Minbar Libya

بقلم محمد هنيد

لا تمثل حادثة اغتيال المعارض السعودي جمال خاشقجي، رغم وحشيتها، حالة معزولة من حالات القمع الممنهج الذي تمارسه السلطة السياسية العربية منذ عقود طويلة.

لكنها نجحت في التحول إلى ظاهرة دولية وإلى كرة الثلج المتدحرجة التي توشك على الإطاحة بمنظومة سياسية كاملة في منطقة الخليج وفي جوارها الإقليمي

ولا شك أن ارتباط الجريمة بالسلطة السياسية الاستبدادية في السعودية ساهم بشكل كبير في هذا الزخم الذي عرفته الجريمة ولا تزال بشكل لن يكون ما بعدها مشابها لما قبلها

إن النظام السياسي العربي لا يزال يتحرك ضمن نفس القوانين والقواعد التي تأسس عليها في إنكار تام للمتغيرات الإجتماعية والحضارية التي تعرفها المنطقة سواء على مستوى وعي الشعوب أو على مستوى ردود أفعالها على هذه الممارسات القروسطية.

إن تواصل حالات القمع والتنكيل التي تمارسها الأنظمة العربية اليوم تمثل في نظرنا أحد أهم الأسباب التي ستسمح بتفعيل الموجات الثورية الثانية التي ستعمل على تحقيق المطالب التي رفعتها الجماهير خلال موجات الربيع العربي الأولى سنة 2011.

تجدد القمع

تعيش المنطقة اليوم على وقع عودة كبيرة لكل أشكال القمع المستفيدة من نشوب الحروب الأهلية والمعارك المسلحة والعمليات الإرهابية في أغلب النطاق المشمول بموجة التغيير. وهو قمع لا يقتصر على الحكومات العربية فقط بل يشارك فيه فاعلون أجانب على شكل شركات أمنية خاصة أو مرتزقة يوظفهم النظام العربي للقيام بعمليات نوعية كالاغتيالات والتعذيب والإشراف على المعتقلات السرية مثلما هو الحال في اليمن.

هناك تشرف الشركات الأمنية على ما يسمى بالعمليات القذرة كتصفية المعارضين واعتقال النشطاء وتعذيبهم بواسطة مرتزقة كولومبيين وأفارقة جلبتهم دولة الإمارات لغرض السيطرة على المواقع الاستراتيجية باليمن.

أما السجون والمعتقلات سواء في منطقة الخليج أو في مصر وليبيا وسوريا فقد تحولت إلى مقرات ثابتة للتنكيل بالخصوم السياسيين والمعارضين وحتى المنتقدين لأتفه الأسباب ولو كان السبب متمثلا في تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا الوضع المخيف يمثل أوج مرحلة القمع التي تعرفها المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة ولا تضاهيها قمعا إلا فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عندما عمل النظام القمعي العربي على تصفية خصومه من الإسلاميين واليساريين في السجون والمعتقلات السرية.

تستغل السلطة السياسية كل الذرائع والأسباب من أجل التشريع للممارسة القمعية سواء بحجة الحفاظ على الدولة والمؤسسات التي تهيمن عليها أو تحت غطاء الحرب على الإرهاب بما يتناسق مع مشاريع القوى الدولية المتمددة في المنطقة.

آثار القمع وتداعياته

لا شك أن من أهم دوافع وأساب الثورات الشعبية التي عرفتها المنطقة إنما تتمثل في التمرد والرفض المعلن لممارسات السلطة السياسية القمعية القائمة على سلب الحريات والتنكيل بالرأي المعارض.

إن استقراء الشعارات التي رفعها الثوار في كافة الحواضر والساحات والميادين يؤكد على أنها كانت للتنديد بالقمع ورفض الظلم والمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية للفرد والمجموعة.

لقد كانت ممارسات النظام الاستبدادية محرك الثورات ووقودها، حيث تحول الوعي بالظلم إلى المطالبة بإسقاط النظام وفرض التغيير السياسي بالقوة السلمية لملايين المتظاهرين.

لكن ردّ فعل النظام لم يتأخر طويلا، فقد قابل مطالب المتظاهرين بالرصاص والقتل والتنكيل الذي وصل إلى مرحلة إحراق المتظاهرين في الشوارع في مصر وإلى استعمال الغازات والأسلحة الكيمائية ضد المدنيين والأطفال في سوريا.

استعمل النظام نفس الذرائع القديمة من محاربة الإرهاب والحفاظ على الدولة والمؤامرة الخارجية وغيرها من السرديات القديمة التي يلجأ إليها لتبرير حالة القمع الممنهج والقتل المنظم.

بناء على ما تقدم فإن السلطة السياسية العربية لم تكتف بالإبقاء على شروط الاحتجاجات والثورات قائمة بل زادت من تعميقها وغذتها بممارسات جديدة تفوق سابقاتها وحشية ودموية. بل إن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي اليوم جعل هذه الممارسات مفضوحة للعلن ولم تعد كما كانت من قبل حبيسة زنازين التعذيب وأقبية التحقيق والمعتقلات السرية.

إن هذا الوضع الجديد يمثل قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أي حين متى توفر لها السياق المناسب وليست المؤشرات الإجتماعية الصادرة عن العواصم العربية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانحباس الأفق السياسي إلا دلائل دامغة على أن المسار الذي تتجه إليه المنطقة العربية لا يختلف عن المسار الذي عرفته نفس المنطقة خلال سنة 2011 التي عرفت أوج الثورات والاحتجاجات الشعبية.

فالأنظمة العربية التي فقدت اليوم كل شرعية سياسية وكل قدرة على التعاطي العقلاني مع المطالب الاجتماعية لشعوبها أصبحت مستعدة لارتكاب أفضع المجازر والحماقات من أجل البقاء في السلطة كما هو الحال اليوم في الخليج العربي أو في سوريا أو في مصر.

من جهة أخرى لن يكون النظام الدولي قادرا على حماية هذه الأنظمة إلى ما لا نهاية له بسبب عجزه عن مجابهة موجات الاحتجاجات الشعبية التي إن هي عمت وانتشرت وتمددت تصبح عصية على الاحتواء والمواجهة.

يعيش العالم العربي اليوم حالة غير مسبوقة من الإحتقان والترقب بعد وصول المسار السياسي والاجتماعي إلى طريق مسدود، وبعد عجز الفاعلين على الأرض عن تخفيف حالة الاحتقان بل وتورطهم في تأجيج حالة الغليان والغضب الشعبي المعمم.

هذا الوضع يجعل من احتمال تجدد الموجات الإحتجاجية أمرا محتملا بل يكاد يكون شديد الورود بسبب توفر كل الشروط الموضوعية لاندلاع موجات احتجاجية جديدة لن تكون هذه المرة كسابقاتها التي عرفتها المنطقة العربية منذ ما يقارب ثماني سنوات من الزمان.

_____________