Minbar Libya

 بقلم علي عبداللطيف اللافي

يمكن اختصار طبيعة الصراع في ليبيا بأنه عمليا حرب بالوكالة بين فرقاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي ومرتبطين فعليا بأذرع اقليمية خادمة لقوى دولية لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا.

وتلك القوى الدولية وأذرعها الإقليمية تسعى أولا وأخيرا لنهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة، وحتى تتمكن لاحقا بيسر من المرور للعمق الافريقي، فما هي المحددات الرئيسية لسياسات القوى الدولية تجاه تطورات الملف الليبي وخاصة خلال المرحلة المقبلة.

وكيف يمكن قراءة فعل وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبي في أفق المؤتمر الوطني الجامع المنتظر عقده في ليبيا في بدايات 2019 وصولا للاستحقاقات الانتخابية المنتظر انجازها في ربيع نفس السنة؟

 أولا: المُحددات الأساسية

أالموقع الجغرافي لليبيا لا يعتبر عاديا بل هو موقع نادر وفريد فإطلالة ليبيا على البحر المتوسط استراتيجية ومصحوبة بالتماس الجواري مع دول الساحل والصحراء مما يعني أنها منفذ استراتيجي للعمق الافريقي مقارنة ببقية المنافذ والمداخل البحرية والبرية لقارة المستقبل …

بعمليا تسعى الأطراف الدولية للتأثير في مسارات الملف الليبي لأسباب مرتبطة بمغانم الاستثمار وإعادة الاعمار المنتظرة في ليبيا خلال قادم السنوات، فثروات غدامس وخيرات المدن والأراضي الليبية لا تُقدر بثمن وأهمية استراتيجية بإجماع كل الخبراء والمختصين…

ت بعيدا عن المواقف الدبلوماسية المعلنة، فإنه لابد من التأكيد على وجود محددات تُؤطر طبيعة مواقف القوى الدولية وسياساتها العامة تجاه تطورات الملف الليبي، ولكن تلك المحددات ليست ظاهرة للعيان او هي معلنة في الخطاب السياسي لديبلوماسيات القوى الدولية بناء على ان اغب الاستراتيجيات أعدت منذ سنوات من قبل اللوبيات والدول العميقة وبناء على رهانات استراتيجية …

ث يُمكن الجزم أن بعض الدول الكبرى هي من حددت وتُحدد تفاصيل المشهد السياسي والعسكري الليبي رغم هوامش تأثير الأطراف المحلية الليبية والتي سقطت في منطق الكسب الظرفي ورد الفعل وبناء على عقلتي “الغلبة” و”الغنيمة”، وخاصة منذ أكتوبر 2015 أي بعد اتفاق الصخيرات والذي بقي في اغلب بنوده حبرا على ورق…

جالقوى الدولية الرئيسية ومن خلال استقراء طبيعة المواقف والسياسات خلال الأشهر الأخيرة، لن تسمح مستقبلا باي هامش مناورة حتى لأذرعها الإقليمية ولدول كانت تقوم لها بأدوار وظيفية…

 ثانيا: بين الدور الوظيفي وهامش القرار

أ في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بشكل عام وفي ليبيا بالذات، لا يُمكن للألمان والايطاليين وحتى البريطانيين التصادم مع الخيارات الأمريكية أو حتى السباحة بعيدا عن تكتيكات الدولة العميقة الامريكية بغض النظر عن هوية وتركيبة الإدارة الامريكية (الديمقراطيين او الجمهوريين وأي من تياراتهم أو زعمائهم).

والتي هي في الحقيقة لا تُمثل سوى إعطاء النكهة للقرار والسياسات الامريكية ويعرف المختصين والمتابعين أن بعض دول تلعب أدوارا رئيسية في ما ظهر للبعض أن الأمريكيين كانوا غير مهتمين بالملف الليبي في السنوات الأخيرة وخاصة قبل شهر يونيو/جوان الماضي كأولوية وخاصة بعد اغتيال السفير الأمريكي في 2012.

ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير حيث أن بعض الدول والقوى الاقليمية تخدم منهجيا وعمليا أدوارا بالوكالة للأمريكيين أو حتى لبعض الأجهزة الأمريكية والدفع نحو أجنداتها المرحلية والاستراتيجية، وأيضا بسبب أن الملف الليبي في عدد من جزئياته لم يكن بيد الخارجية الامريكية والرئاسة بل هو موكول لمؤسسات الدولة الامريكية العميقة على غرار الأجهزة المخابراتية ومؤسسات أخرى ذلك أن جزء منه مسند للبنتاغون حسب بعض المتابعين.

ب القوى الدولية التي لها هامش قرار غير مُرتبط بقوى دولية أخرى هي عمليا الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين بينما يُمكن تصنيف باقي القوى الدولية أنها على ارتباط فعلي واستراتيجي بالسياسات الامريكية، في ما تُحاول قوى دولية وإقليمية أخرى أن تكتسب هوامش في التحرك والتأثير وخاصة في الملف الليبي والبحث عن الخروج من جُبة الدور الوظيفي.

كما تحاول دول إقليمية على غرار تركيا وإيران أن تكتسب أدوارا خارج الدور الوظيفي في ابراز واكتساب أدوار في عدد من الملفات من بينها الملف الليبي وهو أمر جلي وواضح في مرحلة ما بعد أكتوبر 2015.

ثالثا: صراع الأجهزة داخل القوى الدولية وموقع الدولة العميقة

يؤكد المختصين في السياسات والعلاقات الدولية، أن أي إدارة حاكمة لأي قوة دولية، ليست وحدة متكاملة، وأن هناك دوما صراع بأشكال وأنساق مختلفة بين أجهزة كل دولة لطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية والصراع بين اللوبيات.

بل أن ذلك ينعكس في فعل دبلوماسية أي دولة تجاه كل القضايا الدولية وفي التفاعل مع أي أزمة، وهو أمر جلي في تضارب المواقف تجاه تطورات الأزمة الليبية منذ 2014 وتعود أسباب ذلك الى تأثير اللوبيات في كل دولة إضافة الى تضارب مصالح شركات عابرة للقارات ولوبيات ومحافل عالمية وتأثيراتها من دولة الى أخرى وخاصة في مواضيع تتعلق بالغاز والنفط والمعادن الهامة والنادرة.

وبالتالي فإن الملف الليبي لم يكن يوما متفق عليه من حيث القرارات ودعم هذا الطرف أو ذاك او اتخاذ سياسيات معينة تجاهه وعلى سبيل الذكر فان هناك خيارين في وسط الإدارة الفرنسية في الصائفة الماضية حيث حبذ وزير الخارجية الحالي(وهو وزير الدفاع الأسبق)، التمسك بحفتر كخيار مرحلي لحكم ليبيا ودعم العسكريين عموما لحكم ليبيا – أي استنساخ فعلي للنموذج المصري (سيسي ليبيا) – أو بصيغة أخرى انتاج “قذافي2” لحكم ليبيا مستقبلا، في ما رأت أجهزة فرنسية أخرى وفقا لتحاليل الخبراء أنه وجب تفعيل الحل السياسي واجراء وفاق بين فرقاء الصراع.

 رابعا: القوى الدولية وطبيعة الصراعات بينها حول القارة السمراء

لا شك أن القارة السمراء ومنذ سنوات ان لم نقل منذ عُقود، هي محور صراع بين دول عديدة فالحضور المتنامي للإيرانيين والصينيين والأتراك والامريكيين والروس لم يُلاق الارتياح من طرف القوى التقليدية أو التي استعمرت الدول الإفريقية على غرار فرنسا.

ولعل ليبيا هي أكبر تجسدات ذلك الصراع وعمليا هناك صراع وتسابق فرنسي أمريكي غير معلن حول الحضور في ليبيا وخاصة بعد امتداد الحضور الفرنسي في الشرق الليبي منذ بدايات 2017، وتجسدت قدرات الفرنسيين على الاحتواء المتدرج لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر بناء على تعامل عسكري وأمني ولوجستي في معاركه في كل من بنغازي ودرنة وحتى عند سيطرته على الحقول النفطية أواخر يونيو/جوان 2018.

بل أن الأمريكيين لم يكونوا مرتاحين أبدا للحضور الفرنسي منذ ربيع 2017 وهناك نقاط استفهام حول سقوط المروحية الفرنسية يومذاك، وتم التساؤل حول من أسقطها تحديدا كما أن مسارعة الأمريكيين الذين تفاعلوا بديبلوماسية مع الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي وأعادوه للإيطاليين بطرق ناعمة وهادئة وبروية.

إضافة الى أن ما قام به “الجضران” في بداية يونيو الماضي وانسحابه بطريقة شبه آمنة تدل على صراع أجهزة بين دول في الهلال النفطي الليبي، وهو ما أثبتته الوقائع اللاحقة من مؤتمر روما (9 يوليو/جويلية الماضي) إلى وإعادة إدارة الحقول النفطية لطرابلس وحكومة الوفاق، ثم لقاء السراج بالسفراء السبع في أوت/أغسطس الماضي .

 خامسا: القوى الإقليمية بين هامش الاستقلالية وأذرع القوى الدولية

أ القطريون والإماراتيون والمصريون والسعوديون طالما لعبوا في الشرق الأوسط أدوارا عدة خادمة للقوى الدولية في عدد من الصراعات، وبغض النظر عن تشكل محورين اقليميين في ليبيا منذ 2014 وبغض النظر عن هوامش وطبيعة الخلافات وإعادة تشكل خلال السنوات الماضية فان تلك الدول لم ولن تأخذ هوامش كبرى في تطورات الملف الليبي حتى وان اتقدت او توهم حكامها وسياسيوها انهم فاعلون وأصحاب قرار ومناورة حقيقيين.

بأدوار ومواقف قوى إقليمية على غرار الجزائر والسودان والأردن غير متمركزة ضمن المحورين الاقليمين الرئيسيين (التركي القطري – الاماراتي السعودي المصري)، وهي تُدير سياساتها بهوامش مُعتبرة على بعض القوى الدولية ولكنها لا يُمكن لها استراتيجيا التصادم معها ويقع الضغط عليها بطُرق مختلفة فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وان كان النظام الأردني يلعب دورا وظيفيا منذ عقود بل منذ نشأته، فان الجزائر والسودان أدوارها غير وظيفية ولكنها لن تكون مستقبلا مصطدمة مع السياسيات الأمريكية في المنطقة وخاصة في العلاقة بالملف الليبي…

ت دول مجاورة ودول لها علاقات مباشرة وغير مباشرة بالملف الليبي على غرار تونس والمغرب وموريتانيا والسينغال والكونغو لم ولن يكون لها مستقبلا أي أدوار تأثيرية مباشرة نتاج العقل السياسي للديبلوماسية فيها، إضافة الى أنها لم تصطف بشكل مباشر ضمن المحورين الإقليميين ولكنها ستكون خادمة بشكل آلي للسياسات الأمريكية واقتربت قبل “باليرمو” من الايطاليين في الملف الليبي وان كان للبعض منها هوامش مصالح واللقاءات مع الفرنسيين ثقافيا واقتصاديا وحتى سياسيا.

 سادسا: الأمريكيون وحضور باقي القوى الدولية في ليبيا

أ الصراع الفرنسي الأمريكي الذي أشرنا اليه أعلاه في مسرح القارة الافريقية سيشهد تطورات وهوامش في الساحة الليبية وخاص في ملفات الجنوب الليبي وفي موقع العسكريين السياسي خلال المرحلة المقبلة، الفرنسيين حتى وان غيروا السفيرة وسيعيدون نشاطهم الدبلوماسي في طرابلس في أفريل القادم، فانهم لن يرتاحوا للحضور الأنقليزي والإيطالي والألماني في ليبيا ولتنامي المصالح الامريكية في شمال افريقيا….

بتفاعل الأمريكيون مع الحضور الروسي عسكريا وسياسيا بديبلوماسية والاعلان عن قلقهم الهادئ وخاصة عندما تطورت العلاقات بين حفتر والروس سنتي 2016 و2017 كما أنهم لم يرتاحوا لتفعيل طريق الحرير (الصينية)، في القارة الافريقية أو بتطور العلاقات التركية الافريقية كما أنهم بقوا رهين سياساتهم الاستراتيجية التي تؤكد على عدم التدخل المباشر في كل الساحات وخاصة بالتوازي وفتح الجبهات المتعددة.

وما يمكن تأكيده أنهم يقرؤون التطورات الكبيرة للحضور الإقليمي والدولي لعدد من القوى الأخرى بما فيهم حلفائهم الأوروبيين.

والخلاصة في هذه النقطة أن هناك توازن بين الحضور الأمريكي ومطامح قوى أخرى بنت استراتيجيتها منذ سنوات من أجل الحضور الفاعل في القارة الافريقية وما ليبيا الا مثال لذلك.

ت سيكون للألمان دور مستقبلي في الملف الليبي وسيكون الامريكيون غير قلقين من ذلك الحضور نتاج ترتبات الصراع الفرنسي الإيطالي، وأيضا نتاج طبيعة الرهانات الامريكية في الشرق الأوسط ونتاج أن الالمان قد قابلوا بترحاب عملية الانتقال الديمقراطي في تونس وانتصار خيار تثبيت مكتسبات ثورة فبراير وتهاوي خياري سيسي ليبيا والقذافي 2 سيعني آليا دور مرحلي مهم للألمانز

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية

_________________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية