Minbar Libya

أصدر الملتقى الوطني الليبي نتائج مساره التشاوري، الذي عُـقد في الفترة من 5 أبريل إلى 11 يوليو الماضيين، في تقريره النهائي، ملخصا متضمنًا عشرة نقاط توافقية، أقرها المشاركون في الملتقى بهدف توحيد الليبيين، وتعزيز حرياتهم، والحفاظ على مقدرات وثروات البلاد. وجاء في الملخص :

انعقدت اجتماعات المسار التشاوري للمتقى الوطني الليبي في الفترة الممتدة بين 5 نيسان\أبريل و 11 تموزايوليو 2018 بتيسير من مركز الحوار الانساني ودعم من البعثة الأممية، وكما جاء على لسان عدد كبير من المشاركين، فقد مثّل المسار التشاوري حدثا سياسيا فارقاوسمح بحوار ليبي ليبي متميز من حيث شكله ومضمونه.

وبقدر ما مثّل هذا المسار أحد أهم الحوارات الوطنية الشاملة التي انتظمت في كل ربوع ليبيا منذ عقود، فإنه يعد كذلك من الفرص النادرة التي أتيحت لليبيين منذ سنة 2011 لمناقشة ما يعصف ببلادهم من أزمات بطريقة صريحة وهادئة ومنهجية.

لقد سمح هذا المسار بلم شمل كل الليبيين دون استثناء أو إقصاء، كما أدمج كل المناطق التي لم تشارك بالقدر الكاف في مجريات العملية السياسية طوال السنوات الأخيرة: من غات والقطرون والكفرة إلى بني وليد وورشفانه وبراك الشاطئ وغيرها من مناطق ليبيا.

وعلى امتداد أربعة أشهر، نجحت الجهة المكلفة بتيسير المسار إلى عقد 77 اجتماعا في 43 بلدية في كل ربوع البلاد وفي مدن المهجر التي تضم جاليات ليبية مهمة.

كما تميز المسار بلم شمل ما يقارب 6 آلاف مواطنة ومواطن من كل الفئات والشرائح الاجتماعية. وبالإظافة إلى الزخم الميداني للاجتماعات في الداخل الليبي وفي الخارج، فقد شارك الليبيون بكثافة عبر الموقع الالكتروني الخاص بالمسار من خلال ما يزيد على 1300 استبيان وما يناهز 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

وإلى حد كبير فقد حققت الحملة التواصلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي نتائج مهمة وأثرا غير مسبوق، إذ أتاحت هذه الوسائل فرصة التفاعل والمشاركة لما يقارب 131 ألف متابع في فيسبوك و1800 متابعا على تويتر بما مكن من الوصول إلى ما يقارب 1.8 مليون ليبيا. كما لعبت وسائل الإعلام الليبية المحلية دورا رئيسيا في تغطية اجتماعات المسار التشاوري بأدق تفاصيله.

إن الملتقى الوطني مثل مجالا جمع الليبيين من كل الشرائح والأعمار والمستويات التعليمية، من الجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني والإتحادات الطلابية والفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنييين بالإضافة إلى الحكماء والشيوخ. وقد حملت مساهمات المشاركين بين طياتها حكمة الأجداد وتراثهم الزاخر بمعاني الشرف والإلتزام بالوطنية الصادقة، وهو ما جعلها أقرب إلى لحظة تأمل جماعية تقاطع فيها التاريخ البعيد والقريب بالحاضر والمستقبل.

إن هذا المسار يطمح شكلا ومضمونا إلى التعبير عن مطامح ومواقف ووجهات نظر كل الليبيين بكل فئاتهم ومكوناتهم. فقد عملت الجهة المنظمة على تيسير فعاليات استهدفت فئات بعينها لم تشملها العملية السياسية بالقدر الكاف، على غرار المهجّرين والنساء وشباب الجامعات والمدن النائية.

وحرص القائمون على المسار على نشر كل تقارير الاجتماعات بكل شفافية بالاضافة إلى المساهمات المكتوبة القيّمة التي أرسلتها نخبة مميزة من الأكاديميين والمفكرين المقيمين داخل البلاد وخارجها. وقد مثلت هذه المساهمات والوثائق الأساس الذي تم الاعتماد عليه في بلورة هذا التقرير.

وقد استندت اجتماعات المسار التشاوري على مجموعة من الأسئلة شكلت أساسا منهجيا للمسار برمته وتناولت القضايا الأكثر إلحاحا من منظور اليبيين: الأوليات الوطنية، الأمن والدفاع، توزيع السلطات والموارد، المصالحة الوطنية والعمليتان الدستورية والانتخابية.

وتناول المشاركون في القسم الأول من اجتماعات المسار التشاوري مسألة الأوليات الوطنية والحكومية. ولعل الطابع العام والغموض النسبيّ الذي يكتسبه مصطلح الأولويات قد جعل المشاركين يتناولون كل أبعاد الأزمة القائمة.

وقد أدان المشاركون بهذه المناسبة ما اعتبروه وضعية عبثية تشهدها ليبيا سواء من حيث تدني مستوى الخدمات العامة أو من حيث إهدار الموارد والمقدرات وتدني الوضع الأمني العام.

وقد انبثق عن هذا الجزء الأول جملة من التوصيات العامة التي صنفها المشاركون كأولويات لمؤسسات الدولة المأمولة: الوحدة والسيادة، الإدارة الرشيدة للموارد والثروات، الحق في الأمن والمساواة بين المواطنين في الخدمات العامة.

وفي القسم الثاني من الاجتماعات تطرق المشاركون إلى مسألتي الأمن والدفاع وقدموا تقييمهم للأزمة الراهنة ورؤيتهم لسبل بناء المؤسستين العسكرية والأمنية. وبقدر ما تميز النقاش حول هذه المسألة بدرجة هامة من الصراحة والدقة فقد تمخض عن نقاط توافقية بالغة الأهمية. إذ أكد كل المشاركين على حق كل الليبيين في الأمن باعتباره حجر الأساس في بناء المستقبل. كما أجمعوا على نبذ كل أشكال التقسيم في المؤسسة الأمنية وأكدوا على ضرورة توخي السبل الكفيلة بإدماج الشباب المنخرط في التشكيلات المسلحة المختلفة، كما شددوا على ضرورة بناء مؤسسة عسكرية موحدة باعتباره شرطا رئيسا لبناء الدولة المنشوذة.

وفي إطار المحور الثالث، ناقش المشاركون بإسهاب آليات توزيع الصلاحيات وإدارة الموارد بين مستويات الحكم المحلي والمركزي. وشمل ذلك السبل الكفيلة بحماية المؤسسات السيادية من كل محاولات التوظيف السياسي بالإضافة إلى آليات الدفع بالحكم المحلي ومختلف التفاصيل الفنية المرتبطة بدعم البلديات في اضطلاعها بمسؤولياتها.

وانبثقت النقاشات في هذا الباب عن عدة رسائل واضحة، ولعل أهمها ما يعتبره الليبيون واجب المسؤلين مركزيا ومحليا في ضمان توزيع عادل للمقدرات والثروات وتطلعهم لنظام لامركزي تلعب فيه البلديات دورا رئيسا في تقديم الخدمات للمواطنين.

وبخصوص الحلول الممكنة للأزمة القائمة، أكد الليبيون في إطار نقاشهم للمحور الرابع على الترابط الوثيق بين المصالحة الوطنية والعمليتين الدستورية والانتخابية واعتبارهما أساسا لأي حل مأمول. ويجمع المشاركون على التطلع إلى طي صفحة الماضي وضجرهم من مراحل انتقالية لا تنتهي رغم تعدد الآراء بخصوص التوصل إلى أساس دستوري توافقي.

وإذ يقر جل المشاركين بأن التوصل إلى أساس دستوري توافقي وإنجاح العملية الانتخابية ـ على أهميته ـ لا يكفي لإخراج ليبيا من أزمتها الحالية، فإنهم يؤكدون على الدور الرئيسي للمصالحة الوطنية.

وبهذا الصدد، يعتبر المشاركون أن ما شهدته ليبيا في السنوات الماضية قد أثر في النسيج الاجتماعي وأنه لابد لليبيين من تضميد الجراح بكل شجاعة للتوصل إلى حل حقيقي للأزمة الراهنة.

وأذا كان من الصعب الإتيان على كل ما حملته اجتماعات المسار التشاوري من آراء ومقترحات قيمة، فإنه لابد من التأكيد على النقاط التوافقية العديدة التي توصل إليها المشاركون في كل ربوع ليبيا والتي يتناولها الجزء الأخير من هذا التقرير بالتفصيل، ويمكن أن نلخصها فيما يلي:

أولا: استرجاع السيادة باعتبارها أولوية وطنية أساسية، وشجب كل محاولات التدخل الخارجي، وتكتسي وحدة وسلامة ليبيا أراضيها وحماية حدودها أهمية قصوى، كما أجمع المشاركون على التلاؤم بين الوحدة الوطنية والسيادة من جهة واللامركزية من جهة ثانية.

ثانيا: الحفاظ على المقدرات الوطنية، من خلال الإنصاف في توزيع الثروة والخدمات، والابتعاد عن التمييز بين المناطق والفئات، كما يطالب المشاركون برد الاعتبار لكل من طاله أي شكل من أشكال الإقصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ثالثا: الأمن حق أساسي مكفول لكل الليبيين، وهو خدمة عامة تستوجب وجود مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية وموحدة تحت إشراف السلطة المدنية ورقابة القضاء، وهذا يتطلب بطبيعة الحال تفعيل الدور الرقابي للسلطة القضائية ودعم استقلاليتها.

رابعا: وحدة المؤسسات السيادية والمؤسسة العسكرية وحمايتها من التوظيف السياسي والفئوي وتكريس جهودها لخدمة المصالح العليا للشعب الليبي.

خامسا: حماية الموارد والثروات الوطنية من كل تهديد وعمليات النهب والابتزاز، ودعم الرقابة القضائية والإدارية على المؤسسات الاستراتيجية والمالية دعما لشفافيتها وحسن تسييرها.

سادسا: التوزيع العادل للثروات وعوائد الموارد الليبية، وبهذا الصدد يطالب المشاركون بتخصيص جزء من الموارد للبلديات ولإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، ويدعو المشاركون إلى تخصيص جزء آخر من عائدات الثروات الوطنية في تنمية المناطق المنتجة للنفط، وإصلاح الأضرار الناتجة عن تهميش شرائح واسعة من الليبيين.

سابعا: دعم اللامركزية وتقوية قدرات البلديات، ودعم خبراتها وإشراكها فعليًّا في تقديم الخدمات، وتوزيع الموارد على المواطنين، بعيدًا عن الحسابات السياسية.

ثامنا: إنهاء المرحلة الانتقالية بالاستناد إلى أساس دستوري توافقي، يحظى برضا كل شرائح المجتمع الليبي.

تاسعا: إجراء الانتخابات في ظروف تتوفر فيها شروط الأمن والشفافية، وإزالة كل العراقيل أمام مشاركة الليبيين ترشحًا واقتراعًا.

عاشرا: التوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية بعيدة عن كل أشكال التدخل الخارجي. كما دعا المشاركون بهذا الصدد إلى الاستفادة من تراث الأجداد في الصفح والعفو والاستجابة لتطلع الأجيال الحاضرة إلى الحرية والإنصاف.

_______________