Minbar Libya

بقلم أكرم الفزاني

كثر الحديث مؤخرا عن خلافات داخلية بحزب العدالة والبناء ؛ على غرار الدعوة لعقد مؤتمر عام للحزب وعلى خلفية بيان داخلي لشورى الاخوان ؛ ولمعرفة حقيقة ما يجري نعرج سريعا على بعض المحطات .

نشأة الحزب

في نوفمبر 2011 عقدت جماعة الاخوان المسلمين الليبية بمدينة بنغازي مؤتمرها التاسع، وكان من أهم القرارات في هذا المؤتمر هو انشاء حزب سياسي بعد أن كانت المقترحات على النحو التالي:

أن تباشر الجماعة العمل السياسي الحزبي باسمها مباشرة.

أن تنشأ الجماعة حزبا سياسيا يكون هو ذراعها السياسي.

أن تخوض الجماعة العمل السياسي من خلال الشراكة مع آخرين في حزب مستقل عنها.

فكان الخيار الأخير، حيث قرر المؤتمر العام بالأغلبية بأن تخوض جماعة الأخوان المسلمين الليبية العملية السياسية من خلال الشراكة مع آخرين من أبناء المجتمع الليبي، وذلك بالعمل على تأسيس حزب وطني ذي مرجعية اسلامية مستقل عن الجماعة تنظيميا وإداريا وماليا.

تم الإعداد لانشاء حزب سياسي مستقل عن الجماعة، وذلك بأن قامت جماعة الاخوان بالبناء على رصيدها التاريخي؛ فعملت على تسخير كوادرها للدعوة لانشاء الحزب بشراكة مع أبناء ليبيا في كل ربوعها.

ففي فترة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر كان لهذا الحزب الناشئ قرابة العشرين فرعا بمختلف مناطق ليبيا شرقا وغربا وجنوبا.

في مارس 2012 عُقد المؤتمر التأسيسي للحزب، الذي توج بولادة حزب العدالة والبناء، وقد اختير رئيس مجلس شورى الاخوان المسلمين حينها الاستاذ محمد صوان رئيسا للحزب وانتخبت الهيأة العليا للحزب.

وبالنظر إلى أن غالبية من تم انتخابهم من أعضاء الهيأة العليا للحزب كانوا من أفراد الجماعة، ومن باب ابداء حسن النية وبناء الثقة، فقد اتجهت قيادة الجماعة إلى مطالبة عدد من هؤلاء الأفراد بالاستقالة، وذلك فسحا للمجال أمام الشركاء من غير الاخوان للدخول إلى الهيأة العليا للحزب.

العلاقة بين الجماعة والحزب

حافظت جماعة الاخوان المسلمين الليبية على مدى السبع السنوات الماضية على قرار المؤتمر التاسع الذي يعتبر أن الحزب منفصل اداريا وتنظيميا وماليا عنها؛ فلم تشارك الجماعة في صنع القرار داخل الحزب ولم تتدخل في اختياراته السياسية لممثليه في كل الاستحقاقات الوطنية، بل لم تعقب حتى على بيانات الحزب الداخلية والخارجية.

في بداية انطلاقة الحزب في العمل السياسي حصل شيئ من التداخل الذي كان مرده إلى تعرض الجماعة إلى هجمات اعلامية شرسة من بعض الأحزاب والكيانات المنافسة للحزب سياسيا عبر القنوات الاعلامية والتصريحات المتلفزة والمكتوبة بسبب الأداء السياسي التنافسي للحزب بالمشهد السياسي الليبي، ما ترتب عنه من تداعيات سلبية على أعضاء الحزب من غير الاخوان، ومن ثم حصول حالة من العزوف داخل الحزب في تقلد المناصب القيادية أوتحمل للمسؤوليات الحزبية خاصة من الأعضاء غير الاخوان.

هذا العزوف من قبل الأعضاء ترتب عنه بروز دور أكبر للأعضاء المنتميين للجماعة دون غيرهم داخل الحزب.

وبالإشارة إلى الهجمة الاعلامية الكبيرة التي استهدفت الجماعة والحزب معا؛ اذ شهدنا روؤساء حكومات يهاجمون الاخوان، وما ذلك إلا بسبب خلاف هؤلاء الرؤساء مع قيادة حزب العدالة والبناء، رغم أن الجماعة لم يكن لها أداء سياسي حزبي؛ الأمر الذي جعل قيادة الجماعة تدعو قيادة الحزب لمشاركته في وضع السياسات العامة للحزب.

فكان رد الاستاذ محمد صوان صريحا من خلال لقاءات مشتركة بين القيادتين أن هذا مخالف للوائح الحزب ومعارض لقرار المؤتمر التاسع للجماعة، وذلك باعتبار ان الهيأة العليا للحزب هي من تضع السياسات العامة للحزب وهي من تقوم بمتابعة عمل القيادة التنفيذية للحزب. وهذا ما التزمت به الجماعة ووقفت دونه حفاظا على استقلالية الحزب.

ورغم موقف الجماعة الحاسم تجاه استقلالية الحزب وترك شأنه لأعضائه من الاخوان وغيرهم، إلا أن ربط الحزب بالجماعة استمر على ما هو عليه، خاصة بعد التوقيع بالأحرف الأولى لاتفاق الصخيرات؛ إذ وجدنا من يطالب جماعة الاخوان المسلمين في عديد المناسبات بتوضيح موقفها من أداء الحزب السياسي، وأن تتبرأ من اجتهاداته السياسية، وكان هذا ظاهرا جليا عند الدخول في الحوار السياسي الذي توج بالتوقيع على الاتفاق السياسي، وهذا ما لم تقم به الجماعة، تأكيدا منها أن الحزب منفصل عنها تماما ولا تتدخل في اجتهاداته السياسية.

بل الجماعة طالها النقد حتى من بعض قيادات حزب العدالة والبناء نفسه، وذلك حين لم يصدر عن الجماعة تأييدا للاتفاق السياسي، ونقدهم للجماعة أنها لم تعلن ترحيبها لدخول حكومة الوفاق للعاصمة طرابلس.

كما لم تسلم الجماعة من نقد مفتي البلاد الدكتور الصادق الغرياني لها، حين تكلم عن شيوخ الاخوان عند تناولهم للاتفاق السياسي من حيث تقديرهم للمصلحة والمفسدة، على اعتبار أن الحزب من أقوى المشاركين به.

الخلاف حقيقي أم أنه خلاف من طرف واحد؟!

في ظل الظروف السياسية الراهنة التي تشهدها البلاد والمتغيرات السياسية الكبيرة، ورغبة منها في اثراء العملية الديمقراطية داخل الحزب، وبالنظر الى حالة العزوف عن تجديد العضوية لدى أعضاء الحزب، فقد شجعت الجماعة في بيان داخلي لها أفرادها من أعضاء الحزب إلى تجديد العضوية داخل الحزب والمشاركة في عقد المؤتمر العام للحزب المرتقب، وذلك بعد دعوة رئيس الحزب لعدم رغبته في الاستمرار في رئاسة الحزب لدورة ثالثة.

وعلى اثر تسريب هذا البيان الداخلي لمجلس شورى الاخوان، مما اثار حفيظة مسؤول الدائرة الاعلامية بالحزب، واعتبر ذلك تدخلا في شؤون الحزب، وعبر عن ذلك بصيغة الجمع بقوله “نرفضه”، مكررا ذلك بقوله: “لازلنا نرفضه”.

وقد توالت الكتابات والتصريحات واخذت طابع الحدة والتصعيد من جهة واحدة، وهي اعلام الحزب، رغم أن مجلس شورى الاخوان سبق وأن اصدر قرارا نص فيه على سحب كل أعضاء الاخوان المشاركين بالحزب لعضويتهم على خلفية مراجعات داخلية في الجماعة وعلاقة الدعوي بالسياسي، ما دعى قيادة الحزب للتواصل مع قيادة الجماعة لثنيها عن هذا القرار، واعتبرته قيادة الحزب حينها أنه قرار في غير صالح الحزب من حيث التوقيت وفق المشهد السياسي القائم.

وبالفعل جمد هذا القرار، الذي لم يعتبر وقتها تدخلا من الحزب في الجماعة والعكس. بل راعت الجماعة ما اقتضته مصلحة الحزب، وحرصت الجماعة على أن يكون حزب وطني مثل العدالة والبناء قويا ومتماسكا. في حين لم نرى قلم مسؤول الاعلام بالحزب يعد ذلك تدخلا يرفضه بصيغة الجمع او المفرد‍!

لهذا يعزو بعض المتابعين أن هذا التصعيد في الخطاب من قبل المسؤول الاعلامي بالحزب إلى كون أن البيان ليس هو السبب بل هو على خلفية رغبة أحد قيادات الاخوان بالترشح لرئاسة الحزب في الدورة القادمة بعد اعلان رئيس الحزب عدم الرغبة له في التمديد وقرار الهيأة العليا في انعقاد المؤتمر العام في وقته وحينه.

ذلك كان جليا في استخدام البيان في غير ما أراده اصحابه، وادخل في قصة (وأما الدودة..!) فأصبح البيان الدودة التي أراد المسؤول الاعلامي للحزب أن تكون مدخلا للتحذير والتخويف من المرشح القادم لرئاسة الحزب، بل أصبحنا نسمع ونرى كلاما عن المتشددين والمعتدلين داخل الحزب بسبب قربهم أو مخالفتهم لآراء القيادة.

وهذا ما أعده بعض أعضاء الحزب الفاعلين تسطيحا لمعنى المؤسسة الحزبية وتسفيها لمعنى العمل الجماعي الذي يثري التنوع وينتج رؤية وهدف ونتيجة يرضاها كل من شارك فيها سلبا او ايجابا، ساعيا من أجل انجاح هذه الرؤية , ويكون لها اثرها حتى من قبل من خالف القيادة في قراراتها.

وفي هذا السياق لا يفوتنا ان نشير أن هناك من المراقبين من اعتبر أن هذا التصعيد والحدة وراءه مقصد واستعداد لاحداث انشقاقات قادمة، وذلك إن لم يُمدد لرئيس الحزب أو جاءت الانتخابات بالمرشح الذي ترفضه القيادة الحالية، وأن هذه الانشقاقات لوح بها المسوؤل الاعلامي بالحزب بالايعاز من القيادة الحالية.

جماعة الاخوان المسلمين من كل هذا التصعيد والحدة لازمت الصمت ودعت إلى التهدئة ولم ترد التصريح بتصريح مماثل، بل أكاد اجزم أنها لم تعر تصريحات المسؤول الاعلامي أي اهتمام رسمي، وترى أنه ما لم يصدر من رئيس الحزب ما يشير إلى ذلك، فإن الامر لا يعدو أن يكون تصريحا فرديا لا يتجاوز صاحبه!

ويحسم كل هذا الجدل هو دعوة لعقد مؤتمر عام للحزب وهو سيد نفسه يمكن فيه تناول كل تلك المخاوف والخروج منها إما التأجيل أو التمديد أو انتخاب قيادة جديدة .

***

أكرم الفزاني ـ كاتب ليبي

____________