أن التوتر لم يسد الجلسات الا بعد طرح الأسماء.

تقارير إعلامية تؤكد تلويح حفتر بخطة الالتفاف وسط التعتيم عن فحوى زيارته للنيجر، وأنصار القذافي يطرحون فكرة جلب الروس للساحة الليبية والمسماري يتحدث عن المقترح في القاهرة، وفي سياق منفصل مبادرة مصالحة وحل تقدم لعقيلة صالح من شبان ليبيين من مختلف المدن الليبية من المناطق الثلاث.

تواصل الجلسات في هولاندا لوضع أسس مرحلة ما بعد المؤتمر الدولي وطرح أكثر من مشروع مع الاتفاق حول تأجيل الانتخابات الى سنة 2019 وتم النقاش حول صلاحيات الحكومة الانتقالية وموعدي الاستحقاقات الرئاسية والتشريعية وضرورة وضع أسس دستورية قبل ذلك، كما تم طرح مشروع حصر تركيبة المجلس الرئاسي وحصر دوره في التمثيل البروتوكولي مع اقتراح البعض أن يمتد للعلاقات الدولية والامن القومي.

بداية أزمة صامتة بين عقيلة صالح وخليفة حفتر وانطلاق التصريحات المضادة بين نواب مقربين من حفتر على غرار زياد دغيم من جهة واخرين ضد حفتر على غرار جلال الشويهدي.

مع أيام العيد، المفاوضين يغادرون الى ليبيا، ولقاءات الزاوية – الزنتان – ترهونة ومصراتة تتواصل بعيدا عن الأضواء والهدف الضغط على السراج للحد من صلاحيات المليشيات، وحديث عن تحركات في تركيا بين عدد من الفاعلين الذين طردتهم مليشيات طرابلس خارجها وحديث عن حراك منتظر بعد أسبوعين او ثلاث في العاصمة.

السراج يزور تونس ويلتقي بالسفراء السبع ثم يجلس مع السفير الأمريكي منفردا حسب بعض المصادر الصحفية والمجبري ينسحب من الرئاسي ويدعو بقية الأعضاء للانسحاب ولا أحد منهم يستجيب.

تسريبات أن دولا غربية تؤكد أنه جار البحث عن بديل للسراج، وأن التخلي عنه لن يتم إلا بعد وجود البديل وفكرة حكومة وحدة وطنية انتقالية بصلاحيات واسعة تصبح حديث الجميع ولا اعتراض عليها من أي من أطراف الصراع، وبعض السفراء الغربيين يؤكدون لضيوفهم ضرورة وجود ترتيبات أمنية لاحقة وأن المشهد الحالي لن يبقى على ما هو عليه.

تقارير إعلامية وبحثية في عدد من المواقع المهمة والصحف الأكثر انتشار عالميا تتحدث عن فساد مليشيات طرابلس واعاقتها للحل السياسي في ليبيا.

انطلاق الاشتباكات في جنوب العاصمة طرابلس ومعهد “اتلانيك كاونسل” ينشر دراسة لباحثين ليبيين (عمادالدين المنتصر و محمد فؤاد) تتحدث عن الخطة “ب” لمساعدة غسان سلامة وتركيز البحث عن العوائق الواقعية واقتراح لحل الانتخابات التزايدية في المناطق المستقرة والامنة أولا.

مفاوضات ضواحي العاصمة التونسية: الحيثيات والتفاصيل

أولا يجب التأكيد على أن المفاوضات جرت على أكثر من مرحلة وان الجلسات المباشرة في مرحلتها الأخيرة تمت على مرحلتين في ضواحي العاصمة التونسية بل من المنتظر أن تتم جولات أخرى وفقا للتطورات والهدف هو الذهاب لمؤتمر إيطاليا باتفاقات شبه نهائية.

ومن حيث المعطيات والحيثيات فقد حضر المشري الشطر الثاني والرئيسي من المفاوضات مع العلم أن خطواتها الأولى وترتيباتها سابقة كما أكدنا أعلاه لمعارك جنوب طرابلس أي قبل 27 أغسطس الماضي.

المشاركون في المفاوضات هم أنفسهم من حيث صفاتهم لا اشخاصهم الذين حضروا في مفاوضات العاصمة الهولاندية (نواب مقاطعين – نواب مباشرين من أنصار عقيلة صالح – أعضاء في المجلس الأعلى للدولة – ممثلين عن هيئة الدستور)…

الرعاية وقعت من طرف الأمريكيين والايطاليين وبعلم البعثة الأممية وممثلي الدول الخمس الكبرى، ومن المرجح أن يكون رئيس المجلس الأعلى للدولة قد التقى أكثر من طرف على غرار بعض السفراء الأجانب المقيمين مؤقتا في تونس، كما التقى حسب البعض بشخصيات ليبية مُقيمة في تونس وبعض الفاعلين السياسيين التونسيين وقيادات بعض أحزاب تونسية معروفة.

من بين النقاط المتفق عليها خلال الجلسات الاخيرة صيغة وطبيعة تركيبة المجلس الرئاسي والتي تم الاتفاق بشكل شبه نهائي أن تكون ثلاثية (عضو عن كل من الغرب والشرق والجنوب) كما تم الاتفاق على الخطوط الكبرى للحكومة وتم حديث غير مؤكد أن يتم طرح المبدأ يوم 25 سبتمبر الحالي (يوم بعد افادة سلامة لمجلس الأمن، وهنا لابد من التساؤل هل صدفة أن تم تثبيتا للهدنة مجددا بل أن اللواء السابع وقوات بادي غادرت طرابلس تماما؟).

تم حسب بعض المصادر والصفحات والمواقع تحديد الخطوط الكبرى لصلاحيات المجلس الرئاسي ولصلاحيات الحكومة الحالية كما تم طرح صيغ توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاستثمارية وبقية المؤسسات السيادية.

تم نقاش صيغة موقع حفتر على رأس المؤسسة العسكرية كقائد عام للجيش مع ضرورة إعلانه القبول بالعمل تحت سلطة الحكومة والمجلس الرئاسي والاقرب أن يترك الاتفاق لاحقا على حقيبة الدفاع مع رئيس الحكومة القادم.

من حيث الأسماء تداولت مصادر وصفحات ومواقع عديد الأسماء تم طرحها في جلسات الحوار فبالنسبة للجهة الشرقية تم طرح أسماء ـ عبدالحميد العبار (رئيس بلدية بن غازي الحالي) وجادالله عزوز الطلحي وأسماء أخرى عديدة، وتم طرح اسم عبد الرحمن شلقم من بين أسماء عدة اقترحت لتمثيل الجنوب في المجلس الرئاسي الجديد.

بالنسبة للغرب الليبي بقيت سيناريوهات خمس وهي كالتالي:

أولا: بقاء السراج رئيسا للمجلس الرئاسي كسيناريو أولي

ثانيا: اكتفاء السراج بعضوية الرئاسي

ثالثا: ترأس السراج للحكومة الانتقالية

رابعا: السراج يكلف بعضوية الحكومة الانتقالية مع منحه حقيبة سيادية خامسا مغادرة السراج للمشهد السياسي والالتحاق بعائلته المقيمة في القاهرة

الأحزاب لم تشارك في الحوارات الأخيرة كأطراف وانما من داخل المجلسين (الأعلى للدولة – النواب) مع عدم حضور ممثل أو ممثلين عن المجلس الرئاسي الحالي، مع أهمية التساؤل حول العودة القوية إعلاميا لمصطفى أبو شاقور وراديكالية تصريحاته إضافة الى تحركات واتصالات علي زيدان الأخيرة.

الحديث عن اتصالات بين حفتر وحزب العدالة والبناء خالية من الصحة ومراد التسريب حسب البعض هي محاولة ارباك حوارات تونس بين المجلسين أو بالأحرى الضغط على نتائجها، ومرد الأمر حسب بعض الصفحات الاجتماعية القريبة من الإسلاميين هو علاقة قرابة بين أحد شباب الحزب القياديين وأحد المستشارين السياسيين لحفتر.

البقية في الجزء التالي

***

عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

___________

المصدر: الرأي العام ، العدد 75