Minbar Libya

بقلم د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

تبحث هذه الدراسة في مدى إمكانية معالجة أزمة النزوح والتهجير في ليبيا بالاعتماد على عملية المصالحة الوطنية، باعتبارها مقاربة لمعالجة التركة التي خلفها النظام السابق.

الجزء الثاني

تم تقسيم الدراسة إلى المحاور التالية في محاولة للإجابة عن التساؤل في أعلاه:

أولا: التحليل المفاهيمي لدلالات ومقاصد الصياغة اللفظية لعنوان البحث

1ـ مفهوم المصالحة الوطنية

تعني المصالحة الوطنية في أبسط معانيها، عملية التوافق الوطني على أساسها تنشأ علاقة بين الأطراف السياسية والمجتمعية قائمة على التسامح والعدل وإزالة أثار صراعات الماضي، ومحاولة تقريب وجهات النظر، لتحقيق التعايس السلمي بين أطياف المجتمع كافة، بما يضمن الانتقال الصحيح للديمقراطية، من خلال آليات محددة، ووفق مجموعة من الإجراءات، تهدف للوصول إلى نقطة الإلتقاء، بما يمهد الطريق نحو إنقاذ الوطن ووضعه في الطريق الصحيح نحو الاستقرار الكامل“.

فبلوغ المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة هو أمر ليس بالهين، ويتطلب إلماما تاما بالواقع السياسي والاجتماعي والقانوني، وإدراك الدرب الصحيح والإجراءات المطلوبة لبلوغ المصالحة الوطنية دراسة تجارب دول أخرى. وهو ما يستلزم إتباع الآليات المناسبة للعدالة الانتقالية.

لذلك فمن المهم دراسة المصالحة الوطنية، جنبا إلى جنب مع آليات العدالة الانتقالية. وهي تحديدا كشف الحقيقة والمحاسبة والتطهير، والإصلاح المؤسسي، والعفو، وجبر أضرار الضحايا، وتخليد ذكراهم، وحفظ الذاكرة الجماعية.

إذن، فالمصالحة الوطنية المرجوة من تطبيق آليات العدالة الانتقالية تقوم أساسا على مسارات حقوقية وعدلية، وهي في ذلك تختلف عن المصالحة التي تسعى لها التيارات والفصائل السياسية التي يضطلع بها أساسا ممثلو الأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

مصطلح العدالة الانتقالية لا يعني إطلاقا التصالح مع مرتكبي الجرائم الجسيمة، لأن مفهوم المحاسبة وهو أحد أهم دعائم العدالة الانتقالية وفقا للإتجاهات الدولية الحديثة، التي تقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، يمنع المصالحة مع مرتكبي الجرائم الجسيمة وجرائم الإرهاب.

وبالتالي يعني هذا المفهوم، تطبيقا على الوضع في ليبيا، إجراء عملية الفرز والتصنيف واستخدام آليات العدالة الانتقالية الأخرى المتاحة لمحاولة رأب تصدعات المجتمع وإعادة الاستقرار إليه عن طريق تحديد أسباب وأنماط العنف واحتوائه، وإعادة إدماج من شرد عن الطريق أو غرر به إلى أحضان المجتمع.

ويجب أن نضع في الاعتبار عند تصحيح مسار العدالة الانتقالية أن أطراف المصالحة الوطنية تتعدد في ليبيا، وإنهم لا يقتصرون على قبيلة أو منطقة أو فصيل معين، ومن ثم تتعدد صور المصالحة المطلوبة، فهناك مصالحة يجب أن تجري بين رموز وأنصار النظام السابق وفئات عديدة من المجتمع الليبي ممن تعرضوا للظلم أو التعذيب أو الإعتقال القسري قبل ثورة السابع عشر من فبراير، ويتفرع عنها مصالحة بين ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي وقعت في ظل هذا النظام ورموز القوى الأمنية التي ارتبكت تلك الانتهاكات، فضلا عن المصالحة مع العديد من الفئات التي عانت من الإقصاء والتهميش، وتأتي بعد ذلك المصالحة الكبرى التي تهدف إلى إزالة حالة الاحتقان القبلي والانقسام المجتمعي الحاد الذي روج له رموز النظام السابق ونتج عنه صدامات دموية بين أنصاره وغيرهم من أطياف الشعب الليبي.

تطورت إلى ارتكاب جرائم الإرهاب من جانب أنصار هذا النظام، كما هي معروفة في الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية. ثم تأتي المصالحة الأهم والأصعب، خصوصا بعد اندلاع ثورة 17 فبراير بين شرائح المجتمع الليبي المختلفة التي ساندت ووقفت مع نظام القذافي وساهمت في استمراره، وبين الأطراف الأخرى التي قاومت ضد تسلط هذا النظام بطرق متعددة.

2ـ مفهوم النزوح الداخلي

يمثل النزوح شكلا من أشكال الهجرة، ولكن تحت ظروف خاصة، والنازحون هم مواطنون تركوا ديارهم الأصلية إلى أجزاء أخرى من البلد، نتيجة الكوارث الطبيعية أو الحروب الأهلية النزاعات المسلحة. وقد يكون النزوح الداخلي وسيلة للهروب من العنف لكنه قد يخلّف الكثير من المآسي التي ترتبط بالنازحين.

عُرِّف النازحون داخليا بأنهم أشخاص أجبروا على النزوح عن ديارهم مع بقائهم داخل حدود بلدهم. وتتمثل الخصائص الؤئيسية للنزوح الداخلي بطبيعته القسرية وحقيقة أن السكان المتأثرين يعبرون الحدود المعترف بها دوليا، وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق بان كي مونإلى النزوح باعتباره واحدا من أعظم التحديات الإنسانية في العالم.

ووفقا لتعريف المبادئ التوجيهية حول النزوح الداخلي، فالنازحون داخليا هم الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين أجبروا على أو أضطروا إلى الفرار أو ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة لاسيما كنيجة أو سعيا لتفادي آثار النزاع المسلح وحالات العنف المعمم.

من هنا، نجد أن مصطلح النزوح يختلف عن مصطلح اللجوء، فاللاجئون عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين اضطروا أو أجبروا على الخروج عنوة من ديارهم، بسبب الحرب أول الجفاف أو الإضطهاد الديني أو العرق أو الكوارث الأخرى، وعبروا الحدود، وبالتالي لم يعودا تحت حماية وطنهم الأصلي، بخلاف النازحين الذين لا يزالون مواطنون في بلدهم، وحكومتهم مسؤولة بالدرجة الأولى من الناحية القانونية عن حمايتهم ورعايتهم. ولا ينتهي المطاف بالنازحين دائما في المخيمات، إذ أن الغالبية تحل أحيانا ضيفة على أسر مضيفة، ويجد البعض المأوى مؤقتا أثناء الترحال، في حين يستقر البعض الآخر في المناطق الحضرية.

ويتفق النزوح واللجوء في أنهما هجرتان قسريتان وغير اختياريتين، فالنزوح يكون داخل البلد الواحد، أما اللجوء فيكون إلى بلد آخر، ولكن النازح مواطن عادي يتمتع بالحقوق والواجبات نفسها التي يتمتع بها مواطنو بلده، ولا يعامل معاملة اللاجئ، ويتميز النزوح من الهجرة، بأن النزوح نوع من أنواع الهجرة، لكنها قسرية، ولا إرادية، وغير أختيارية، لذلك تخلق نوعا من المخاوف والهواجس لدي مناطق الاستقبال، التي يصعب عليها استيعاب هذا الكم من البشر في وقت واحد مهما كانت الإمكانيات.

سنتناول في الجزء التالي المحور الثاني ويتعلق بـ واقع المصالحة الليبية في ليبيا“.

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخرئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

نشر البحث في مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل : العدد الرابع كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي “ألمانيا –برلين” . وتُعنى المجلة بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية وكافة القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية ودول حوض النيل.

_ ___________