Minbar Libya

بقلم علي عبد اللطيف اللافي

لا يختلف اثنان أن الصراعات المُتواصلة في ليبيا منذ منتصف 2014 وإن كانت بين أطراف وفرقاء ليبيين، فإنها في واقع الأمر واجهة عملية لحروب بالوكالة تخُوضها أطراف ومكونات وتشكيلات ليبية عبر الولاء المباشر وغير المباشر لأطراف إقليمية ودولية وهذه الأخيرة لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا.

الجزء الأول

إن كل ما يهم تلك القوى الدولية و أذرعها الإقليمية هو فقط ترسيخ حضورها الاستراتيجي واللوجستي المستقبلي في كل أرجاء القارة الإفريقية وان كان الهدف المرحلي، هو بسط النفوذ وتطويع الخيرات الباطنية في شمال افريقيا وبعض دول الساحل والصحراء الافريقية.

فكيف يمكن قراءة فعل وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبي أثناء وبعد المؤتمر الدولي في “باليرمو” والذي جرت اشغاله يومي 12 و13 نوفمبر الحالي؟

  ملاحظات أساسية ومنهجية

أغلب الأطراف الدولية سعت وتسعى للتأثير في مسارات الملف الليبي لأسباب متعددة ومختلفة بناء على مغانم الاستثمار وإعادة الاعمار المنتظرة في ليبيا إضافة الى ثروات غدامس وغيرها من المدن والأراضي الليبية وهي ثروات لا تُقدر بثمن وأهمية استراتيجية.

إضافة الى الموقع الجغرافي غير العادي والنادر لليبيا بناء على اطلالتها الاستراتيجية على البحر المتوسط وتماسها الجغرافي مع دول الساحل والصحراء وباعتبارها منفذا استراتيجيا للعمق الافريقي، وبغض النظر عن المواقف الدبلوماسية المعلنة فإنه لابد من التأكيد على الملاحظات التالية في كل مرة عند تحليل او محاولة فهم المواقف الدولية مما يجري في ليبيا من تطورات:

أ القوى الدولية التي لها هامش قرار غير مُرتبط بقوى دولية أخرى هي عمليا الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين بينما يُمكن تصنيف كل القوى الدولية الأخرى أنها على ارتباط فعلي واستراتيجي بالسياسات الامريكية، بينما تُحاول قوى دولية وإقليمية أخرى أن تكتسب هوامش في التحرك والتأثير وخاصة في الملف الليبي والبحث عن الخروج من جُبة الدور الوظيفي، كما تحاول دول إقليمية على غرار تركيا وإيران أن تكتسب أدوارا خارج الدور الوظيفي في ابراز واكتساب أدوار في عدد من الملفات من بينها الملف الليبي وهو أمر جلي وواضح في مرحلة ما بعد مايو2014.

ب في ليبيا بالذات لا يُمكن للألمان والايطاليين وحتى البريطانيين التصادم مع الخيارات الأمريكية أو حتى السباحة بعيدا عن تكتيكات الدولة العميقة الامريكية بغض النظر عن هوية وتركيبة الإدارة الامريكية (الديمقراطيين او الجمهوريين وأي من تياراتهم أو زعمائهم)، والتي هي في الحقيقة لا تُمثل سوى إعطاء النكهة للقرار والسياسات الامريكية ويعرف المختصين والمتابعين أن بعض الدول من بينها من ذكرنا أعلاه تلعب أدوارا رئيسية في ما ظهر للبعض أن الأمريكيين كانوا غير مهتمين بالملف الليبي في السنوات الأخيرة وخاصة قبل شهر يونيو/جوان الماضي كأولوية وخاصة بعد اغتيال السفير الأمريكي في 2012.

ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير حيث أن بعض الدول والقوى الاقليمية تخدم منهجيا وعمليا أدوارا بالوكالة للأمريكيين أو حتى لبعض الأجهزة الأمريكية والدفع نحو أجنداتها المرحلية والاستراتيجية، وأيضا بسبب أن الملف الليبي في عدد من جزئياته لم يكن بيد الخارجية الامريكية والرئاسة بل هو موكول لمؤسسات الدولة الامريكية العميقة على غرار الأجهزة المخابراتية ومؤسسات أخرى (جزء منه مسند للبنتاغون حسب بعض المتابعين).

ت أدوار ومواقف قوى إقليمية على غرار الجزائر والسودان والأردن غير متمركزة ضمن المحورين الاقليمين الرئيسيين (التركي القطري – الاماراتي السعودي المصري)، وهي تُدير سياساتها بهوامش مُعتبرة على بعض القوى الدولية ولكنها لا يُمكن لها استراتيجيا التصادم معها ويقع الضغط عليها بطُرق مختلفة فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وان كان النظام الأردني يلعب دورا وظيفيا منذ عقود بل منذ نشأته، فان الجزائر والسودان أدوارها غير وظيفية ولكنها لن تكون مستقبلا مصطدمة مع السياسيات الأمريكية في المنطقة وخاصة في العلاقة بالملف الليبي.

ث دول مجاورة ودول لها علاقات مباشرة وغير مباشرة بالملف الليبي على غرار تونس والمغرب وموريتانيا والسينغال والكونغو لم ولن يكون لها مستقبلا أي أدوار تأثيرية مباشرة نتاج العقل السياسي للديبلوماسية فيها، إضافة الى أنها لم تصطف بشكل مباشر ضمن المحورين الإقليميين ولكنها ستكون خادمة بشكل آلي للسياسات الأمريكية واقتربت قبل “باليرمو” من الايطاليين في الملف الليبي وان كان للبعض منها هوامش مصالح واللقاءات مع الفرنسيين ثقافيا واقتصاديا وحتى سياسيا ….

ج لا شك أن القارة السمراء ومنذ سنوات ان لم نقل منذ عُقود هي محور صراع بين دول عديدة فالحضور المتنامي للإيرانيين والصينيين والأتراك والامريكيين والروس لم يُلاق الارتياح من طرف القوى التقليدية أو التي استعمرت الدول الإفريقية على غرار فرنسا، ولعل ليبيا هي أكبر تجسدات ذلك الصراع وهناك صراع وتسابق فرنسي أمريكي غير معلن حول الحضور في ليبيا وخاصة بعد امتداد الحضور الفرنسي في الشرق الليبي وقدرتهم على الاحتواء المتدرج لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر بناء على تعامل عسكري وأمني ولوجستي في معاركه في كل من بنغازي ودرنة وحتى عند سيطرته على الحقول النفطية أواخر يونيو/جوان الماضي.

بل أن الأمريكيين لم يكونوا مرتاحين أبدا للحضور الفرنسي منذ ربيع 2017 وهناك نقاط استفهام حول سقوط المروحية الفرنسية يومذاك وتساؤل حول من أسقطها تحديدا كما أن مسارعة الأمريكيين الذين تفاعلوا بديبلوماسية مع الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي وأعادوه للإيطاليين بطرق ناعمة وهادئة وبروية.

إضافة الى أن ما قام به “الجضران” في بداية يونيو الماضي وانسحابه بطريقة شبه آمنة تدل على صراع أجهزة بين دول في الهلال النفطي الليبي وهو ما أثبتته الوقائع اللاحقة من مؤتمر روما (9 يوليو/جويلية الماضي) إلى وإعادة إدارة الحقول النفطية لطرابلس وحكومة الوفاق، ثم لقاء السراج بالسفراء السبع في أغسطس الماضي.

ح على غرار تفاعلهم مع التقدم الفرنسي في ليبيا عسكريا وسياسيا تفاعل الأمريكيين مع الحضور الروسي عسكريا وسياسيا بديبلوماسية والاعلان عن قلقهم الهادئ وخاصة عندما تطورت العلاقات بين حفتر والروس سنتي 2016 و2017 كما أنهم لم يرتاحوا لتفعيل طريق الحرير (الصينية)، في القارة الافريقية أو بتطور العلاقات التركية الافريقية.

كما أنهم بقوا رهين سياساتهم الاستراتيجية التي تؤكد على عدم التدخل المباشر في كل الساحات وخاصة بالتوازي وفتح الجبهات المتعددة وما يمكن تأكيده أنهم يقرؤون التطورات الكبيرة للحضور الإقليمي والدولي لعدد من القوى الأخرى بما فيهم حلفائهم الأوروبيين.

والخلاصة في هذه النقطة أن هناك توازن بين الحضور الأمريكي ومطامح قوى أخرى بنت استراتيجيتها منذ سنوات من أجل الحضور الفاعل في القارة الافريقية وما ليبيا الا مثال لذلك .

د لابد من التأكيد أن أي إدارة حاكمة لأي قوة دولية ليست وحدة متكاملة وأن هناك صراع بأشكال مختلفة بين أجهزة كل دولة لطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية والصراع بين اللوبيات وينعكس ذلك في فعل دبلوماسية أي دولة تجاه كل القضايا الدولية وفي التفاعل مع أي أزمة، وهو أمر جلي في تضارب المواقف تجاه تطورات الأزمة الليبية منذ 2014 وتعود أسباب ذلك الى تأثير اللوبيات في كل دولة إضافة الى تضارب مصالح شركات عابرة للقارات ولوبيات ومحافل عالمية وتأثيراتها من دولة الى أخرى وخاصة في مواضيع تتعلق بالغاز والنفط والمعادن الهامة والنادرة.

وبالتالي فإن الملف الليبي لم يكن يوما متفق عليه من حيث القرارات ودعم هذا الطرف أو ذاك او اتخاذ سياسيات معينة تجاهه وعلى سبيل الذكر فان هناك خيارين في وسط الإدارة الفرنسية في الصائفة الماضية حيث حبذ وزير الخارجية الحالي(وهو وزير دفاع أسبق) التمسك بحفتر كخيار مرحلي لحكم ليبيا ودعم عسكريين لحكم ليبيا أي استنساخ فعلي للنموذج المصري (سيسي ليبيا) أو انتاج “قذافي2” لحكم ليبيا مستقبلا .

بينما ترى أجهزة فرنسية أخرى وفقا لتحاليل الخبراء أنه وجب تفعيل الحل السياسي واجراء وفاق بين فرقاء الصراع.

الايطاليون وادارتهم المرنة والحذرة للملف الليبي أثناء وبعد باليرمو

1-  لم يرتح الايطاليون الى الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي منهم منذ منتصف 2017 وصولا الى مؤتمر باريس في 29 أيار/مايو الماضي فسارعوا عمليا ومنذ يونيو/جوان الماضي الى تبني خطاب أن الملف الليبي وادارته حق تاريخي وجيوسياسي لإيطاليا.

بل وسارع أهم الوزراء على غرار الدفاع والخارجية والسفير في طرابلس، الى القيام بلقاءات متعددة ومؤثرة وتعددت الزيارات المكوكية للعواصم العربية والى دول الجوار ولطرابلس وطبرق، وخاصة لوزيرة الدفاع ورئيس الوزراء وأصبح الملف الليبي بيد الايطاليين تفاوضيا فدخلوا مع المصريين في مفاوضات مستمرة دامت لمدة أسابيع رغم الخلافات حول عدد من النقاط الرئيسية وهي النقاط التي بقيت عالقة حتى مؤتمر “باليرمو”.

ومن خلال استقراء الفعل السياسي للإيطاليين يتبين أنهم يتبنون منطق إدامة امتلاك الملف ولعل تصريحات السفير الليبي لقناة “ليبيا روحها الوطن” في أغسطس الماضي تُؤكد أن الايطاليين وضعوا خارطة طريقة طويلة المدى وواضحة المعالم لإدارة الملف وخاصة في ظل إصرارهم المتواصل على رفض مخرجات اتفاق باريس اللوجستية بالذات من حيث تأجيل الانتخابات حتى إقرار دستور واجراء مصالحة فعلية تؤشر على ذلك وان ذلك تم بمباركة الأمريكيين وأغلب الدول الأوروبية ورضى متنام من طرف اغلب دول الخليج وبعض اركان النظام المصري والحكومة التونسية ومن طرف الجزائريين أيضا…

2- لا شك أنه قد حدث ارتباك كبير لدى الايطاليين الذين تغيرت رؤيتهم وترتيباتهم وأجنداتهم للمؤتمر الدولي ووجدوا أنفسهم في مازق نتاج عومل عدة من بينها:

 أ– خلافاتهم الداخلية: وهي خلافات تتركز أساسا بين حزبي الائتلاف الحاكم في ايطاليا وخاصة تضارب رؤية الحزبين في عدد من الملفات وفي العلاقات الخارجية على غرار تفاصيل وجزئيات العلاقة مع الفرنسيين…

ب– مواقف المحور المصري/الإماراتي/السعودي: وهي مواقف جد مُربكة قبل واثناء أشغال “باليرمو” وغلب عليها المناورة والمراوغة والمراوحة في إرسال تهديدات ضمنية بعدم الحضور أو منطق الارباك المباشر للمؤتمر الدولي وافراغه من محتواه التوافقي بين كل الأطراف وقد تم توظيف حفتر بشكل درامي قبل واثناء الاشغال وحتى بعد المؤتمر.

ونقل بعض الحاضرين بشكل حصري أنه عند مغادرة الوفد التركي قام ممثلو بلدين صحبة بعض أعضاء وقد أوروبي بحركات بالأيادي تعبر عن النصر، إضافة الى ما أتته الماكينات الإعلامية الامارتية والمصرية وبعض أجنحة الاعلام السعودي على غرار نشر ان كونتي انتقل قبل يوم واحد من المؤتمر الى الرجمة للتوسل وإقناع حفتر بالحضور، وهو طبعا أمر خال من الصحة ونفته السلطات الإيطالية بشدة .

تتكتيكات حفتر: عمليا مارس اللواء المتقاعد عددا من تكتيكاته المعتادة والمستنسخة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وخطاباته على غرار التصريح أنه لن يحضر أشغال المؤتمر خاصة وأن البعض (عبر الصفحات الاجتماعية) قد نقل عن مقربين أن حفتر قد غادر روما بعد أربع ساعات فقط من وصوله في أحد الأيام الأولى من الشهر الحالي نتاج طبيعة النقاشات ونتاج تحذيرات سياسية وصلت إليه في عدد من مواضيع المؤتمر، ومعلوم أنه زار روسيا يوم 07 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، ثم لوح بعدم الحضور ثم تحركت الماكينات الإعلامية الخاصة بحلفائه الإقليميين  لخدمته وتضخيم مواقفه وموقعه.

وفي الأخير حضر عشية اليوم الأول وعمد الى التصريح أنه لا علاقة له بالمؤتمر، ثم ليحضر الجلسة الرسمية ومع الوفود الدولية، ليغادر صحبة السيسي في اليوم الثاني اثناء جلسة نقاشات توحيد المؤسسة العسكرية مُصرا على انه لابد أن يجمع بين صفة القائد العام والأعلى قبل الانتخابات كما صرح المسماري انهم لا يعترفون في الكرامة بصفة القائد الأعلى، وهي “بهلونيات/تكتيكات” أربكت الايطاليين ولكنهم تعاملوا معها بحذر وذكاء نادر، وعمليا لم يهتم الإيطاليون بزيارة حفتر لموسكو قبل أربع  أيام من المؤتمر مع أنهم علموا بخفاياها وانتبهوا لمتابعة غرضيتها اللاحقة.

البقية في الجزء الثاني

***