Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

تشهد ليبيا حراكا سياسيا وعسكريا ينبئ بدخول البلاد مرحلة جديدة من التسويات والتحولات قد تكون مغايرة لما سبقها من مراحل الصراع الممتد على مدى سبع سنوات .

الجزء الأول

هذا الحراك القائم ليس وليد حالة داخلية فقط وإنما هو مرتبط بجملة من الترتيبات الدولية في علاقة بما يجري في سوريا وفي اليمن والخليج العربي وإيران وحتى داخل الإتحاد الأوروبي.

فما طبيعة ما يجري في ليبيا ؟

وما علاقة الأطراف الدولية بذلك؟

وما هو المخطط المرسوم للبلاد؟

أسئلة ملحة نطرحها ونحاول في هذه الورقة الإجابة عليها أملا في إيضاح الصورة، ذلك أن الملف الليبي من الملفات شديدة التعقيد والتي تستوجب متابعة دقيقة في التحليل لأجل مقاربة دقيقة للفهم

مقدمة

لا شكّ في وجود رغبة  حقيقية لحلحلة الأوضاع في البلاد لأن في ذلك مصلحة دولية قبل أن تكون مصلحة ليبية. إذ المعلوم أن ما يجري في ليبيا حرب دولية بالوكالة تغذيها التناقضات الداخلية.

فليبيا ليست بلدا عاديا من حيث حجم الثروة وآفاق الاستثمار الكبرى وكذلك الموقع الإستراتيجي . وثمّة إجماع أوروبي وأمريكي على ضرورة إنهاء حالة الصراع في البلاد ورسم خطة على مراحل محددة تتوج بانتخابات تشريعية ورئاسية تضع البلاد على سكة الاستقرار الدائم.

ليبيا وتاريخية العلاقة بالقوى الكبرى

حدثت نقلة حقيقية في العلاقة الأمريكية والأوروبية بليبيا مباشرة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي عندما يمم القذافي وجهه شطر الغرب . في تلك الفترة بدأت القوى الغربية ممثلة أساسا في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا تسعى جاهدة  للفوز بصداقة العقيد والذي كان بدوره يسعى إلى ضمان بقاء حكمه بعد انهيار حليفه السابق الإتحاد السوفياتي.

كانت ليبيا في تلك الفترة حقلا خصبا للاستثمار. ثم حدثت أزمة لوكاربي وكان الرابح الأكبر من هذه الأزمة الولايات المتحدة وبريطانيا على حساب فرنسا. أما ايطاليا فمصالحها في ليبيا ممتدة من أيام الإحتلال وهي في نظر أوروبا الوريث الشرعي للمصالح في البلاد

وفي سنة 2011 ساندت القوى الغربية الثورة الليبية وقررت التخلص من القذافي لأنها ترى في ذلك فرصة حقيقية لترتيب علاقات متينة مع ليبيا تربطها المصالح لا المزاج كما كان مع العقيد القذافي . وأكثر دولة كانت متحمسة لذلك هي فرنسا رغبة في الفوز بنصيب الأسد من الكعكة في الواقع الجديد .

ويتذكر الجميع أن فرنسا خالفت قواعد الإشتباك داخل حلف النيتو عندما وجهت ضربة قاصمة لرتل القذافي المتجه إلى بنغازي يوم 19\3\ 2011 دون موافقة الحلف .

ثم بسقوط نظام القذافي بدأ صراع السيطرة على القرار السياسي في البلاد في محاولة للخروج بأكبر المكاسب من واقع ما بعد الثورة . وكان التنافس أساسا بين فرنسا وإيطاليا .

ولكن هذه المرة أخذ التنافس أشكالا أخرى واستحال في الأخير صراعا حقيقيا سياسيا وعسكريا .

في طبيعة الصراع القائم في البلاد

عديدة هي الأطراف الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي منها قوى إقليمية مثل مصر والإمارات والسعودية وكذلك قوى دولية مثل إيطاليا وفرنسا وبصفة أقل الولايات المتحدة وبريطانيا .

تداخلت أدوار هذه الدول طيلة السبع سنوات الفارطة مما شكل واقعا شديد التعقيد وتصدر المشهد في النهاية دولتان هما فرنسا ومعها الإمارات والسعودية ومصر رغم اختلاف مصالح هذه الدول وطرق تعاطيها مع الملف . وإيطاليا التي تجد مساندة أمريكية وبريطانية وبدرجة أقل من تركيا وقطر اللذين هما أقرب إلى التصور الإيطالي للحل في ليبيا .

وقد ساندت فرنسا منذ بداية الثورة ما يعرف في البلاد بالتيار العلماني أو التيار المدني  ومن أهم رموزه محمود جبريل وحزبه الموسوم بـ تحالف القوى الوطنية” . فيما كانت إيطاليا تسعى إلى إيجاد خلطة تجمع فيها أغلب الطيف المحسوب على الثورة بقطع النظر عن التوجه السياسي أو الإيديولوجي وكذلك مع من هم مقبولون من رجال النظام السابق.

ومع نهاية عملية فجر ليبيا سنة 2014 التي أفرزت واقعا سياسيا وعسكريا جديدا بدأ محور الاصطفاف أكثر وضوحا خاصة مع انطلاق عملية الكرامة التي وجدت فيها مصر والإمارات والسعودية ..الخ ضالتها من أجل ضرب التيار الإسلامي المتمكن عسكريا وسياسيا .

فمباشرة بعد العملية وقع الانقسام السياسي وأصبحت البلاد تدار بحكومتين ومؤسستين تشريعيتين وبدأ حفتر في تشكيل جيشهتزامن كل ذلك بشن حرب ضد ثوار بنغازي والمنطقة الشرقية .

كانت إستراتيجية هذه الدول المتحالفة  تمكين حفتر من حكم البلاد وتم دعمه بالمال والسلاح والاستخبارات . وبعد أربع سنوات لم يتمكن سوى من تدمير مدينة بنغازي تحت ذريعة الحرب على الإرهاب وعجز عن التقدم نحو الغرب وهو غاية فرنسا لتحقق حلمها المتمثل في السيطرة على ميناء سرت وربطه بالجنوب الليبي مكمن الثروات التي تسيل لعابها .

لقد ساهمت فرنسا في زرع داعش في سرت بالتعاون مع حليفها حفتر لتخلق أزمة تبرر لها التدخل المباشر مع الجنرال لتحرير المدينة . ولكن رجال مصراته وحليفتهم أمريكا كانوا مدركين لحجم المؤامرة ونجحت عملية البنيان المرصوص في تحرير المدينة رغم الضغوط التي سلطت على قيادة العملية بضرورة التوقف قبل إنهاء العملية وترك المجال لفرنسا وحليفها لإتمامها

وبعد نجاح عملية البنيان المرصوص هاجم الجنرال حفتر الموانئ النفطية لتكون شكلا من أشكال المقايضة والمناورة لفرض أمر واقع على الليبيين وعلى العالم وعلى بعثة الأمم المتحدة .

هذه العملية أزعجت إيطاليا بشكل كبير فأسست مستشفى عسكريا في مصراته بحراسة من جنودها وهي رسالة إيطالية لكل من يحاول التحرش بحليفتها (مصراته)

وصار التحول الكبير في السياسة الإيطالية والأمريكية تجاه فرنسا وحفتر عندما أقدم الجنرال على تلك الحماقة الكبرى المتمثلة  في ضم الموانئ النفطية لحكومة عبدالله الثني في الشرق .

فهذه الخطوة تمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة. وكان القرار الأمريكي الشهير المتمثل في تلك الرسالة التي وجهتها الولايات المتحدة إلى الجنرال الحالم بضرورة العودة فورا عن قراره، لتكون منه الاستجابة سريعة.

وعاد الهلال النفطي تحت إدارة حكومة الوفاق في طرابلس. عندها أدركت الدول التي تعول على الجنرال حفتر أن خيار فاشل وأن مهمته انتهت وأن مشروعها في السيطرة على ميناء سرت وربطه بالجنوب الليبي قد سقط.

وهذا الواقع فرض عليها بدء العمل بقوة على جبهة الغرب الليبي وبالتحديد في العاصمة بالضغط على حكومة السراج وبدعم بعض من كتائب طرابلس التي لا ترى في الإمارات وغيرها من الدول المتحالفة خطرا يهدد مصالحها المباشرة بل ربما الحليف الذي يقوي شوكتها ضد القوى المناوئة لها في مختلف المدن الليبية والتي تتفوق عليها في العدد والعدة.

وبالفعل شعرت كتائب طرابلس المسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي أنها مدعومة من طرف دولي قوي ومن طرف إقليمي لا يتوانى عن الدعم طالما أن ّذلك يضرب قوى الإسلام السياسيوالتيار الوطني المؤمن بدولة القانون والمؤسسات.

وسعت فرنسا إلى فرض خارطة طريق جديدة بديلة لخطة غسان سلامة التي ثبت فشلها ونظمت مؤتمرا في باريس في شهر مايو الفارط دعت إليه معظم الأطراف الليبية والدول المعنية بالملف الليبي وقاطعته إيطاليا.

كان غرض المؤتمر وضع خطة للوصول إلى الانتخابات في ليبيا قبل نهاية 2018 وقبل الاستفتاء على الدستور. هنا أدركت إيطاليا  أن الملف بدأ يسحب منها وأن مصالحها الإستراتيجية في خطر وأن مشروعها في ليبيا مهدد بالسقوط وأن ما تسعى إليه فرنسا هو السيطرة على مقدرات ليبيا كما عبر عن ذلك وزير خارجيتها في سابقة دبلوماسية داخل دول الإتحاد الأوروبي.

البقية في الجزء الثاني

***

المهدي ثابت ـ باحث تونسي في الشأن الليبي متحصل على الأستاذية في العلوم السياسية وأعد لرسالة الماجستير السياسية في العلاقات الدولية وهو مهتم بالشأن الليبي باعتباره شأن حيوي بالنسبة لتونس.

________________