Minbar Libya

بقلم إحسان الفقيه

في الوقت الذي تنفي فيه روسيا جملة وتفصيلا أي تواجد عسكري لها في ليبيا، أو أنها أقامت قاعدتين عسكريتين في طبرق وبنغازي، تصر دول أوروبية وأجهزة استخبارات تابعة لها، على أن روسيا نقلت بالفعل قوات تابعة لها وصواريخ إلى قاعدتين عسكريتين في طبرق وبنغازي، ضمن مناطق سيطرة حكومة البرلمان (مقرها طبرق، غير معترف بها دوليا).

لا تبدو روسيا متورطة رسميا بتواجد جنود تابعين للجيش الروسي، لكن دون أدنى شك أن لروسيا تواجدا عسكريا عبر شركات عسكرية خاصة مسجلة رسميا في روسيا، منها مجموعات RSB، وهي شركة للاستشارات الأمنية ونظم الحماية مرتبطة بشكل وثيق مع GRU (الاستخبارات العسكرية الروسية).

في 8 أكتوبر / تشرين الأول، نقلت صحيفة الشمسعن الاستخبارات البريطانية قولها، إن تقريرا استخباراتيا بريطانيا تضمن معلومات تفيد بنقل روسيا العشرات من عملاء GRU وقوات من شركة أمنية خاصة إلى مناطق شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة اللواء خليفة حفتر، وإن روسيا أنشأت قاعدتين عسكريتين في طبرق وبنغازي شرق البلاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

التقرير الذي نقلت عنه صحيفة الشمسيتحدث عن مساعٍ يبذلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحويل ليبيا إلى سوريا جديدةفي شمال إفريقيا.

مجلة الأعمال الروسية RBC” قالت في تعقيب لها على ما نقلته صحيفة الشمسالبريطانية، إن مصادر أكدت لها أن موسكو نقلت بالفعل قوات تابعة لها إلى ليبيا منذ عدة أشهر خلال عام 2018.

ونقلت وسائل إعلام غربية عن مصادر خاصة، أن روسيا استخدمت قاعدة مرسى مطروح (شمال غربي مصر قرب ليبيا) أوائل فبراير / شباط 2017، دون مزيد من التفاصيل عن طبيعة مهمتها، فيما بادرت وزارة الدفاع الروسية إلى نفي صحة تلك الأنباء.

تقارير أخرى أشارت ضمنا إلى أن المتعاقدين يقومون على تدريب القوات الليبية التابعة للجنرال خليفة حفتر، ويقدمون لها معلومات استخباراتية.

وفي وقت سابق من هذا العام، استولت السلطات التونسية على 24 حاوية من المعدات العسكرية الروسية، و66 مركبة نقل عسكرية روسية محملة على سفينة ترفع علم بنما في طريقها إلى ليبيا.
وتنفي الحكومة الروسية أي مشاركة لها في الصراع الليبي.

ففي 10 أكتوبر / تشرين الأول، قال نائب رئيس لجنة الدفاع في الكرملين الروسي، إن روسيا ليس لها أي تواجد عسكري على الأراضي الليبية، خلافا لتقارير إعلامية غربية أشارت إلى وجود قاعدتين عسكريتين روسيتين في طبرق وبنغازي، الهدف منهما إقامة نفوذ عسكري روسي، وتحويل ليبيا إلى سوريا جديدةللسيطرة على السواحل الليبية وطرق الهجرة إلى أوروبا، ما يمنح موسكو المزيد من النفوذ على القرار الغربي.

كما أن الأمم المتحدة تفرض حظرا على توريد الأسلحة إلى ليبيا، وتتحدث تقارير إعلامية عن أن روسيا لا تستطيع إرسال الأسلحة إلى حليفها اللواء حفتر بشكل مباشر، لكنها تستغل وجودها العسكري في إحدى القواعد المصرية على الحدود مع ليبيا، وقرب المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة البرلمان، شرقي ليبيا.

تتواجد روسيا في شرق البحر الأبيض المتوسط في قاعدة بحرية في ميناء طرطوس السوري، وتسعى لتعزيز تواجدها البحري لخلق حالة من توازن القوى في المنطقة ذات الأهمية الحيوية، التي تشهد تواجدا بحريا مكثفا لدول حلف شمال الأطلسي، وسيشكل التواجد الروسي المفترضفي طبرق وبنغازي تهديدا لنفوذ دول الحلف على شواطئ البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل الإيطالية.

وتجد الولايات المتحدة صعوبة في الجزم بوجود عسكري روسي على الأراضي الليبية، لكن مسؤولين في الجيش الأمريكي تحدثوا عن أن المعلومات الاستخباراتية الأمريكية حول الأنشطة العسكرية الروسية تبدو غير واضحة، بسبب استخدام روسيا شركات حماية أمنية خاصة، أو قوات لا ترتدي الزي العسكري.

خلال عام 2016، أرسلت العديد من الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، قوات خاصة ومدربين ومستشارين عسكريين إلى ليبيا، كما أن الجيش الأمريكي نفذ غارات جوية لدعم القوات البرية التي كانت تقاتل تنظيم داعش في مدينة سيرت معقلها الأخير.

تحاول القيادة الروسية العودة إلى سابق دورها كأحد قطبي العالم، وتشارك في مفاوضات السلام في أفغانستان، وتدخلت عسكريا منذ أغسطس / آب 2015 في سوريا، وتلعب الدور الأساسي في رسم مستقبل البلد، وتقدم نفسها دولة قادرة على إخراج ليبيا من أزمتها الراهنة.

في ليبيا هناك ما يغري القوى الإقليمية والدولية بالتدخل لتحقيق مصالح متنوعة، الاقتصادية في مقدمتها بالنظر إلى الكم الهائل من الاحتياطيات النفطية، والأمنية الناجمة عن تواجد تنظيمات متشددةتشكل تهديدا أمنيا للدول الأوروبية المتشاطئة على البحر الأبيض المتوسط، قبالة السواحل الليبية.

وكذلك ما يتعلق بمخاوف الدول الأوروبية من تدفق موجات من المهاجرين غير الشرعيين إلى حدودها الجنوبية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إيطاليا في المقام الأول.

تطمح روسيا أن تكون من الدول الأكثر حظا في الفوز بعقود بيع الأسلحة للحكومة الليبية الجديدة، لتعزيز تسليح القوات الليبية التي تعتمد على السلاح الروسي بشكل أساسي منذ ما قبل سقوط نظام القذافي عام 2011.

تسعى فرنسا بشكل تدريجي متوازن للعب دور أكبر في ليبيا عبر التواصل مع قيادات الفصائل المسلحة والقيادات السياسية، لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة ، وحظيت المساعي الفرنسية بموافقة مجلس الأمن الدولي بالإجماع، غير أنه في ضوء الخلافات المستمرة بين الفرقاء الليبيين يبدو مستبعدا عقد الانتخابات في الموعد المحدد لها.

يمكن للانتخابات المقبلة التي أقرها لقاء باريس ـ أيا كان تاريخ عقدها ـ أن تساهم في خلق حكومة ائتلافية يلتقي فيها جميع أطراف الصراع الداخلي، في سياق مصالحة سياسية شاملة بين الأطراف المتنازعة، لتحقيق ما يكفي من الاستقرار الأمني اللازم لتأمين الاستثمارات الاقتصادية الخارجية، وإعادة تأهيل الجيش الليبي وتسليحه، إذا نجحت روسيا في إقناع مجلس الأمن الدولي بإنهاء الحظر على توريد السلاح إلى ليبيا بعد الانتخابات، للفوز بعقود التسليح للجيش الذي يعتمد بشكل كبير على التسليح الروسي.

تخلت الولايات المتحدة عن جهودها في التدخل المباشر في الملف الليبي، كما أن دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء إيطاليا، لا تهتم كثيرا بتواجد عسكري مؤثر في ليبيا، فيما تكرس جهودها لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين من الدول الإفريقية إلى أوروبا عبر السواحل الليبية.

من المهم لدول الاتحاد الأوروبي خفض مستوى تدفق المهاجرين غير الشرعيين من السواحل الليبية إلى شواطئ الدول الأوروبية على الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط.

في مارس / آذار 2018، أشارت تقارير لمنظمات دولية إلى أن هناك 180 ألف نازح في الداخل الليبي، ونحو 660 ألف مهاجر من دول إفريقية وعربية يقيمون في مخيمات مؤقتة على الأراضي الليبية، كمحطة انطلاق للهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وتسعى روسيا إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال طرح نفسها قوة فاعلة في تسوية الأزمات الإقليمية، وتأمل أن تلعب هذا الدور في ليبيا مع شكوك واسعة بقدرة حليفها اللواء خليفة حفتر بالسيطرة على كامل الأراضي الليبية، حيث سيتيح لها ذلك إن حدث السيطرة على عقود التسليح وعقود إعادة إعمار البنية التحتية في المرحلة التي تعقب تشكيل حكومة منتخبة لأول مرة وفق مخرجات لقاء باريس.

وتتطلع روسيا من خلال مشاركتها المجتمع الدولي في عملية إحلال السلام في ليبيا، أن تعمل على تولية اللواء خليفة حفتر، أو شخصية مقربة منه، منصب وزير الدفاع في الحكومة الائتلافية المنتظرة بعد الانتخابات، وهو الحليف الأقرب لها، كما أنه، أي حفتر، حليف مشترك لكل من مصر والإمارات اللتين ستشجعان زيادة رقعة النفوذ السياسي والعسكري الروسي في ليبيا، لتعويض الغياب الأمريكي عن ليبيا.

_______________