Minbar Libya

 بقلم توفيق المديني

يقدم لنا المفكر والفيلسوف اللبناني ناصيف نصار، في كتابه الجديد “منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر”، تأصيلاً فكريًا وثقافيًا عن السلطة في كامل أبعادها، لا سيما السلطة السياسية.

السلطة في تعريفها العام هي الحق في الأمر، وتستلزم وجود طرفين، آمِر ومَأْمُور، آمر له الحق في إصدار أمرٍ إلى المأمور، ومأمور عليه واجب الطاعة للأمر وتنفيذ الأمر الموجه إليه.

فالمشكلة الأساسية الأولى في علاقة السلطة هي مشكلة الاعتراف بما تقوم به من حق وواجب عند طرفيها. فإذا كان هذا الاعتراف تامًا ومتبادلاً، استقامت السلطة مع علاقة أمْرِية مَشْرُوعة.

ولكن إذا تطرق الخلل إلى أحد طرفيها، فإنّها تتعرض للارتباك والتصدع والوهن، وقد تنتهي إلى الانهيار.

العلاقة الجدلية بين السلطة والسيطرة

يميز عالم الاجتماع ناصيف نصار بين السلطة والتسلط، وإن كان يعي جيدًا أنه من العسير جدًا عمليًا، حفظ السلطة خالصة من كل أشكال التسلط. وفي سبيل إدراك معنى السلطة، “ينبغي التمييز بينها وبين السلطان، ثم بينها وبين السيطرة. إن مقولة السلطان لا تتركز على عنصر الأمر بحق بقدر ما تتركز على عنصر النفوذ كأمر واقع” .

وكما تطلق السلطة على صاحب السلطة، يطلق السلطان على صاحب هذه القدرة التأثيرية، الذي يستتبع غيره بلغة الأمر والطاعة، المبنية على الحق والواجب بل بلغة الأمر المبنية على التاثير الفعلي الذي يصدف أن يمارسه. ومن مواصفات السلطان، أنه يتسم بعظمة الشخصية، أومن حدة الذكاء، أو من روعة الرؤية، أو من اتساع الخبرة، أو من وفرة المال، أومن علو الجاه، أو من بهاء الفضيلة الخ..

وفيما يتحدد التسلطن بالسلطان، يتحدد التسلط بالسلطة. فالتسلطن، مثل التسلط، فعل تجاوز واصطناع واستغلال. أما السيطرة بمعناها العام، فهي الإخضاع المفروض بالقوة وتسخير الأضعف لأغراض الأقوى.

والشكل الأقصى لعلاقة السيطرة بين البشر هو الشكل المعروف باسم الاستعباد. وضمن هذه التعريفات العامة، يتبين أن السلطان يتوسط بين السلطة والسيطرة المتناقضتين.

وهناك النزوع من جانب السلطة إلى السيطرة في إطار العلاقة الجدلية التي تشد السيطرة إلى السلطة، والسلطة إلى السيطرة. فالقول بالجدلية بين السلطة والسيطرة، لا يعني مفهوميًا ردّ السلطة إلى السيطرة، كما لا يمكن اشتقاق الواحدة من الأخرى.

فالسلطة والسيطرة مختلفتان في الماهية، مع خروجهما من أصل واحد. والحال هذه، ليست السلطة شكلاً من أشكال السيطرة، ولا السلطة شكلاً من أشكال السلطة. ففي نطاق العلاقة الجدلية بينهما، وضمن ظروف تاريخية معيّنة، وتحت تأثير تحولات معيّنة، يمكن أن تنقلب السلطة إلى سيطرة، والسيطرة تنقلب إلى سلطة، كما أنه لا يمنع أن تكون السيطرة وسيلة إلى السلطة، أو وسيلة في خدمتها، والسلطة وسيلة إلى السيطرة، أو وسيلة في خدمتها.

مصادر السلطة

يظل السؤال التاريخي الذي يؤرق علماء الاجتماع، هو في البحث عن مصادر السلطة، وما دامت هذه الأخيرة ملازمة لوجود الإنسان منذ ولادته وحتى موته، يمارسها آمِرًا أو مُطِيعًا، فلماذا يجب البحث عن مصدرها عن طريق النظر الميتافيزيقي؟

من وجهة نظر الفيلسوف ناصيف نصار، لا يجوز البحث عن مصادر السلطة في نطاق الغيب أو الميتافيزيقيا، بل ينبغي البحث عن مصادرها في عالم الإنسان، في بنية العلاقات الاجتماعية، بوصفها شكلاً من أشكال العلاقات بين الإرادات الإنسانية. وما دامت السلطة علاقة أمرية، فهي تنتمي إلى العلاقات الأمرية، وهو عالم العلاقات الإجتماعية، أي عالم الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا.

في بحثه لمصادر السلطة، ينتقد الباحث ناصيف نصار الفلسفة الفردانية وروادها، التي تقول إنه لا سلطة طبيعية لإنسان على إنسان. فالنقد الذي تحمله أطروحة نفي السلطة الطبيعية لإنسان على إنسان موجه أصلاً ضد النظريات التي تبرر الاستعباد بواسطة حجج طبيعية أو حجج طبيعية ولاهوتية، وبخاصة ضد نظرية السلطة الملكية المبنية على مبدأ الحق الإلهي.

فالفردانية عند هوبس تنتهي صراحة إلى تبرير نظام الحكم المطلق، وعند جون لوك تبقى في حدود ليبرالية متزمتة، وعند جان جاك روسو تندمج بصورة عجيبة مع جمعانية يمكن أن تبرر أشكالاً متطرفة من النزعة السلطوية.

ولذلك، ينبغي إعادة بناء نظرية السلطة، بدءًا بنظرية مصادرها، انطلاقًا من اجتماعية الإنسان الطبيعية ومن نظرة الطبيعة الإنسانية تستوعب المساواة والحرية، من دون إهمال للصفات الأساسية الأخرى التي تتألف منها الطبيعة الإنسانية .

وهكذا يتبين أن مصادر السلطة في دنيا الإنسان ثلاثة، هي: الطبيعة والتعاقد والتفويض. هذه المصادر هي ما يجعل الأمر فعلاً مشروعًا بين البشر. أما فيما يتعلق بسلطة الحاكم، تلعب في الواقع صورة الأب أدوارًا عدّة في العلاقات السياسية.

فبقدر ما يُعتبر الأب رمزًا لصاحب السلطة في الحياة الاجتماعية، يتم التماهي معه، بتحويل الجماعة إلى عائلة، أو يسود النظر إلى الجماعة السياسية باعتبارها عائلة واسعة. ومهما وجدنا من تماثل بين صورة الحاكم وصورة الأب، فإنها مع ذلك، تبقى صورة تمويهية، وظيفتها الحقيقية إقامة حجاب حول طبيعة الحاكم وحقيقة حكمه، إذ إننا مهما وجدنا من أوجه شبه بين العائلة والدولة، فلن نستطيع اشتقاق الدولة من العائلة، ولا ردّ العائلة إلى دولة، وبالتالي فإننا لن نستطيع جعل نظام السلطة في الدولة نظيرًا لنظام السلطة في العائلة.

سلطة المجتمع على نفسه

أما الحكم السياسي، فيعتبر في ذاته ممارسة عينية لسلطة المجتمع على نفسه، فالاستغناء عنه يعني تخلي  المجتمع عن ممارسة سلطته على نفسه، وهذا أمر مستحيل. ويبقى الحكم السياسي في هذا الشكل التاريخي أو في ذلك، حدثًا تاريخيًا يمكن التفكير والعمل في سبيل تغييره وإلغائه.

فالنقد المشروع لسيطرة طبقة اجتماعية في مجتمع سياسي معيّن  يستتبع رفضًا للحكم السياسي القائم في هذا المجتمع بوصفه أداة في خدمة الطبقة المسيطرة، ولكنه لا يستتبع بالضرورة رفضًا للحكم السياسي في ذاته.

فلا بد لإلغاء حكم سياسي قائم من إحلال حكم سياسي جديد محله. وفي هذه العملية يمكن أن تتغير النسبة بين السيطرة والسلطة في الحكم السياسي.

في خلاصة التحليل، يرى الفيلسوف ناصيف نصار، أنّ السلطة في الدولة سلطتان: سلطة الدولة، وهي سلطة طبيعة أصلّية، وسلطة الحاكم، وهي سلطة تفويضية مستمدة من سلطة الدولة وراجعة إليها.

وتفويض الحق لا يعني التنازل عنه، فالدولة، إذ تفوض إلى فرد، أو إلى جملة أفراد، الحق في أمر أعضائها جاعلة بالفعل نفسه من يتولى الأمر حاكمًا ومن يتلقاه شعبًا، لا تتنازل عن هذا الحق، في أي شكل من الأشكال. فهو حقها الطبيعي الذي يعني التنازل عنه نفيًا لوجودها.

وفي الاتجاه نفسه، لا يمكن أن يكون تفويض سلطة الدولة إلى الحاكم تفويضًا مطلقًا وكليًا، لأن التفويض الكلي والمطلق لحق من الحقوق يساوي التنازل عنه.

وهذا يعني أنه لا بد في كل دولة محققة لماهية الدولة من نظام لتفويض السلطة العامة إلى الحاكم، نظام يحدد ما ينتقل وما لا ينتقل إلى الحاكم من صلاحيات، وكيفية انتقاله، ومدته، ومسؤولية الحاكم في ممارسة السلطة المفوضة إليه، وكيفية مراقبته ومحاسبته على أعماله،  وطريقة عزله، إذا دعت الحاجة.

في حدود السلطة السياسية

تمثل حدود السلطة السياسية وجهًا من وجوه حدود السلطة إجمالاً، إذ لا سلطة مطلقة إلاَ للكائن المطلق، فكل سلطة في المجتمع سلطة نسبية ومحدودة. ولما كانت السلطة السياسية سلطة دولة في الدرجة الأولى وسلطة حاكم في الدرجة الثانية، فقد وجب أن تكون حدودها حدودًا لسلطة الدولة، وحدودًا لسلطة الحاكم.

وإنه لصحيح أن ما ينطبق على سلطة الدولة ينطبق على سلطة الحاكم، إذ إن هذه مستمدة من تلك. فسلطة الحاكم سلطة حقيقية تامة، وإن كانت سلطة تفويضية، لا يحق لها أن تتماهى مع سلطة الدولة، مثلما لا يجوز للحاكم احتكار النشاط السياسي في المجتمع، كما لا يجوزله إلغاء مبادرة الشعب، بوصفه الفريق الأغلب في الدولة، وهو صاحب المصلحة الحقيقية في سياسة الدولة. فالشأن العام مباح لجميع أفراد المجتمع السياسي، بل هو واجب عليهم.

والحال هذه، يتحدد الوضع السليم لسلطة الحاكم، باحترام الحاكم لسلطة الدولة وباعترافه بأن سلطته لا تحل محل سلطة الدولة ولا تتماهى معها، وإن كانت منحدرة منها.

إن سلطة الحاكم تابعة لسلطة الدولة. والتابع لا يجوز له التماهي مع المتبوع. فليست  نزعة التماهي مع سلطة الدولة سوى تعبير من الحاكم عن إرادة تحرير نفسه، من سلطة أعلى من سلطته، بهدف استتباع الشعب واستغلاله واستعباده. إنها قناع من أقنعة السيطرة.

مشروعية المعارضة

إنّ تفويض سلطة الدولة إلى الحاكم يشتمل على مبدأ مشروعية المعارضة. ولما كان الحكم خاضعًا لجلية السلطة والسيطرة، وكانت إغراءات السيطرة أشدّ تأثيرًا من مسؤولية السلطة، فلا يجوز للحاكم أن يستغل تفويض سلطة الدولة له، لينفي مشروعية المعارضة، ويتفنن في إبعاد المعارضين، أو إسكاتهم، أو اضطهادهم، أو التنكيل بهم، أو إلى اعتماد تفسير يسمح بهامش للمعارضة، يضيق او يتسع تحت إشرافه ومراقبته، وقبضته.

إن شرعية المعارضة نابعة من منطق السلطة، وهذا الأخير يجب أن ينتصر على منطق السيطرة في الحكم. ففي منطق السلطة، ليس المعارض خائنًا، أو متآمرًا، أوعميلاً للعدو بالضرورة. إنه عضو في الدولة، خاضع لقوانينها وأعرافها، عامل لمصلحتها، ومكتف بالمعارضة النافعة.

فليس وجوده سبب ضرر للدولة بل على العكس إن عدم وجوده علامة على خلل في نظام الدولة. فمنطق السلطة لا يستبعد المعارضة، بل يستبعد العصيان والثورة. وعندما يلجأ صاحب السلطة إلى تفسير كل معارضة لحكمه بلغة العصيان أوالتمرد أو الثورة، فإنّه يدل على أن سلطانه ضعيف.

***

توفيق المديني ـ كاتب تونسي
_____________