Minbar Libya

 بقلم د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

الملخص: تبحث هذه الدراسة في مدى إمكانية معالجة أزمة النزوح والتهجير في ليبيا بالاعتماد على عملية المصالحة الوطنية، باعتبارها مقاربة لمعالجة التركة التي خلفها النظام السابق.

الجزء الأول

 برزت ظاهرة النزوح بصورة لافتة بعد ثورة فبراير وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة في مناطق مختلفة من البلاد. وتشكل أزمة نازحي مدينة تاورغاء الحالة الأكثر دراماتيكية للنازحين داخلياً في ليبيا، الذين يعيشون منذ عام 2011 وحتى الآن في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد.

وهو ما يتطلب ضرورة إيجاد حلول لكثير من قضايا ومتطلبات النازحين، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إرساء دعائم الأمن والاستقرار المجتمعي وتحقيق نظام مستقر لحقوق الإنسان، بهدف استعادة التماسك المجتمعي والتي بدورها لها انعكاساتها على الاستقرار والأمن في ليبيا .

:المقدمة

تعد قضايا اللجوء والنزوح اليوم من أعقد القضايا التي باتت تؤرق المجتمع الدولي، وخاصة في ظل تبعات العنف والإضطهاد اللذين خلّفا تهجيرا قسريا في بقاع متعددة من العالم، حيث كانت الإنسانية هي الضحية الأولى في كل ذلك.

ويعود السبب الأساسي لتدفق موجات النزوح إلى إندلاع الصراعات المسلحة والإقتتال، وقد برزت ظاهرة النزوح في ليبيا بصورة لافتة بعد اندلاع ثورة فبراير 2011، وعقب الإطاحة بنظام القذافي من خلال ثورة دموية مسلحة، وما نتج عنها من فوضى أمنية وعدم استقرار سياسي، مما دفع أعداد كبيرة من الليبيين للنزوح عن ديارهم، واتخذوا من المباني والعشوائية والمخيمات مسكنا لهم، وكانت معاناة شريحة واسعة من النساء والأطفال والمسنين أكثر وطأة وأشد قساوة في ظروف انعدام الأمن والغذاء والدواء.

مع التسليم بأن هناك عوامل أخرى أسهمت في استفحال أزمة النازحين داخل ليبيا، واستدامتها، أهمها:

ـ الأزمة المجتمعية غير المسبوقة التي لها علاقة بمآل المصالحة الوطنية وتعثرها،

ـ وغياب مؤسسة وطنية جامعة في ظل انقسام سياسي وتناحر بين طرفي الإنقسام (مجلس النواب في طبرق، والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في الغرب)

ـ وترافق ذلك مع ضعف أداء الحكومات الليبية المتعاقبة وانتشار الفساد في أجهزتها، وتدهور الاقتصاد الليبي بعد تراجع أسعار النفط.

ومن ثم دخلت مشكلة النزوح في فصل جديد.

إن واحدة من أخطر المشاكل المتصلة بالنازحين داخليا، هي مشكلة مدينة تاورغاءالتي يبدو أنها حتى اليوم عصية عن أية معالجة.

تكمن أهمية الموضوع كونه يرتكز أساسا على البحث في مدى إمكانية معالجة أزمة النزوح والتهجير في ليبيا بشكل عام، وأزمة نازحي تاورغاء بشكل خاص، بالإعتماد على المصالحة الوطنية باعتبارها مقاربة لمعالجة مآسي الماضي والتركة التي خلّفها النظام السابق، والتي تعد من المتطلبات الرئيسية التي ينبغي التركيز عليها في المرحلة الانتقالية، بهدف إرساء دعائم الأمن والاستقرار وتحقيق نظام مستقر لحقوق الإنسان، واستعادة التماسك المجتمعي والتي بدورها لها انعكاساتها على الاستقرار والأمن في ليبيا.

انطلاقا من ذلك تهدف الدراسة إلى تشخيص الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة النزوح داخل ليبيا واستدامتها. وتوضيح التحديات والإكراهات التي حالت دون عودة النازحين في ليبيا إلى مناطقهم، وتحديدا نازحي تاورغاء، ومن ثم المساهمة في وضع أرضية معرفية لإقتراح الحلول الممكنة للاستجابة لأزمة النازحين داخل ليبيا.

هذه المشكلة تطرح الحاجة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية، ستكون إجاباتها محور اهتمام هذا البحث وهي:

كيف انعكست عملية المصالحة الوطنية على النازحين داخليا في ليبيا، ومدينة تاورغاء بشكل خاص؟

وما هي العقبات التي تحول دون عودتهم الآمنة إلى مناطقهم؟

وهنا نفترض أن تعثر المصالحة الوطنية في ليبيا كان له انعكاسات سلبية على نازحي تاورغاء في تفاقم مشكلة النزوح واستدامتها.

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لوصف وتحليل واقع المصالحة الوطنية في ليبيا وانعكاساتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على النازحين داخل ليبيا، من خلال استخدام بعض البيانات والأرقام الإحصائية، وفيما اتخذ من سياسات وآليات مناسبة لمعالجة هذه المشكلة أو الحد منها، سواء على المستوى الوطني أو من خلال المنظمات الدولية.

وبالنظر إلى النطاق الواسع لحالات النزوح الداخلي في ليبيا، فإننا اخترنا دراسة حالة مدينة تاورغاء كونها الحالة الأكثر تعقيدا، حيث تظهر المصاعب الكبيرة في إيجاد حلول دائمة والتحديات التي يواجهها النازحون في هذه السياقات.

البقية في الجزء التالي

سنتناول في الجزء التالي محور التحليل المفاهيمي لدلالات ومقاصد الصياغة اللفظية لعنوان البحثويشمل مفهومين:

ـ مفهوم المصالحة الوطنية

ـ مفهوم النزوح الداخلي

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ – رئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

نشر البحث في مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل : العدد الرابع كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي “ألمانيا –برلين” . وتُعنى المجلة بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية وكافة القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية ودول حوض النيل.

 ____________