Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

تتطور الساحة الليبية بشكل سريع على كل المستويات وخاصة في المجالين السياسي والعسكري الميداني في الجهات الثلاث ( الشرق – الغرب – الجنوب)، ورغم تعقد المشهد وتشابك تفاصيله المُتعددة إلا أن الذهاب للحل السياسي أصبح أمرا واقعا في رؤية جميع الفُرقاء.

الجزء الثاني

ميدانيا وعمليا فان البعثة الأممية تشتغل على ثلاثة مسارات قد تلتقي مع رغبة المجلسين وقد تناقضها أيضا:

المسار الاولالاستفتاء على الدستور ومن ثم الانتخابات

وهو مسار أكد عليه سلامة من خلال حواره مع قناة الجزيرة السبت 29 أيلول/سبتمبر الماضي وتصريحه لوكالة فرانس براس في نفس اليوم، حيث قال تحديدا “إن البعثة تنظر حاليا في إجراء عملية الاستفتاء على مشروع الدستور ثم تنظيم انتخابات نيابية ورئاسية بعد عملية الاستفتاء”، لكنه استدرك بالقول إن العملية ستتم “إذا لم يتم الطعن قانونياً في قانون الاستفتاء الذي أقره مجلس النواب”، في إشارة إلى ذهاب مجلس النواب إلى تمرير قانون الاستفتاء على الدستور بطريقة جمع التوقيعات للنواب عن بعد، بعد عجزه عن عقد جلسة مُكتملة النصاب للتصويت عليه.

وهي الخطوة التي لاقت اعتراضا كبيرا من النواب المعارضين لتمرير الدستور للاستفتاء عليه، الذين أكد عدد منهم، خلال تصريحات صحافية، بأنهم في طور إعداد مذكرة للطعن على تمرير القانون بطريقة التوقيع أمام المحاكم.

المسار الثانيإعادة هيكلة السلطة التنفيذية

وهو المسار الذي يتكرس بأحد خيارين اما اختيار سلطة تنفيذية جديدة أو إجراء تعديلات على حكومة الوفاق الحالية، وقد أشار اليه سلامة بقوله لفرانس براس “عدة قضايا ومبادرات مطروحة لمعالجة الانسداد الحالي للأزمة السياسية في ليبيا”، وقد أشار الى حوارات تونس حيث قال أنه التقى الأيام الماضية بأعضاء من مجلسي النواب والدولة لبحث الخطوات السياسية المقبلة.

لكنه أشار إلى أن البعثة غير راغبة في العودة إلى “دوامة تونس” في إشارة إلى جلسات تعديل الاتفاق السياسي، مشيراً أيضاً إلى إمكانية تعديل السلطة التنفيذية الحالية لتتمكن من الإشراف على مرحلة الانتخابات في وقت لاحق، ومعلوم أن مجلس النواب، قد دعا خلال جلسة 24 سبتمبر، مجلس الدولة إلى بدء التشاور معه في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية والدعوة إلى انتخابات رئاسية، دون الإشارة إلى انتخابات برلمانية،

وهي الدعوة التي لقيت قبولا من مجلس الدولة بعقد لقاءات بين ممثليها وممثلي مجلس النواب انتهت إلى اجتماع بين نائب رئيس مجلس الدولة فوزي العقاب، ورئيس لجنة الحوار بمجلس النواب، عبد السلام نصية، مع غسان سلامة لمناقشة المقترح الذي “سيمهد إلى حكومة توافقية تتمكن من الإشراف على الانتخابات في وقت لاحق”، دون تحديد موعدها.

المسار الثالثعقد ملتقى وطني (المؤتمر الوطني الجامع)

وهو الذي أشار له سلامة في عدة مناسبات، حيث يمثل البند الثاني من الخطة الأممية المعلنة من قبل سلامة في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، ويجمع كل الأطياف والشرائح الليبية، حتى تلك التي لا تمتلك تمثيلا في الأجسام السياسية الحالية، للتوصل إلى اتفاق شامل يمثل عقدا وطنيا يمهد لمصالحة اجتماعية تفضي إلى تمكين كل الشرائح من المشاركة في الانتخابات العامة.

لكن عديد المراقبين اعتبروا الملتقى بمثابة خطوة من البعثة لتجاوز الأجسام السياسية الحالية في حال فضلها في تعديل الاتفاق السياسي الذي يمثل البند الأول من الخطة الأممية، ليكون الملتقى جسر العبور إلى الانتخابات، وعمليا لقيت الدعوة لعقد الملتقى معارضة من قبل مجلسي “الأعلى الدولة” و”النواب”، والذين يرغبان في معاودة الجلسات التي توقفت عند آلية اختيار حكومة وفاق جديدة والأكيد أنهما يعتبران الاتفاق السياسي هو “الخيار المتاح والأوسع والأقرب” وأن الملتقى (المؤتمر الوطني الجامع) مدخلاته مجهولة وبالتالي ستكون مخرجاته مجهولة أيضا…

ثانيا: قراءة في التركيبة وأبعادها المختلفة

النقطة الأولى: التركيبة المسربة والمتداولة والمذكورة أعلاه من حيث الأسماء وحيثياتها واطارها، ليست تركيبة نهائية رغم اتفاق اولي بين المجلسين عليها والأسباب عديدة:

أ‌ بالنسبة لــ”عبدالرحمان شلقم”، هو شخصية مخضرمة ومقبول من طرف أغلب مكونات المشهد الليبي فهو دبلوماسي سابق ومثقف معروف وهو محنك سياسيا، ألا أنه غير مقبول بتاتا من غالبية مكونات أنصار النظام السابق (بعض رجال الامن الداخلي والخارجي – لجان ثورية – أحزاب وتنظيمات) ولعل موقف المترجم الخاص للقذافي منذ أسابيع في رده على أحد تصريحات شلقم هي أحد اهم تعابير الاعتراض على الرجل.

ومع ذلك فإن تسريبات تتحدث على ان ضغوطا دولية قد تُبقي عليه في التركيبة في حد أدنى، وهنا يؤكد بعض المتابعين أن الغرب يفضل التعامل مع شخصية مرنة مثل شلقم خاصة وان الرئاسي ومهما قُلّص من صلاحياته فانه سيبقى له مهمتين رئيسيتين وهما العلاقات الدولية والتمثيل البروتوكولي إضافة لمهمة الامن القومي لليبيا في انتظار انتخاب رئيس للبلاد لاحقا.

ومع ذلك سيبقى موقف جزء (وليس كل) أنصار القذافي عائقا أمام رئاسته للمجلس مع العلم وأن الرجل متقدم في السن ولا تسمح طبيع شخصيته بالاشتغال كل الوقت رغم أن الفصل بين الرئاسي ورئاسة الحكومة قد يكون متناسبا ومتماهيا مع شخصيته خاصة وانه غير معني بالترشح للرئاسيات القادمة.

ب – اختيار عبد الرحمان العبار مردّه أن اللواء المتقاعد خليفة حفتر مُصِّر أن تمر تزكية ممثل الجهة عبر مكتبه، ومعروف أن العبار موال لحفتر أكثر من أي طرف آخر في ليبيا وفي الشرق تحديدا واضافة الى ذلك يعرف الجميع أن العضو عن الشرق من المستحسن والأفضل أن يكون من “العواقير” تحديدا نتاج ان رئاسة البرلمان هي لقبيلة العبيدات،

أما مرد الاحتجاج الممكن عليه هو مشاركته حسب بعض صفحات وشخصيات ليبية، في اختطاف “منصور الكيخيا” وتصفيته لاحقا من طرف أجهزة مخابرات القذافي في منتصف التسعينات، كما أن تعويضه بشخصية أخرى على غرار البرغثي (السفير الحالي في الأردن) أمر ممكن ولكنه صعب في ظل المعادلات الراهنة.

ت الاحتجاج على بشاغا أقل درجة من العضوين الآخرين أي “شلقم” و”العبار” فالعديدين في مدينة مصراتة مستاؤون من أداء معيتيق وعلاقته مع المؤثرين في المدينة أصبحت جد متوترة، إضافة الى حملة انصار القذافي ضد معيتيق كبيرة ( على غرار عدد من تدوينات جزء من أنصار القذافي التي تتحدث عن فيلق “صبيان معيتيق” من مثل بث إشاعة أنه من كان وراء اختطاف الركن الحداد في نهاية أوت الماضي).

والخلاصة أن “بشاغا” من المنتظر أن يبقى في التركيبة الا اذا تم التراجع عن فكرة أن يكون رئيس الحكومة “طرابلسي” الانتماء الجغرافي واسندت لشخصية ثانية غير طرابلسية عندئذ سيتم التراجع وتتولى شخصية طرابلسية عضوية الرئاسي وعندئذ سيكون أبوشاقور او الكيب أقرب لعضوية الرئاسي وهما يتمتعان بعلاقاتهم الخارجية القوية والوازنة.

لابد من الإشارة فان أنصار فبراير غير رافضين لبشاغا إضافة الى حديث منتصف جوان/يونيو الماضي أن عبدالباسط البدري (مستشار حفتر والسفير السابق في السعودية)، قد أجرى لقاءات للرجل مع حفتر ضمن مجموعة من الفاعلين من مدينة مصراتة.

النقطة الثانية: رغم كل ما سبق ذكره فالبعض في ليبيا شرقا وغربا يؤكد انه لابد من دفع البعثة لتغيير كل الاجسام (الرئاسي – الأعلى للدولة – النواب) وتكوين جسم مؤقت يتكون من رؤساء البلديات وبعض ممثلي القبائل …الخ، وهو توجه تؤيده العديد من الكتائب المحسوبة على تيار فبراير وخاصة في الزنتان والزاوية اضافة الى تجمعات سياسية على غرار “تجمع الوطنيين الاحرار” وعديد المكونات في الجهة الغربية، وهو أمر مستبعد عمليا في الوقت الراهن وخاصة بعد تحديد موعد المؤتمر الدولي ( أي يومي 12و13 نوفمبر القادم في شياكا اوبلارمو الإيطالية).

ونتيجة كل هذا فإن التركيبة قد تصبح اسما بدون مسمى اذا ما انتصر هذا التوجه أو اقتنعت به البعثة الأممية مع ان ذلك مستبعد من حيث الترجيح ولكنه كخيار قد يدفع بعض مكونات للضغط لتغيير كل التركيبة او بعض مسمياتها .

النقطة الثالثة: الثابت أن هذه التركيبة تتسم بالضعف السياسي أو هي بالأحرى تركيبة مناسبة للدور الذي سيبقى للرئاسي خارج صلاحيات رئيس الحكومة والذي سيمنح ضوء أخضر في أغلب الملفات حيث سيمنح كل الصلاحيات التنفيذية من حيث العلاقة مع المواطن والإدارة وفي الترتيب للانتخابات وفي الملفات الأمنية المباشرة وفي الجانب المالي وفي إمضاء الاتفاقيات.

وهو دور اقرب لرئيس الحكومة التونسية سنة 2014 أي المهدي الجمعة بينما سيكون دور الرئاسي بروتوكولي تمثيلي وتزكية قرارات الحكومة فقط مع هامش في ملفي العلاقات الخارجية والامن القومي وحتى في هذين الملفين سيكون رئيس الحكومة شريكا في القرار وله صلاحيات التصرف والتنزيل.

النقطة الرابعة : تغيير السراج من رئاسة المجلس أمر ليس نهائي وقد تبقيه تطورات الأيام القادمة الى مكانه خاصة وأن بعض المتابعين لتطورات الاحداث في لبيا خلال السنوات الأربع الماضية أن هناك مفاهمات سابقة ربما عقدها الرجل اثناء زيارته لواشنطن أو حتى اثناء لقاءه مع ممثل “الأفريكوم” في العاصمة التونسية منذ شهرين,

إضافة الى زيارته للسعودية في بداية يونيو/جوان الماضي أو اثناء لقائه بالسفراء السبع في بداية أغسطس/أوت الماضي مجتمعين ثم جلوسه منفردا مع السفير الامريكي في ليبيا والمقيم مؤقتا في تونس (وهي لقاءات تزامنت يومها مع انسحاب فتحي المجبري من المجلس الرئاسي ودعوته بقية الأعضاء للانسحاب).

وتبقى هناك خمس سيناريوهات ممكنة في مستقبل السراج السياسي والتي تتلخص في:

ـ مغادرته لمصر أو للخارج للالتحاق بعائلته

ـ بقاءه في الرئاسي كرئيس أو كعضو عن الجهة الغربية

ـ تراسه للحكومة الانتقالية

ـ عضويته للحكومة الانتقالية

ولكن الأكثر ورودا هو أما بقاؤه في الرئاسي وهو احتمال ضعيف ولكنه وارد عمليا حسب التطورات كما من الوارد أيضا توليه حقيبة إحدى الوزارات الهامة في الحكومة القادمة.

البقية في الجزء الثالث

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

___________

المصدر:رؤية ليبية ، العدد 16 بتاريخ 7 اكتوبر 2018