Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

قبل انعقاد المؤتمر رفيع المستوى في مدينة “باليرمو” الإيطالية، وصل اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى موسكو.

وكان ذلك أمرا لافتا للأنظار، ورغم أنها هُمشت إعلاميا نتاج تسارع الأحداث وغلبة طبيعة اخبار الاستعداد للمؤتمر الدولي وتسارعها وفي وقت لاحق ركزت وسائل الاعلام والفاعلين المحليين والاقليميين والدوليين على أشغال المؤتمر وتفاصيله ثم مخرجاته،

فما هي خفايا تلك الزيارة وأسبابها الحقيقية واي ترتبات ممكنة لها في ظل مخرجات باليرمو؟،

وما علاقة الزيارة بتكتيكات اللواء المتقاعد التي طالما اعتمدها خلال السنتين الأخيريتين…

وأهمية السؤال حول أسباب الزيارة وخلفياتها وحيثياتها،  تنبني على تواتر معطيات وأحاديث بما في ذلك كواليس “باليرمو” عن تعاظم طموحات روسية بل وفي وجود استراتيجيا روسية متكاملة  للمنطقة المغاربية وأساسا في كل من ليبيا والجزائر نتاج عوامل لوجستية وتاريخية وعسكرية واقتصادية.

ويضاف الى ذلك تراوح مستقبل حفتر بين الاندثار وانتهاء الصلوحية حسب بعض المطلعين  في ما يؤكد البعض الآخر أن كل الاحداث منذ 2015 مدارها العملي هو ترتيب الوضع له أو لغيره لبسط النموذج المصري (سيسي ليبيا) أو إعادة انتاج جديدة لنظام القذافي (القذافي2) ولكن عبر مراحل وبأساليب ناعمة.

أسباب عدم تسليط الأضواء على الزيارة وخلفياتها وحيثياتها

لم يهتم الفاعلون والاعلاميون بزيارة أحد أهم العسكريين المُثيرين للجدل في الصراع الليبي المتفاقم منذ منصف 2014، لموسكو قبل أيام خمس فقط من مؤتمر دولي غير عادي حول ليبيا، ويعود ذلك لعوامل أساسية من بينها:

أ حدث ارتباك كبير لدى الايطاليين الذين تغيرت رؤيتهم وترتيباتهم وأجنداتهم للمؤتمر الدولي ووجدوا أنفسهم في مازق نتاج تهديدات الاماراتيين والمصريين وحفتر وخلافاتهم الداخلية وأساسا بين حزبي الائتلاف الحاكم وخاصة تضارب رؤية الحزبين حول العلاقة مع الفرنسيين.

وبالتالي فإن الايطاليين لم يهتموا بالزيارة رغم انهم علموا بها وانتبهوا لمتابعة غرضيتها..

ببدأ الامريكيون في الخفاء والعلن، مُصرين على تنفيذ تطبيق الخطة ب لويليماز وبالتالي تم اعتبار “باليرمو” مجرد محطة وضعوا من خلالها الايطاليين في الواجهة ، حتى أن المؤتمر الجامع في بديات 2019 بالنسبة اليهم مجرد عملية اضفاء شرعية على رغبات وخطوات تلميذة “رامسفيلد” (أي وليامز) وصولا لهدفهم الأخير وهو الاستقرار في ليبيا للتفرغ لملفات الشرق الأوسط التي بنوا استراتيجياتهم على تفاقمهم بحدة خلال الأشهر والسنوات القادمة إن لم يكن خلال أسابيع.

وبناء على ذلك ليس هناك من يعرف حفتر أكثر من الأمريكيين وهم يعرفون جيدا هوامش تحركاته ومراميه ومدى صلوحيته السياسية المستقبلية من عدمها ضمن كل السيناريوهات الواردة خلال الأشهر والسنوات القادمة في ليبيا.

ذلك أن حفتر أقام طوال 20 سنة على بعد 500 متر من أهم مقار أهم مؤسسات الدولة العميقة الأمريكية في فرجينيا، ويعلم كل المتابعين أن الأمريكيين عبروا سنة 2016 عن انزعاجهم من علاقته بالروس، بينما لم يهتموا بهذه الزيارة فلماذا يا ترى؟.

  وان كانت أقرب لإيطاليا وتتراوح أدوارها وظائفها بين القرب من الفرنسيين والأمريكيين واللامبالاة وبالتالي فزيارة حفتر لروسيا مسألة لا تعني تلك الدول بشكل مباشر وليست أولوية في اهتماماتهم حيث يعطون أولوية للتعامل مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس…

ث بدا المحور القطري التركي مثقلا بتركيزه خلال المرحلة الماضية على قضايا البلدين الداخلين ومتابعة نجاح إفشال ما تبقى من ترتبات المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016 بالنسبة لتركيا و تفكيك منهجي للحصار الخليجي المتهاوي بالنسبة للقطريين، مع ملاحظة أن الاتراك سارعوا لترتيبات تقييمية غداة عودة وفدهم من باليرمو إضافة لعدم التجديد للسفير الحالي المنتظر نقلته للرباط.

ومن المنتظر أن يبحث البلدان عن دور قوي ومباشر مستقبلا وسرعة نسخ الاستراتيجية السابقة لهم في ليبيا عبر دعم حل سياسي في ليبيا وفي حد أدنى حل يتم فيه احتواء حفتر وإعطاء دور هامشي وليس رئيسيا له.

ج الإماراتيون والمصريون بدوا مضطربين بين الإذعان للرسائل التي وصلتهم بترك أساليبهم السابقة تجاه الملف الليبي وعدم إعاقة “سلامة” و”وليامز” في مسارهما، وبين الإصرار على اللعب على الهوامش ولكنهم بدوا حذرين نتاج وصول معطيات لديهم انه لابد لهم من تغيير استراتيجية تعاملهم مع الملف الليبي أي عمليا التخلي الفعلي على دعم معسكر الكرامة بقيادة حفتر، وان كان ذلك نافذ عمليا من حيث الرسائل والتنبيهات.

فلماذا قام حفتر والمصريين والاماراتيين بخطوات في المؤتمر على غرار المطالبة بعدم حضور تركيا اجتماع دول المتوسط؟

ولماذا انسحب السيسي وحفتر من جلسات نقاشات توحيد المؤسسة العسكرية خلال اليوم الثاني من المؤتمر؟

ولماذا تحركت الماكينات الإعلامية المصرية والاماراتية بتلك القوة قبل وأثناء وبعد “باليرمو” رغم تراجع وتيرة الدعم اللوجستي والمادي لحفتر ومعسكره كميا وكيفيا، وماهي علاقتهم بالزيارة وتفاصيلها؟

السياسة الروسية تجاه الملف الليبي وزيارة حفتر

تنتهج روسيا سياسة غير واضحة في ليبيا، ولا تعتبر رسميا حفتر اللاعب الرئيسي على الساحة السياسية الليبية، لكن حفتر نفسه يرغب في إظهار عكس ذلك للغرب وخاصة خلال هذه الزيارة إلى موسكو التي سبقت المؤتمر الدولي، حتى أن المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أكد بوضوح “لن يلتقي فلاديمير بوتين بخليفة حفتر، هذا غير مدرج في جدول أعمال الرئيس الروسي”، وهي رسالة أكثر من واضحة.

وقد نقلت الصحف الروسية عن مصادر تابعة لوزارة الدفاع الروسية، أن حفتر وصل إلى موسكو وأجرى محادثات مع وزير الدفاع الروسي “سيرغي شويغو”، وخلال الاجتماع، ناقش الجانبان القضايا الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب الدولي وحل الأزمة في الأراضي الليبية”…

وباعتبار أن حفتر قد سبق له أن التقى عدة مرات بقادة روس وكانت إحدى هذه اللقاءات على متن حاملة الطائرات “الأميرال كوزنيتسوف.”، فان الزيارة بدت استعراضية ولم تكن مبرمجة كما أكدته مصادر اعلامية مختلفة، فانه لابد من التذكير أن حكاية اللقاء على الباخرة في عرض المتوسط سنة 2016 كانت عملا استعراضيا رتبت له وتوسطت فيه أطراف إقليمية معروفة يهمها يومها ابراز حليفها الرئيسي في ليبيا وأنه – أي حفترذو حظوة دولية.

روسيا ومؤتمر باليرمو وحفتر موقعه العسكري والسياسي

دُعي إلى مؤتمر باليرمو كبار المسؤولين الروس بمن فيهم الرئيس “فلاديمير بوتين”، وبناء على ما ذكر آنفا، تعمد خليفة حفتر أن تكون زيارته إلى موسكو بالتزامن مع توقيت المؤتمر الدولي، حتى أنه نقل عن الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، “كيريل سيمينوف”، تأكيده في تصريحات لصحف روسية “يتمثل الهدف من هذه الزيارة التي تسبق مؤتمر باليرمو، في التأثير على موسكو لدفع الكرملين لاتخاذ موقف يخدم مصالح حفتر”.

بل أن الخبير الروسي أضاف أن حفتر “يرغب في التظاهر بأنه حليف رئيسي لموسكو  ولكن عمليا لم تتم مناقشة أي جديد يُذكر على أرض الواقع، فقد تطرق ممثلو موسكو في لقاءاتهم السابقة مع حفتر إلى كل المسائل المهمة…”

وخلال شهر أكتوبر الماضي أعلن المتحدث باسم الكرملين أن زيارة بوتين إلى باليرمو غير مؤكدة، ليعود ويؤكد في الثامن من نوفمبر الحالي (اليوم الثاني لزيارة حغتر لموسكو)، أن بوتين لن يذهب إلى إيطاليا وهنا يصح التساؤل هل هي المصادفة أن يتم الإعلان بالتوازي مع زيارة حفتر وذلك يؤدي الى سؤال ثان وهو: هل ذلك تفاعل مع حفتر أو أنه إمعان في الابتعاد عنه، مع أن الاحتمال الثاني أقرب خاصة أن بوتين رفض برمجة لقاء معه يومها خاصة وان صحف وخبراء روس أكدوا في تحليلاتهم وقراءاتهم أن روسيا تعتبر حفتر رقما من الأرقام ولكنه ليس الرقم الأهم.

وهنا وجب التذكير أن الروس قد استقبلوا أحمد معيتيق ومسؤولين ليبيين آخرين وقابلوا وفدا في مصراتة منذ أكثر من سنة، كما يؤكدون في التصريحات الرسمية انهم يدعمون حكومة الوفاق المعترف بها دوليا….

حول مستقبل الحضور الروسي في الملف الليبي

بناء على ما سردناه أعلاه من معطيات وتصريحات، ليس من المرجح أن تتدخل روسيا بجدية في العمليات الجارية والمتعلقة بليبيا خلال الأسابيع والأشهر القادمة، وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير “سيمينوف” في تصريحات لصحف روسية قائلاً “على عكس سوريا، تعتبر ليبيا منطقة حيوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وإيطاليا. لهذا السبب، لن تخوض روسيا نزاعاً معهم، كما لن توافق على مد أي طرف بأي نوع من الأسلحة”، ولكن ذلك لا يعني انه ليس لديها استراتيجيا حضور مستقبلي في ليبيا وخاصة فيما يتعلق بالطاقة.

ورغم أن كل المتابعين والمحللين الروس ينطلقون في قراءتهم للمواقف الرسمية الروسية أن حفتر “لا يملك أي وضع أو صفة رسمية في البلاد، عدا صفته كقائد عسكري” (يمكن مراجعة دراسات مراكز بحوث روسية وتحليلات كبرى الصحف الروسية على غرار)، ولكن الخبير الروسي “سيمينوف” يؤكد أنه “ليس من المستبعد أن يحظى حفتر بدعم بعض القيادات في الكرملين…”

وبالتأكيد فانه مهم لروسيا أن تُظهر استعدادها للمفاوضات مع جميع أطراف النزاع في ليبيا، وبالتالي فإن حفتر مُرحب به في موسكو بناء على تلك الخلفية إضافة الى ان الخبير الروسي يوضح في نفس التصريح المشير اليه أعلاه أن حفتر “يقدم نفسه في صورة المُحارب للإرهاب، وبالتأكيد، تعد مسألة مكافحة الإرهاب مهمة بالنسبة للكرملين….”

وقد دار حديث في كواليس “باليرمو” عن استراتيجيا مستقبلية روسية خاصة بالمنطقة الافريقية مع التركيز على ليبيا والجزائر تحديدا، الا أن الحضور الروسي المستقبلي في ليبيا ليس موضوعا بسيطا فهو يتراوح بين الممكن السهل والمستحيل نتاج عوامل تاريخية وإرث قديم في المنطقة بكاملها ففي عهد الاتحاد السوفياتي وقوته الضاربة صعب عليه سنة 1951 التموقع في ليبيا يومها مثلما فعل الايطاليون والأنجليز والفرنسيون.

والخلاصة أن عودة روسيا من حيث الحضور الاستراتيجي واستعادة جزء من رصيد الاتحاد السوفياتي عالميا أمر مرتبط بالقدرة على التماهي مع التطورات والمتغيرات خلال الأشهر والسنوات القادمة، أما راهنا فليبيا ليست سوريا وما سمح به الامريكيون والأوروبيون هناك لن يسمحوا به في شمال افريقيا نتاج عوامل متعددة في علاقة بالطاقة والنفط ونتاج رؤية استراتيجية للأمريكيين لكل المنطقة المتوسطية والشرق أوسطية…

وهنا لابد من وضع الاعتبار واستحضار فكرة بعض أنصار القذافي السياسيين حول جلب الروس للساحة الليبية عبر الاستئناس بتجربتهم في سوريا وهي الخطة التي تم تقديمها لحفتر واقناعه بها وشرحها المسماري في اوت/اغسطس الماضي خلال تصريحات له اثناء زيارة له للقاهرة، وقد تكون هذه الفكرة مرتكز للزيارة وورقة نجاة لحفتر إزاء تخبطاته الداخلية  …

وعمليا كان الحضور الروسي في “باليرمو” قويا وبدا على الوفد الروسي التحفز والهدوء الحذر مما يعني توضح معالم سياسة مستقبلية ممهدة لاستراتيجيات قادمة لن تكون بالأكيد هي نفسها السياسة الروسية السابقة والمتبعة منذ 2014….

الزيارة و”باليرمو” ووضع حفتر في الجنوب والشرق الليبيين

قبل أيام من الزيارة نقلت بعض الصفحات الاجتماعية تدوينات تُؤكد أن وضع حفتر من حيث المساحات والتحالفات محليا وإقليميا ودوليا ومن حيث تموقعه والخيارات المطروحة أمامه، هو الأسوأ منذ 2014 وذلك للأسباب التالية:

أ فمن حيث الاستعداد للمؤتمر الدولي رجع حفتر بداية نوفمبر الحالي بعد زيارة لم تستغرق حتى نصف يوم لروما وتبين له، أن السراج والمشري سيرفضان حتما الجمع بين صفتي “القائد العام” و”القائد الأعلى” وان مستقبله في المشهد السياسي الليبي المستقبلي سيتكيف وفقا لشروط الآخرين وليس وفقا لشروطه التي طالما أملاها على المجلس النيابي وحكومة “الثني” المنتهية الصلوحية، وأن هوامش مناوراته السابقة في الصراع الليبي – الليبي انتهت كما أن مناورة حليفيه الإقليميين قد ضاقت، بل ولم يعد مسموحا بها وقد تضيق وفقا لتطورات الأوضاع الداخلية المصرية والامارتية ووفقا لتطورات مقتل خاشقجي بشكل دراماتيكي خلال الأيام القادمة…

بوضع الرجل في الشرق الليبي أصبح مربكا له بل أن حفتر في دوامة نتاج خلافاته مع الجميع وخاصة بعد ظهور صراعاته مع عقيلة صالح للعلن بل أن الأمر تعدى لبعض النواب الذين تحول بعضهم الى منتقدين باستمرار لشخصه ولمواقفه ورؤيته وخاصة بعد فيديو صالح المسرب.

كما أنه وابناؤه وحاشيته الاستشارية والعسكرية قد ضيقوا على أنفسهم في علاقة ببعض القبائل خاصة بعد إيقاف “أحمد العريبي” ونجله، وبعد قصة ظهور الجثث الأربع أمام معمل الاسمنت، إضافة الى ترتبات إيقاف بعض العسكريين والمسؤولين منذ أسابيع وابتعاد “الناظوري” و”الجروشي” وقيادات سابقة عن الأضواء

بل أن هناك حديث ان بعضهم هو قيد الإقامة الجبرية، ومضاف الى كل ذلك توضح معالم شبه انقلاب المداخلة عليه أو على الأقل شق منهم عبر تأكيدهم على طاعة ولي الأمر في اشارة الى عقيلة صالح وعدد من المواقف لهم من بعض التطورات الأخيرة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين….

تانحسار خياراته في الجنوب الليبي، نتاج قدرة حكومة الوفاق الوطني على قطع بعض الخطوات اجتماعيا واداريا، ونتاج انه لم يستطع إقامة تحالفات موضوعية في الجنوب يستطيع من خلالها التموقع واكتساب حضور شعبي او قبائلي كبير وسقوط رهانات الشق المتبقي له من أنصار القذافي عليه….

وكل ذلك اضطر حفتر أن يبحث عن حلول عاجلة تخرجه من مأزقه الحالي فبحث عن مناورة جديدة عبر زيارة موسكو للضغط على المؤتمر الدولي والايطاليين ولكن هامش الكسب كان ضعيفا نتاج عدم دراسة تطور الموقف الروسي وعدم استقراء حنكتهم في مجاراة السياسيات الدولية وعدم التورط في ملفات متحركة ومرتبطة بمتغيرات عدة دوليا وإقليميا على غرار الملف الليبي.

________________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية