Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

تشهد ليبيا حراكا سياسيا وعسكريا ينبئ بدخول البلاد مرحلة جديدة من التسويات والتحولات قد تكون مغايرة لما سبقها من مراحل الصراع الممتد على مدى سبع سنوات .

الجزء الثاني

مرحلة ما بعد مؤتمر باريس

بعد مؤتمر باريس تحركت روما بالسرعة القصوى ووظفت كل طاقتها وجهدها لضرب المشروع المقابل في مقتل وهو ما يحصل الآن في ليبيا .

فكيف استطاعت إيطاليا إقناع أوروبا والبيت الأبيض بضرورة الانسحاب الفرنسي من ليبيا؟

هنا ستحضر عوامل عديدة يكون السبب المباشر في إعادة المشروع الإيطالي إلى الصدارة في ليبيا. أولها زيارة رئيس الحكومة الإيطالية واشنطن مباشرة بعد مؤتمر باريس .

هذه الزيارة كانت منعرجا حاسما إذ أكدت واشنطن دعمها الكامل لإيطاليا على حساب فرنسا وكذلك  أن يكون لأمريكا دور أكثر فعالية في الملف الليبي وهو ما تجسد في تسمية السفيرة الأمريكية في ليبيا ستيفاني ويليامزنائبا أولا لرئيس بعثة الدعم الأممية  السيد غسان سلامة وهي في الواقع الحالي من يقود البعثة الأممية وهي من يشرف على استحقاقات المرحلة الجديدة.

وعلى المستوى الأوروبي هددت إيطاليا بالانسحاب من الإتحاد الأوروبي إن تمادت فرنسا في سياستها العدائية تجاه إيطاليا في ليبيا .

وهذا سبب ضغطا قويا على دول الإتحاد التي ضغطت بدورها على فرنسا بضرورة الانسحاب من ليبيا باعتبارها مستعمرة إيطالية سابقة وحجم مصالحها الكبيرة في البلاد لا تحتمل تدخلا بالشكل الذي تمارسه فرنسا .

أما الولايات المتحدة فهي ترى في الدور الفرنسي تمديدا للأزمة وتعقيدا لها ذلك أن الولايات المتحدة ترى أن الوقت أصبح مناسبا لإعادة الاستقرار إلى ليبيا وفي ذلك مصلحة أمريكية حيوية لأن منابع النفط مهددة في الخليج العربي بفعل الصراع الخليجي الإيراني وبفعل الوضع المتوتر في اليمن بما يمثله من خطر على مضيق باب المندب ومضيق هرمز وهما من أهم الممرات الدولية للنفط الخليجي والإيراني.

إلى جانب الملف السوري الذي ستلعب الولايات المتحدة دورا حاسما فيه في المرحلة القادمة.

هذه العوامل تستوجب استقرار ليبيا التي تنتج أكثر من مليون برميل في اليوم ويمكن أن يصل الإنتاج إلى مليوني برميل إذا استقرت الأوضاع في البلاد.

مجمل هذه الضغوطات جعلت فرنسا في النهاية ترفع يدها عن دعم حفتر وكتائب طرابلس بما يعني  عمليا بداية انسحاب حقيقي من الساحة الليبية التي ستكون فيها إيطاليا وأمريكا وبريطانيا اللاعبين الأساسيين تحت مظلة الأمم المتحدة وتحت سقف الاتفاق السياسي الذي أمضي سنة 2015 في الصخيرات المغربية .

ملامح المشروع القادم في ليبيا:

إن ما يجري اليوم في ليبيا هو بداية إرساء مشروع جديد غايته الوصول بالبلاد إلى حالة الاستقرار الدائم. هذا المشروع الذي رسمت ملامحه إيطاليا برعاية أممية ودعم مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا يتضمن خمس مراحل أساسية قد تتوج بانتخابات نهاية 2019

المرحلة الأولى : إرساء الترتيبات الأمنية الجديدة

وهي مرحلة ضرورية لأي خطوة للتغيير في البلاد إذ المعلوم أن العاصمة طرابلس تدار أمنيا من قبل مجموعة من الكتائب تعرف بكتائب طرابلس وهي كتيبة ثوار طرابلس التي يقودها هيثم التاجوري وكتيبة الردع الخاصة التي يقودها عبدالرؤوف كارة وكتيبة الدعم المركزي ويقودها عبد الغني الككلي وكتيبة النواصي التي يقودها مصطفى قدور.

هذه الكتائب الأربع تسيطر على القرار السياسي والاقتصادي في البلاد وهو ما جعل من حكومة السراج بمختلف أعضائها عاجزة على المبادرة وعلى اتخاذ القرار بفعل تغول هذه الكتائب التي تتمعش من أموال الدولة وقد راكم قادتها ثروات طائلة على حساب قوت الليبيين حتى أنه أصبح يطلق عليها في المدة الأخيرة لفظ كتائب الاعتمادات” .

هذه الكتائب لها علاقات ممتدة مع باريس وأبو ظبي والرياض والجميع في ليبيا يدرك متانة العلاقة التي تربط قادة كتيبة ثوار طرابلس بالإمارات وفرنسا وكذلك العلاقة المتينة التي تربط كتيبة الردع الخاصة المدخلية بالسعودية وكذلك جملة المصالح التي تربط هذه الكتائب ببعضها وهو ما جعلها في المدة الأخيرة توحد صفوفها ضد قوة حملة تطهير طرابلسالتي قدمت لتفكيك هذه الكتائب .

إن المقصود ببناء الترتيبات الأمنية الجديدة هو حل كتائب طرابلس وتعويضها بقوى نظامية معترف بها داخليا وخارجيا . وهذه ليست مهمة سهلة وإنما تستوجب جملة من التوافقات من الداخل والخارج وهو ما اشتغلت عليه إيطاليا وبعثة الدعم مع قوى عسكرية من الداخل محسوبة في أغلبها على تيار فبراير(خط الثورة).

والعملية العسكرية الأخيرة التي قادها اللواء السابع ولواء الصمود المحسوبين على الثورة هي البداية الحقيقية لحل هذه الكتائب . وكانت العملية بضوء أخضر دولي . وقد حقق التحرك العسكري الأخير الكثير من الأهداف المطلوبة لإنجاح العملية. إذ مكن هذا التحرك بعثة الدعم من الضغط بقوة على كتائب طرابلس وعلى حكومة السراج وعلى مختلف القوى الاجتماعية والسياسية بضرورة حل هذه الكتائب دون الزج بالعاصمة في أتون حرب مدمرة .

وإعلان وقف إطلاق النار الأخير صاحبه تعهد رسمي للقوى المهاجمة بحل الكتائب في ظرف شهر لتحل محلها قوى نظامية من المنطقة العسكرية الغربية والمنطقة العسكرية الوسطى إلى جانب قوة مكافحة الإرهاب المحسوبة على البنيان المرصوص.

وإذا فشلت لجنة الترتيبات الأمنية التي شكلت للغرض في تطبيق ما وقع التعهد به فإن المهمة ستوكل إلى قوة تطهير العاصمة المشكلة من أغلب مدن المنطقة الغربية لاقتحام طرابلس بالقوة وفرض الترتيبات الأمنية الجديدة .

إن المؤشرات حاليا توحي بأن الأمور تسير بشكل مرضي رغم الصعوبات المتأتية أساسا من تعنت كتيبة الردع الخاصة لأنها كتيبة مؤدلجة وتتلقى أوامرها وفتاواها من السعودية. ولكن ما هو ثابت ومتأكد أن قرار حل هذه الكتائب لا رجعة فيه بتوافق داخلي ودولي.

وإن حل كتائب طرابلس يعني أن والإمارات والسعودية وغيرها،  فقدت مخالبها في العاصمة  وبالتالي قدرتها على التأثير على القرار السياسي والاقتصادي بما يعني بداية الانسحاب الفعلي من المشهد

المرحلة الثانية : تغيير تركيبة المجلس الرئاسي

لا يختلف اثنان في الداخل والخارج على فشل المجلس الرئاسي بحكومته في تحسين الأوضاع في ليبيا سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي .

فرغم إقدامه على جملة من الإصلاحات الاقتصادية في المدة الأخيرة (صاحبت الهجوم على طرابلس) إلا إن الرأي العام الداخلي والدولي أصبح على قناعة تامة بضرورة تغيير تركيبة المجلس  وهي المرحلة الثانية التي ستلي مرحلة إرساء الترتيبات الأمنية ولن يكون السيد فايز السراج في المشهد القادم إلا في صورة عجز القوى الداخلية على اختيار التركيبة الجديدة التي ستكون برئيس ونائبين وحكومة مصغرة يقودها رئيس ليس عضوا في المجلس الرئاسي.

ويتداول اليوم حديث عن جملة من الأسماء الوارد تصدرها للمجلس الرئاسي .وهو في تقديرنا مجرد بالونات اختبار ومحاولات استباقية للتأثير على الرأي العام ولتهيئته لقبول ما يرتب في الغرف المظلمة.

فالعقلية الليبية ليس من السهل إقناعها بحل جاهز يقدم على طبق . فالمتغيرات التي ستحصل في العاصمة وتصدر قوى أخرى للمشهد ستفرض على صناع الخرائط والإستراتيجيات والحلول الجاهزة تقدير خطواتها جيدا ووضع المعطيات الجديدة في حسبانها.

المرحلة الثالثة : الإستفتاء على الدستور

ستكون هذه المرحلة مفصلية في تاريخ الليبيين واستحقاقا من أهم الاستحقاقات على الإطلاق. فقد أنهت لجنة صياغة الدستور عملها . وثمة اليوم مسودة جاهزة للاستفتاء.

وقد تم الضغط بقوة على البرلمان في طبرق لتمرير قانون الاستفتاء على الدستور وهو ما حصل مؤخرا بعد تعطيل من الجنرال حفتر لمدة طويلة . ولعله لأول مرة يتمكن البرلمان من تمرير قانون دون رضى حفتر وهذا يدل على حجم الضغط الذي سلط على السيد عقيلة صالح من إيطاليا والولايات المتحدة .

ورغم أن هذا القانون تشوبه بعض العيوب وهناك من يراه مخالفا للإعلان الدستوري بما يستوجب إسقاطه إلا أنه يبقى خطوة رئيسية جريئة في الاتجاه الصحيح. ومن مرر هذا القانون يمكنه تعديله في مرحلة لاحقة إن أصبح عقبة أمام إجراء الاستفتاء.

ليس من السهل التنبؤ بقبول الليبيين للمسودة الحالية أو رفضها لأن بعض نصوصها لا تجد قبولا من قوى إثنية في البلاد مثل الأمازيغ والتبو والطوارق ولكن طالما أن المسار السياسي  في الطريق الصحيح فإنه يمكن الوصول ولو في وقت متأخر نسبيا إلى دستور يوافق عليه أغلبية الشعب .

المرحلة الرابعة: المصالحة الوطنية الشاملة

الثابت أنه لا يمكن إجراء انتخابات في ليبيا وفق المعايير الدولية قبل إصلاح الأجهزة الأمنية وقبل المصالحة الوطنية التي تهيئ البيئة الانتخابية على الأرض . ولذلك فإن المشروع الأممي المسنود دوليا وضع في اعتباره هذه المحطة .

وهذا يدل على مدى واقعية الرؤية الإيطالية مهندسة المشروع ورغبتها الحقيقية في البلوغ بالبلاد إلى حالة الاستقرار الدائم. فإيطاليا أكبر متضرر من حالة الفوضى في ليبيا (تعطل الاستثمارات والمشاريع . الهجرة غير الشرعية).

ومشروع المصالحة الوطنية سيبدأ بالمؤتمر الوطني الجامع الذي سيضم قرابة 500 شخصية من مختلف المشارب في البلاد لوضع تصور للمصالحة الوطنية الشاملة. وهذا طموح مشروع واقعي لأن الليبيين ملوا من حالة الاقتتال والفوضى والكل يرغب في الاستقرار.

المرحلة الخامسة :الانتخابات الرئاسية والتشريعية

وهي آخر مرحلة ستتوج خارطة الطريق . ووفق الجدول الزمني ستكون نهاية  2019 وستشارك فيها مختلف الأطياف السياسية ولن تستثني أحدا

المخاطر التي تهدد المشروع

ليس من السهل الجزم بأن هذه الخطة ستكتمل كل حلقاتها بنجاح ذلك أن الواقع في ليبيا لا تحكمه معايير واضحة يمكن البناء عليها . فحالة التشظي وانتشار السلاح يمكن أن تفجر أي خطة مهما ملكت من أسباب القوة والنجاح. وأن المخاطر التي تهدد هذا المشروع في ليبيا متعددة . فحتى وإن تأكد حفتر أن مشروع الكرامة قد استنفذ أغراضه فإنه لن يقبل لا هو ولا مناصروه في المنطقة الشرقية أن يقع تهميشهم في المرحلة القادمة .

والبحث معه عن تسوية ترضيه بما تسمح به موازين القوى يبدو أمرا صعبا على الأقل في المرحلة الحالية

وكذلك مسألة انتشار السلاح هي خطر محدق يهدد الخطة في كل وقت وحين ويمكن أن يفجرها بسهولة ما لم يكن الجميع على ثقة مما يجري بمعنى أن تجمع الخطة حولها أكبر طيف ممكن من الليبيين.

ويمكن اعتبار المرحلة الأولى من الخطة هي أهم مرحلة على الإطلاق . فإذا نجحت فإن بقية المراحل يصبح مقدورا عليها لأنها تغلب  الطابع السياسي القابل لإيجاد التوافقات الممكنة.

الخاتمة

يمكن القول أنه لأول مرة بعد سبع سنوات من الاقتتال والبؤس والأزمات تظهر في الساحة الليبية خطة عملية مدعومة بقوة من القوى الدولية الفاعلة ومن أهم الأطراف السياسية والعسكرية في الداخل ومصحوبة بجملة من الإصلاحات الاقتصادية التي ستخفف كثيرا من حالة الغليان الاجتماعي .

هذه الخطة هي أمل حقيقي لليبيين في عودة الدولة وفي بناء المؤسسات السياسية الدائمة إن كتب لها النجاح. وهذا يفرض على دول الجوار الغربي أن تكون لديها الجرأة على المساهمة بفعالية كبيرة في إنجاحها حتى تنال حصتها من خراجها غدا .

فليبيا هي العمق الإستراتيجي أمنيا واقتصاديا لتونس وكذلك هي صمام أمان لاستقرار الجزائر.

***

المهدي ثابت ـ باحث تونسي في الشأن الليبي متحصل على الأستاذية في العلوم السياسية وأعد لرسالة الماجستير السياسية في العلاقات الدولية وهو مهتم بالشأن الليبي باعتباره شأن حيوي بالنسبة لتونس.

________________