Minbar Libya

بقلم مروان المعشر

الحلول المستدامة لمطالب المحتجين سوف تستوجب عقدا اجتماعيا جديدا، وليس إصلاحات رمزية ضربت عاصفتان شديدتان العالم العربي في العقد الماضي.

ففي سنة 2011، وخلال ما كان يسمى في بادئ الأمر بالربيع العربي، أدت الانتفاضات الشعبية إلى استبداد الحكام في جميع أنحاء المنطقة. كما تراجعت الآمال في أن تعلن هذه الحركات الاحتجاجية السلمية عن عصر جديد من الديمقراطية في الشرق الأوسط.

وباستثناء تونس، انتهى الأمر في البلدان التي شهدت الربيع العربي باندلاع اضطرابات أو حروب أهلية مميتة.

الجزء الثالث

هل قدمت الأحداث في سنة 2011 لنا دروسا؟

الإجابة عن هذا السؤال هي لا. فالنموذج الأردني بشكل خاص، يشير إلى أن تواصل التقشف الاقتصادي، الذي ترافقه معدلات بطالة في صفوف الشباب تفوق 30 بالمائة، من المرجح أن يدفع بالجيل الجديد إلى طلب المزيد من التمثيل السياسي. وهذه المطالب يمكن أن تتضمن إنشاء برلمان منتخب، قد يكون الأول من نوعه في تاريخ السعودية.

ليست المملكة السعودية الدولة الخليجية الوحيدة التي تواجه تحدي انخفاض أسعار النفط، ذلك أن الكويت، التي يوجد فيها برلمان منتخب، واجهت تراجعا في عائداتها النفطية بحوالي 15 مليار دولار في سنتي 2014 و2015. وتماما كما في الحالة السعودية، فإن الكويت اعتمدت في البداية على احتياطاتها المالية الضخمة (تقدر بأكثر من 600 مليار دولار)، ولكنها الآن بدأت بإقرار تخفيضات في برامج الدعم، ووضعت مخططا متوسط المدى لإصلاحات اقتصادية سوف تبدأ بتحريك عجلة الاقتصاد الكويتي بعيدا عن التبعية للنفط. كما أن عمان أيضا تفاعلت بنفس الطريقة مع انخفاض أسعار النفط: من خلال خفض الدعم الحكومي، وخفض امتيازات موظفي القطاع العام، وزيادة الضرائب.

الاستقرار الهش

في الأردن، خلق تراجع المساعدات المالية من الدول المجاورة المنتجة للنفط، وانخفاض العائدات الضريبية، تحديا جديدا واجهته الحكومة لمواصلة تمويل نظام الاقتصاد الريعي. ورغم أن الأردن يحكمها نظام ملكي يحظى بالقبول لدى المجتمع كسلطة شرعية، فإن الموجات الأخيرة من الاحتجاجات تشير إلى أن هذا النظام بات أكثر هشاشة مما يعتقده كثيرون. إذ أن الملك كان في السابق يواجه مطالب الإصلاح من خلال وضع إجراءات خصوصية لاستعادة الاستقرار في الشارع، إلا أن ذلك لم يكن أبدا يفضي إلى اقتسام حقيقي للسلطة مع السلطتين التشريعية والقضائية.

كانت هذه الإجراءات الخصوصية تعتمد على مساعدات مالية سخية من دول الخليج (وقوى أخرى من بينها الولايات المتحدة)، وهو ما سمح للحكومة الأردنية بالمحافظة على نظامها الاقتصادي والاجتماعي غير الفعال والقائم على الولاءات. فقد استخدمت الحكومة الأموال من أجل شراء دعم النخب وتمويل بيروقراطية ثقيلة في نظام يفضل الولاء على الكفاءة.

وفي سنتي 2011 و2012، اندلعت مظاهرات واسعة النطاق في كل أنحاء الأردن، كردة فعل على الصعوبات الاقتصادية والسياسية، إلا أن حدتها سرعان ما تلاشت بعد أن أعلن الملك عبد الله عن سلسلة من الإصلاحات السياسية، وأدت التطورات في الشرق الأوسط إلى صرف اهتمام الرأي العام نحو قضايا أخرى.

الأردن واقعة بين فكي أزمة اقتصادية تتطور بشكل بطيء، سببها الارتفاع الكبير في الدين العام، الذي يبلغ الآن 95 بالمائة من الناتج القومي الخام، إلى جانب ضعف النمو الاقتصادي الذي يناهز الآن 2 بالمائة، وارتفاع معدلات البطالة التي تبلغ 18.5 بالمائة، وتصل لدى فئة الشباب إلى أكثر من 30 بالمائة

مع ذلك، كانت قرارات الملك عبد الله، ومن بينها إقالة رئيس الوزراء، وإصلاح الدستور، وتغيير الحكومة في 3 مناسبات خلال 18 شهرا، كلها حلولا سريعة تهدف إلى تهدئة المتظاهرين، وليس تنفيذ إصلاحات جادة ودائمة.

وبحلول سنة 2016، أصبحت النخبة السياسية في الأردن واثقة جدا من أنها عبرت بسلام فترة الثورات العربية دون أضرار تذكر، حتى أنها تمكنت من تحوير الدستور لمنح الملك صلاحيات إضافية، ومزيد تدعيم قبضة السلطة التنفيذية على الحكم.

كان هذا الاستقرار الظاهري يخفي مشاكل أعمق، إذ أن الأردن واقعة بين فكي أزمة اقتصادية تتطور بشكل بطيء، سببها الارتفاع الكبير في الدين العام، الذي يبلغ الآن 95 بالمائة من الناتج القومي الخام، إلى جانب ضعف النمو الاقتصادي الذي يناهز الآن 2 بالمائة، وارتفاع معدلات البطالة التي تبلغ 18.5 بالمائة، وتصل لدى فئة الشباب إلى أكثر من 30 بالمائة.

كما أن الانخفاض الحاد في الدعم المالي من الدول النفطية، كان يعني أن البلاد لن يكون بمقدورها الاعتماد على المساعدات للسيطرة على حجم ديونها وتمويل عجز الموازنة.

قدمت المملكة السعودية، التي ترأست مبادرة خليجية، للأردن 5 مليار دولار بعد مظاهرات 2011، قررت تجميد مساعداتها للأردن لمدة ثلاث سنوات بداية من 2015. (بعد المظاهرات الأخيرة أعلنت الكويت والسعودية والإمارات عن حزمة مساعدات جديدة للأردن قيمتها 2.5 مليار دولار، أغلبها في شكل ضمانات لدفع ديون البلاد، ولكنها تبقى غير كافية لتعويض المساعدات التي تم تجميدها).

وقد تعاملت الحكومات الأردنية المتعاقبة مع هذه التحديات على أنها مشاكل تقنية بحتة. ولكن في الشارع ارتفعت وتيرة المطالبات بما هو أكثر من الحاجة لتغيرات اقتصادية.

في آيار/ مايو 2018، اندلعت احتجاجات في أنحاء الأردن، وخاصة في الأحياء الميسورة في غرب عمان، يقودها المنتمون للطبقة الوسطى (الإسلاميون الذين تصدروا المظاهرات في 2011 و2012 كانوا غائبين هذه المرة بشكل واضح).

وإلى جانب الدعوة لسحب قانون الضريبة على الدخل المثير للجدل، طالب المتظاهرون بحل البرلمان وتغيير الحكومة. وكان من الواضح أن الحلول السريعة التي نفذها الملك عبد الله في 2011 و2012 فشلت في معالجة جذور عدم الاستقرار: إنه بدون الموارد اللازمة لمواصلة تمويل نظام شراء الولاءات، ينهار العقد الاجتماعي في الأردن. والحلول المستدامة لمطالب المحتجين سوف تستوجب عقدا اجتماعيا جديدا، وليس إصلاحات رمزية.

كانت الرسالة القادمة من الشوارع العربية قد فشل في التقاطها زعماء المنطقة في 2011، والسبب وراء ذلك يعزى في جزء منه إلى فشل المظاهرات في خلق جهود حقيقية لبناء مؤسسات جديدة (باستثناء تونس)،

كما أن مصر تتواصل معاناتها من الآثار الاقتصادية لثورتها، والانخفاض في المساعدات الضخمة التي كانت تحصل عليها من المملكة السعودية والإمارات. ففي سنة 2016، بعد عامين على انخفاض الدعم الخليجي، قامت مصر بتعويم عملتها واستنجدت بقرض من صندوق النقد الدولي قيمته 12 مليار دولار، للمساعدة على استعادة استقرارها الاقتصادي.

الاستثناء الوحيد اللافت في الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط هو تونس. إذ أنه بعد ثورة سنة 2011، ربما لم تنجح تونس في حل مشاكلها السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أن قادتها فهموا الحاجة لعقد اجتماعي جديد.

وعلى مدى ثلاث سنوات صعبة، تفاوض أعضاء المجلس التأسيسي المنتخب وتوصلوا في النهاية إلى الاتفاق على دستور جديد، تضمن مبادئ التداول السلمي على السلطة، ومنح النساء حقوقهن الكاملة تقريبا، وأكد على الالتزام بالحقوق الجماعية والفردية لكل مكونات المجتمع التونسي. ولا يمكن في أي حال من الأحوال اعتبار أن تونس تجاوزت المرحلة الصعبة، إلا أنها قطعت خطوات ثابتة نحو مستقبل مليء بالاستقرار والازدهار.

عقد اجتماعي جديد

إذا كانت الرسالة القادمة من الشوارع العربية قد فشل في التقاطها زعماء المنطقة في 2011، والسبب وراء ذلك يعزى في جزء منه إلى فشل المظاهرات في خلق جهود حقيقية لبناء مؤسسات جديدة (باستثناء تونس)، فإن نهاية عهد الاقتصاد الريعي اليوم تمنح الحكومات في الشرق الأوسط فرصة جديدة للاستماع لمطالب الشارع، إذ أن الإصلاحات الاقتصادية يجب أن تترافق مع إصلاحات سياسية، تمنح الشعب صوتا حقيقيا في إدارة شؤون بلاده.

من المؤكد أن الانتقال نحو اقتصاد أكثر فاعلية سيكون أمرا بطيئا ومحفوفا بالصعوبات، وسيواجه العديد من الانتكاسات والعراقيل من القوى التي كانت مستفيدة من الوضع القائم.

إذ أن أنظمة ريعية كانت قائمة منذ عقود طويلة، تمكنت من خلق شبكات مصالح راسخة، لا رغبة لها في السماح بإقامة أنظمة جديدة مبنية على الكفاءة، يمكنها أن تسرق منها امتيازاتها المالية.

من أجل خفض نسب البطالة والصعوبات المعيشية، فإن الانتقال للاقتصاد القائم على القطاع الخاص يجب أن يتضمن تغييرات كبيرة في الأنظمة التعليمية والصحية

لذلك، ستكون هنالك حاجة لإرادة سياسية في أعلى هرم السلطة، لتنفيذ إجراءات تدريجية وجادة وتشاركية، تحظى بثقة الرأي العام. هذه الإصلاحات الضرورية سوف ترافقها فترة من الصعوبات المادية. والمواطنون في الشرق الأوسط سوف يقبلون بتقديم تضحيات قصيرة المدى، في سبيل التغييرات طويلة المدى التي هم في أمس الحاجة إليها، ولكن هذا الأمر مشروط بإشراكهم في هذا المسار، الذي يجب أن تشرف عليه قيادة تحظى بثقتهم.

يجب على الحكومات في الشرق الأوسط الشروع في هذا المسار من خلال القيام بالمزيد من الجهود لتمكين المرأة. إذ أن نسبة مشاركة النساء ضمن قوى العمل في المنطقة هي من الأضعف في العالم (32 بالمائة، مقارنة بالمعدل العالمي وهو 58 بالمائة، بحسب تقرير البنك الدولي في 2009). كما يجب على الحكومات تحقيق استفادة أفضل من التكنولوجيا لزيادة الانتاجية، وتركيز جهودها نحو اقتصاد قائم على المعرفة.

ويجب عليها أن تسارع بتنويع مصادر دخلها، بعيدا عن التبعية للنفط، وذلك من خلال تدعيم القطاع الخاص وتشجيع الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. كما يجب على هذه الحكومات فرض علوية القانون وثقافة المساواة بين كل المواطنين، وهو ما سيساعد على ازدهار روح الابتكار. هذا سيتطلب أيضا وضع حد للتمييز القانوني ضد المرأة والأقليات.

تجدر الإشارة إلى أن الحكومات في المنطقة لا يمكن أن تواصل لعب دور المشغّل الأول لليد العاملة في دول الشرق الأوسط. إذ أن وضع الأطر القانونية والتشريعات المالية اللازمة لتنشيط القطاع الخاص، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، سوف يساعد على نمو الشركات وتعويضها لوظائف القطاع العام. بالطبع فإن القول أسهل من الفعل، إذ أن النظم التعليمية، والخدمات الصحية الضعيفة، تركت أجزاء كبيرة من الشعوب في أغلب دول الشرق الأوسط غير مؤهل للعمل في القطاع الخاص.

من أجل خفض نسب البطالة والصعوبات المعيشية، فإن الانتقال للاقتصاد القائم على القطاع الخاص يجب أن يتضمن تغييرات كبيرة في الأنظمة التعليمية والصحية. وبشكل خاص، فإن المدارس والجامعات يجب أن تنتقل من التلقين التقليدي للحقائق المطلقة، نحو تشجيع الفكر النقدي والابتكار وقبول وجهات النظر المتباينة.

وحتى لو شرعت الحكومات في هذه الإجراءات الآن، فإن هذه التغييرات سوف تحتاج لجيل أو جيلين لتحقق التأثيرات المرجوة. ولكن لابد أن انتفاضات سنة 2011، علمت قادة دول الشرق الأوسط أنهم لا يمتلكون وقتا كثيرا، ويجب عليهم أن يتخذوا إجراءات اقتصادية مؤلمة الآن، لتجنب مزيد تفاقم المعاناة في المستقبل.

سواء كان هؤلاء القادة مقتنعين بهذا الأمر أم لا، فإن موافقة الشعب ستكون عاملا حاسما في نجاح الانتقال من الاقتصادات الريعية نحو الأنظمة الإنتاجية. سيكون على المواطنين والقادة الاتفاق على عقد اجتماعي جديد. وهذه المرة، عوضا عن قيام الحكومات بفرض عقود بشكل فوقي، فإن المجتمعات المتنوعة عرقيا وثقافيا ودينيا في دول الشرق الأوسط، يجب السماح لها بالتحاور حول هذه العقود من القاعدة نحو القمة.

وضع هذا العقد الاجتماعي الجديد سيتطلب قادة من ذوي الرؤية المستقبلية، والذين لديهم النية للوقوف في وجه نخب بلدانهم، والذين يفهمون أن أفضل طريقة للحفاظ على السلطة هي تقاسمها مع الآخرين، والذين يمكنهم إقناع الشعب بأنهم قادرون على قيادته نحو مستقبل أفضل.

للأسف لا يوجد قادة كثيرون من هذه الطينة اليوم (وجودهم نادر في كل مكان وليس فقط في الشرق الأوسط)، إلا أن الحكومات في الشرق الأوسط ليس لديها خيار آخر، وإذا واصلت تجاهل الحاجة للتغيير، فأن الخراب القادم سوف يحقق التغيير بنفسه.

***

مروان المعشر ـ شغل منصب وزير الخارجية ونائب رئيس وزراء الأردن، وهو نائب رئيس قسم الدراسات في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي

***

المقال الأصلي باللغة الإنجليزية نشر بموقع فورين أفيرز (ترجمة نون بوست)

___________