Minbar Libya

  تستمر حكومة الوفاق الليبية، التي يرأسها فايز السرّاج، في محاولات الخروج من مأزق التطورات الأخيرة والسير بين ألغام متعددة على غرار التجاوب لتنفيذ خطط مرسومة من المجتمع الدولي الداعم لها.

المحاولات تشمل احتواء تداعيات أحداث طرابلس الدامية والمتواصلة بأشكال مختلفة رغم إمضاء الهُدنة الموسومة بــ”الهشة” وانسحاب القوات المهاجمة مؤقتا، رغم أن البعض يرى أن السراج ليس بعيدا عن سياسة تفجير الوضع الأمني بغية إخضاع المليشيات المسيطرة على العاصمة، والحدّ من نفوذها، وصولاً إلى تنفيذ مراحل لاحقة، من إقصاء مجلس النواب إلى المؤتمر الوطني الجامع، وصولاً إلى قلب الموازين السياسية والأمنية في البلاد.

وكانت أكثر من جهة قد تحدثت في منتصف أغسطس الماضي عن ملامح خطط أمنية تعتزم حكومة السراج العمل عليها للحد من سيطرة المليشيات المسلحة على العاصمة طرابلس والتي أمعنت في الفساد وفي إذلال المواطنين وحتى في اذلال السراج نفسه وبعض المقربين منه مما أدى لتدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية وتردي الخدمات.

بل ان البعض من المتابعين يجزم أن كل ما حدث مرتب له، أي خوض معارك على الأرض تُغير لاحقا في المعادلة العسكرية والأمنية لتُلحقها بعد وقف اطلاق النار ترتيبات سياسية وهو ما يُمكّن السراج وحكومته من السيطرة على الوضع في الأخير وذلك حدث الآن وان بشكل نسبي.

ولعل ذلك يحد لاحقا من مقترح تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة بحيث لا يبقى للسراج ومجلسه سوى الدور البروتوكولي بل والحد من تركيبته الواسعة خاصة ان المقترح الأخير قد طرح في مفاوضات هولاندا وهو مقترح سيكون موجودا على طاولة المؤتمر الدولي في نوفمبر القادم في مدينة شياكا التابعة لولاية صقلية الايطاليةً.

ان قراءة أن السراج قد وقف وراء جزء من الدفع لما جد من أحداث جنوب العاصمة الليبية، تنبني على أن الهدف النهائي الذي كان مرتبا له عبر تنسيق معقد ومتحكم به للوصول لنتيجة إحلال مجموعات مسلحة في العاصمة طرابلس أكثر انضباطاً وتحجيم أدوار المليشيات السابقة والتي توسم بمليشيات الاعتمادات.

وهنا لابد من التأكيد أن أطرافا ومكونات واشخاص في كل دول العالم وخاصة العالم الثالث ومناطق النزاع الدولية يسيرون في مسارات مرتب لها بدقة متناهية بينما هم يعتقدون أنهم يحققون أهدافهم التكتيكية وانهم سيربحون في الأخير ليجدوا أنفسهم خارج السياقات في نهاية المطاف وانهم كانوا عجلات لتحريك مسارات إقليمية ودولية مبنية بدقة بل انها ضمن مسارات استراتيجيات تخطط على مدى عقود.

وما حدث عمليا أن الأمم المتحدة قد أشرفت في الرابع من شهر أيلول/سبتمبر الحالي، على توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الفصائل في طرابلس، قبل أن تعقد لقاءً آخر الأسبوع التالي في مدينة الزاوية ووقع تدعيم الخطوات الأولى بحيث فرضت على المليشيات الالتزام بالاتفاق لضبط الوضع الأمني وإعلان الحكومة في طرابلس عن تشكيل لجنة جديدة، لبدء تنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق السياسي، والتي تقضي بإبعاد المليشيات عن المؤسسات السياسية والمواقع الحيوية، وضرورة إحلال عناصر المليشيات فرادى في الأجهزة الأمنية والعسكرية النظامية للدولة.

التسليم بهذه القراءة الواقعية، يقضي بالتسليم أن الخطوة المقبلة تتمثل عمليا في دعم حكومة الوفاق المسارَ الثاني من الخطة الأممية التي أعلن عنها المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، خلال اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة لحل الأزمة في ليبيا، والمتمثل في عقد مؤتمر وطني جامع يحوي الأطراف الليبية الحالية وأخرى وصفها سلامة بـ”المهمشة” في إعلانه.

عمليا تؤكد خطة سلامة على عقد المؤتمر الوطني الجامع (الموكول تنظيمه لمركز الحوار الإنساني في جنيف)، وسيكون الهدف من خلال جلسات سابقة للمؤتمر الجامع ستعقد في أغلب المدن الليبية، إلى تقريب وجهات النظر وإتاحة الفرصة أمام كل الشرائح الليبية والقبائل والمكونات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني دون إقصاء، لتطوير موقف موحد وتصور شامل لمستقبل ليبيا.

وهنا يبدأ المسارَ الثاني من الخطة الأممية، والذي سيتيح عمليا بروز تيارات ووجوه جديدة، بدأت دول كبرى كالولايات المتحدة وإيطاليا وغيرها بالتقرب منها فعلياً، وسينتهي بمطالبة تلك الوجوه والتيارات الجديدة من مجلس الأمن بالتدخل لسحب الثقة والشرعية من كل الأجسام السياسية المعرقلة للتوافقات والتقارب، وعلى رأسها مجلسا النواب والدولة.

ومما لا شك فيه أن مجلس الأمن يملك القدرة على إقصاء الأجسام السياسية الحالية التي امتلكت شرعيتها من واقع القرار 2259 لعام 2015، الذي أكد اعتراف المجتمع الدولي بالاتفاق السياسي والأجسام المنبثقة عنه
ويمكنه أيضاً إصدار قرار آخر يلغيه ويفقد بالتالي هذه الأجسام شرعيتها، هنا لابد من التأكيد أن مؤتمر روما المقرر عقده في جزيرة صقلية خلال الأسبوع الثاني من نوفمبر المقبل، سيحمل معه ملامح التوجه الجديد نحو دعم الخيار الثاني في الخطة الأممية.

ويذكر الجميع تصريحات الوزير الإيطالي بعد زيارة ليبيا، التي شدد فيها على أن “الليبيين هم من سيختارون موعد إطلاق انتخاباتهم”، في إشارة إلى التوجه الجديد نحو مؤتمر يضمّ كل الأطياف الليبية، بهدف أن يطالبوا بإنهاء شرعية الأجسام الحالية، وتأجيل إطلاق الانتخابات نهاية العام الحالي، إلى وقت آخر.
ولا شك أن ما حدث منذ أواخر أغسطس وما يحدث هذه الأيام هو تغيير الواجهة السياسية والأمنية بالكامل، في محاولة من دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، لإنهاء الصراع الدولي حول ليبيا، ومساعدتها على بلورة رؤية دولية بشأن البلاد المنهكة.

تغييب حفتر أو السراج أو كليهما

أما بخصوص تغييب كل من حفتر والسراج او الاثنين معا فانه يمكن التأكيد على:

ـ أن المجتمع الدولي يرى في تغييب السراج وحفتر عن الواجهة تهديداً لمصالحه، لذا “ربما قد يكون الرجلان هما الثابت الوحيد في المشهد المرتقب”، كما من الوارد تغييب أحدهما لصالح الثاني او حصر دورهما في المشهد الجديد على غرار عضوية السراج فقط في المجلس الرئاسي او عضوية الحكومة الانتقالية القادمة فقط

ـ بالنسبة لحفتر لا يمكن البتة تغييبه كما لا يمكن ان يستطيع أن يملي شروطه مثل ما حدث سنتي 2016 و2017 وخاصة على مكونات الشرق الليبي وهو سيكون لاعبا ضمن اللعبة السياسية والعسكرية ولكن بشروط الآخرين وليس بشروطه.

ـ النسبة للسراج ستبقى كل السيناريوهات واردة بشأنه من دعمه وتحويله الى قرضاي ليبيا وصولا الى عضويته فقط للحكومة او للمجلس الرئاسي المصغر بجانب حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات او ربما مغادرة المشهد تماما والعيش مع عائلته خارج ليبيا.

ـ ربما ينجح مسار نجاح عقيلة صالح والمشري في الحد من أدوار حفتر والسراج ولكن باي كيفية وبناء على أي خطة، ذلك امر لا يبدو واضحا من حيث تفاصيله أو قدرتهما على احباك تلك الخطة وتناسبها مع ما حدث من تطورات في المشهد الليبي المعقد والذي أصبح شبيها بالمشهد اللبناني في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي.

لا حل إلا بالحوار والتوافق

مهما بلغت الأزمة الليبية الراهنة من درجات التعقد، فإن الحوار هو قدر الليبيين لأنه سمة من سمات مجتمعنا طوال تاريخنا الطويل والمصبوغ بسمات الفداء وامتلاك العقلية الاستباقية (توقع الاستعمار الإيطالي قبل عشرين سنة من مجيئه بل والاعداد لمراحل النضال ضده ووضع خطط لاستنزافه)، مع الوعي أنه قد ترسخت عليه سمات أخرى سلبية على غرار عقليتي “الغلبة” و”الغنيمة” والعقلية القبلية في معالجة القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.

واليوم تفرض عليه الأوضاع السياسية والاجتماعية وطبيعة ما يحدث في الإقليم وطبيعة الصراعات الدولية، الحوار والتوافق والعمل على استنساخ النموذج التونسي وفقا لخصوصياتنا الاجتماعية والسياسية وتجنب الخيار المصري بل ان التوافق هو خيارنا الذي لا محيد عنه لا خيارا فقط بل أيضا نتاج طبيعي لحالة توزان الضعف بين طرفي الصراع، وخاصة بعد انهيار خيار الحسم العسكري ميدانيا وسقوط سيناريو “القذافي2و شبيهه سيناريو “سيسي ليبيا” منذ منتصف 2016.

لا شك أنه يجب العمل بشكل دؤوب على دعم الحوار بين جميع مكونات المجتمع الليبي وممثلي مدنه، وقد أكد جميع المتابعين خلال الفترة الماضية أن أصحاب خيار العسكري قد اصطدموا بكره المواطنين للصراعات والمعارك وكرههم للاقتتال بين أطراف الصراع وبين المليشيات في المناطق الثلاث.

لقد اصطدم الحالمين بالحسم الميداني العسكري بخيارات شعبية وبالحراك الدولي الذي بدأ يغادر منصات السلبية واللامبالاة مع المآلات المنتظرة وتطور الازمة الليبية المتفاقمة منذ فبراير 2014، وقد تبين أخيرا لكل المتابعين سقوط استراتيجيا الالتفاف على العاصمة طرابلس والتي يطمح لها مقربين من اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ان الدفع نحو الحل السياسي خيار أوحد ووحيد للتلاؤم مع رغبة الليبيين والتوجهات الراهنة للمجتمع الدولي الطامح في نجاح البعثة الأممية الحالية وخاصة إمكانية تنزيل ما سمي بالخطة “ب” لوليامز (مساعدة غسان سلامة) كما تـأمل الدول السبع في نجاح أشغال المؤتمر الدولي المنتظر في إيطاليا خلال شهر نوفمبر القادم، ويمكن القول أن ما حدث ويحدث منذ نهاية أغسطس ليس سوى سعي حثيث لتنزيل استراتيجيات استباق نتائج المؤتمر سياسيا وامنيا وعسكريا…

ان حتمية خيار الحوار والحل السياسي تفرض ضرورة إنجاز مصالحة وطنية تدفن آلام الماضي وهنا لابد من استحضار سوداوية المشهد الحالي ميدانيا واجتماعيا، فليبيا تمر بأسوأ مراحل تاريخها منذ قدرة شبابها على انهاء 42 سنة من الديكتاتورية الفردية.

لقد استفحل في العاصمة طرابلس نفوذ العصابات المسلحة التي تحكَّمت في كل شيء وأما في الشرق فقد لحق الدمار ثاني أكبر مدن ليبيا ووقعت فيها جرائم الحرب والإبادة وانتهى المطاف بانقسامات معتم عليها سياسيا واعلاميا، أما الجنوب فهو يكاد يفقد هويته السابقة بتدفق قبائل غير ليبية من “التبو” و”الطوارق” والمهاجرين من الدول الافريقية المجاورة والذين بسطوا سيطرتهم على مناطق شاسعة.

وبذلك يمكن تلخيص المشهد بالقول أن المسلحين والفاسدين والانتهازيين في مناطق ليبيا الثلاث، هم بصدد نهش خيراتها وما فيها.

ورغم ذلك فقد عرف المشهد السياسي والاجتماعي منذ أشهر نسقا متطورا حيث يعمل الجميع رغم المؤثرات الذاتية والموضوعية الضاغطة عليهم، على اجراء الانتخابات، بل أن المشهد عرف ويعرف باستمرار نسقية تفكيك وتركيب متماهية مع التطورات الاقليمية والدولية، ويمكن تلخيصه بانه مُعقد كثيرا في العاصمة طرابلس بدرجة أولى بل وفي الجهة الغربية عموما وخاصة بعد الاشتباكات الدموية الأخيرة.

المشهد معقد في الغرب وخطير جدا في الجنوب بينما الأمر في برقة أكثر تعقيدا  حيث هي في وضع لا يسمح بقبول أي مخرجات سياسية راهنة خاصة في ظل التدخل المباشر لقوى إقليمية معروفة ووجود وكلاء اقليميين مستعدين لفعل أي شيء من أجل إرضاء تلك القوى الإقليمية. وتنبني قتامة المشهد من جهة وتعقده من جهة ثانية بناء على تقييم العقل السياسي للفاعلين السياسيين من مختلفي النخب:

  • تواصل سياسة التخبط والتشظي لدى تيار فبراير والذي من المنتظر أن تتفشى داخله مستقبلا العقلية الغنائمية وعدم الثقة بين أطرافه بل أن مكوناته لن تتطور إلا بتبلور تيار قادر على بناء الائتلافات والتحالفات والتوافقات والاستجابة لإرادة الليبيين وبناء على نتائج الصناديق.

  • تواصل الانقسامات الجذرية في أنصار النظام السابق بين الواقعيين والافتراضيين، ومعلوم أن تطورهم سيبقى صعبا في الوقت الراهن نتاج عقلية ماضوية في قراءة أربع عقود من الحكم الفردي ونتاج استفحال مؤثرات فكرية وسياسية واجتماعية متعددة .

ورغم تعقَد تفاصيل المشهد السياسي الحالي وتعدد مُفرداته، الا أن نجاح الحوار أمر قدري لليبيا والليبيين، ولابد أن تصدق النوايا عبر الكف عن مُمارسة الابتزاز السياسي، بل ان الامر يقتضي المسارعة في تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد مؤتمر إيطاليا المنتظر عقده في نوفمبر المقبل لترتيب ما تبقى من المرحلة الانتقالية ذلك أن كُل تأخير هو تعميق للفوضى والانقسام وقبل ذلك لابد من تغيير تركيبة المجلس الرئاسي الحالي وتغيير بعض أعضائه والعمل على توحيد المؤسسات السيادية ووضع استراتيجية امنية في المناطق الثلاث.

إن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة موقع ليبيا المهم وقربها ومن السواحل الأوربية ستحتم علينا كليبيين إنجاح الحل السياسي وإجراء انتخابات حتى يتم غلق باب الصراعات الأمنية والعسكرية، بل والوعي أننا امام تحديات جسيمة على غرار تفاصيل الترتيبات الأمنية وكيفية بناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية.

ان الواجب يفرض على كل الليبيين أن تشهد الانتخابات المقبلة مشاركة سياسية واسعة ومنقطعة النظير، وأن ندفع نُخبنا وأحزابنا الوطنية بالمشاركة الإيجابية بغض النظر عن النتائج، إضافة للسعي أن يكون النظام السياسي في ليبيا مهيأ الى التقبل والطرح الفكري والمتعدد حتى يكون تنافس الأحزاب تنافسا طبيعيا خدمة لليبيا.

أما في سياق الأقاليم الليبية فإن كل إقليم شهد ويشهد تطورات عدة ممَا يعني أن المشهد الانتخابي من حيث طرح البرامج الانتخابية والجدل بين المترشحين لابُد أن يُساهم في تحديد سياساتها الاقتصادية الداخلية حسب الظروف التي تعني كل إقليم وفي تماه كامل مع مؤسسات السلطة المركزية للدولة الليبية .

_________________