Minbar Libya

بقلم فرانتشيسكا مانوستشي

عناصر السلفية المدخلية كانوا موالين للقذافي وهم يتحالفون اليوم مع طرفي الصراع المتحاربين في ليبيا. لذلك فإن المواطنين والمحللين يعدون “المداخلة” القوة الدافعة خلف الصراع الذي دام أربعة أعوام، وسيكون موقفهم حاسما في توازن القوى في البلد.

أن “المداخلة” يتبعون تعاليم العالم السلفي السعودي ربيع المدخلي، الذي هو في الثمانينيات من العمر، رغم أن الجماعة نشأت في مصر والسعودية وغيرها من بلدان الخليج في تسعينيات القرن الماضي كرد فعل على نشاط الإخوان المسلمين السياسي، وتقوم على أساس رئيسي واحد هو طاعة الحاكم بغض النظر عمن هو.

مدير “أبرفويل إنترناشيونال سيكيوريتي” أندرو ماكريغور، يقول: “إن المدخلية تدعو إلى الولاء للحاكم دون سؤال للحكومات، حتى تلك التي تستخدم العنف غير المبرر ضد مواطنيها ما لم يرتكبوا أفعالا تعد كفرا”، وأضاف إن “هذا الموقف المتطرف يفصل هذه المجموعة عن السلفيين الآخرين الذين يعدون العنف غير المبرر ضد المسلمين خطأ يجب عدم تجاوزه”.

المداخلة” يرفضون أيضا المشاركة في الانتخابات وغيرها مع العمليات الديمقراطية؛ باعتبار أنها تدفع للولاء لأشخاص وتنظيمات بدلا من الله، بحسب ماكريغور.

قال الصحافي تايلور لوك، إن هذه المبادئ أثبتت أنها مفيدة للحكومات “باعتبارها ثقلا موازنا ضد مجموعات المعارضة الإسلامية، وتقوي من شرعية الحكومات الدينية”.

القذافي دعا “المداخلة” إلى ليبيا خلال العقد الأول من الألفية الثانية لمكافحة تهديد الجماعة الليبية المقاتلة، التي كانت تحرض على الإطاحة بالديكتاتور الذي استمر طويلا في الحكم، أما في بداية انتفاضات (الربيع العربي) عام 2011 قام شيوخ التيار المدخلي بإصدار الفتاوى التي تحذر من أن الثورة ضد القذافي تعد “تحريضا”، والتي تدعو الليبيين للبقاء في بيوتهم إلزم بيتك“.

، وبعد سبع سنوات، توزع أعضاء تلك الميليشيا المدخلية بين طرفي الحرب الأهلية، وتزايد دورهم كونهم عاملا حاسما في السياسية اليومية الليبية.

رغم أن “المداخلة” يدعون بـ”الأكثر هدوءً” لدعمهم للوضع الراهن، إلا أنهم أصبحوا يشكلون أكبر عامل حاسم في السياسة والحياة اليومية الليبية، في الوقت الذي يقومون فيه بتشكيل رؤيتهم الدينية للمجتمع بما يتماشى مع السياسة الخارجية السعودية في المنطقة.

وبالرغم من الصورة التي رسمها خليفة حفتر لنفسه بصفته عدوا للأصوليين المتدينين، إلا أن “المداخلة” تحالفوا معه بصفته الحليف السابق للقذافي، ويعدون ضروريين للحفاظ على سلطته في معقله برقة في شرق ليبيا، وبالتالي فما أن أطلق حفتر عملية الكرامة، وهي الحملة التي أطلقها عام 2014 لهزيمة المتطرفين في بنغازي، فإن الشيخ مدخلي أصدر فتوى لدعم حفتر ضد الإخوان المسلمين، الذين لهم علاقة بمناوئي حفتر.

قام حفتر في تلك الفترة بحل القوة المدخلية، التي كانت تعرف باسم كتيبة التوحيد وأدخلها في قواته، بحسب ما كتب أحمد صلاح علي من “أتلانتيك كاونسل”، العام الماضي.

لقد تم استيعاب القوات المدخلية تماما في كتائب ما يعرف بـ الجيش الوطني الليبيالتابع لحفتر اليوم في برقة، في الوقت الذي يقود فيه ابناه خالد وصدام بحسب المصادر المحليةالكتيبتين المدخليتين اللتين تسيطران على بنغازي، واللتين تقومان بتطبيق عقوبات عامة وإعدامات تعسفية.

وفي الوقت الذي دعمت فيه القوات المدخلية حملة حفتر في الشرق، فإن المدخليين يشكلون جزءا من القوات الأمنية لحكومة فايز السراج في طرابلس، التي تدعمها الأمم المتحدة، فهنا يشكلون جزءا رئيسيا من قوات الردع الخاصة، وعددهم 1500 رجل، ويقودهم عبد الرؤوف كارة، ويقول المراقبون إن قوات الردع تفرض نظاما صارما في العاصمة والمناطق المحيطة.

وفي ظل غياب قطاع أمني وعدلي فاعل، فإن مهمات الشرطة والاعتقال تفوض للمجموعات المسلحة المرتبطة بالدولة، فيما يتزايد عدد المجموعات المسلحة المنتمية للتوجه السلفي المدخلي، المسؤولة عن قطاع الأمن في ليبيا، والمتخصصة في إدارة مراكز الاعتقال والمخابرات.

ونقلا عن تقرير عن خبراء ليبيا في الأمم المتحدة وشهادات جمعت من الشارع، هناك شرائح من المجتمع الليبي بالذات يتم استهدافها، مثل النازحين من بنغازي، والعائلات التي ينتمي لها أعضاء في المجموعات الإسلامية المسلحة، أو أتباع الصوفية.

ونقلا عن مصدر يعمل في مطار معيتيقة في طرابلس، الذي تسيطر عليه قوات الردع، قوله: “يمكن للمدخليين أن يتهموك بأي شيء يريدونه، دون أي دليل”، وأضاف: “يسيطرون على السجون وقوات الأمن.. وبالنسبة لهم فإن حجة أن شخصا يشكل تهديدا للاستقرار أمر كاف: يتهمونك بأنك إرهابي أو مهرب، حتى لا يستطيع أحد أن يطالب بإطلاق سراحك، حيث ستكون بالنسبة للجميع مجرما”.

وقد فرضت قوات الردع في إحدى المرات في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إغلاق معرض للرسوم الساخرة، واعتقلت المنظمين؛ “لانتهاكات للأخلاق العامة”، في سجن معتيقة، الذي تسيطر عليه أيضا قوات الردع والقريب من المطار، يشتبه بسجنائه بتهريب البشر، وتهريب الوقود والسلاح والمخدرات، إلا أن عددا منهم يشتبه بكونهم منتمين لحركات متطرفة، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة.

ويضيف المصدر: “يقول كارة إنه يريد عقابهم، لكني أعتقد أنه يريد أن يغير فكرهم.. لا أحد يستطيع زيارة هؤلاء السجناء، ولا تستطيع المنظمات المحلية الوصول إليهم، أنا بصراحة لا أعتقد أنهم يريدون إعادة تثقيفهم، وأعتقد تماما بأنهم يريدون غسيل دماغهم مرة أخرى بفكرهم السلفي.. لقد استخدمت السجون دائما لهذا الهدف”.

لقد تنامت سلطة “المداخلة” في شرق ليبيا إلى درجة أنهم يستطيعون الضغط على حفتر، بحسب السكان المحليين، مشيرة إلى أن حالة محمود مصطفى الورفلي، وهو أحد قادة الجيش الوطني الليبي، والمطلوب من محكمة الجنايات الدولية، هي مثال على ذلك.

محكمة الجنايات الدولية تتهم الورفلي بإعطاء الأوامر، والمشاركة في إعدامات دون محاكمة لسجناء في بنغازي، إلا أن حفتر قد أعلن ابتداء عن اعتقاله، لكن الورفلي لا يزال طليقا، حيث تقول المصادر المحلية إن المدخليين هددوا بسحب دعمهم إن تم اعتقاله.

ونقلا عن العديد من سكان بنغازي، ذكروا هاتفيا، بأن الورفلي طليق في بنغازي، وبأنه لا يزال نشيطا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينشر صورا له وهو يستقبل أتباعه.

وفي حالة آخرى ذكرت لجنة من المتخصصين تابعة للأمم المتحدة في تقرير لها في كانون الثاني/ يناير 2017، بأن حمولة من كتب الأدب باللغة العربية مستوردة من مصر تتضمن أعمالا للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه والكاتب البرازيلي باولو كويلهو والكاتب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ، تمت مصادرتها من المدخليين في مدينة المرج.

وقد انتقد السلفيون المحليون “الغزو الثقافي” للكتب الشيعية والمسيحية وروايات الشعوذة والفقرات التي تحتوي على مشاهد جنسية، لافتا إلى أن الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر قام بعد أشهر بإصدار قرار يمنع النساء تحت سن الستين من السفر دون محرم.

وذكر الباحث الليبي بشير الزواوي، أن “المداخلة” يسيطرون حاليا على المساجد أكثر من أي مجموعة أخرى في ليبيا، ويحسنون شيئا فشيئا من أساليب دعايتهم، وأضاف: “يدير “المداخلة” 17 مدرسة إسلامية في طرابلس، وثلاث مدارس في مصراته، وواحدة في الكفرة، وحديثا بعض المدارس في درنة، ولهم كتب خاصة بهم، ولديهم نقاب خاص بهم للبنات”.

وتابع الزواوي قائلا: “يستخدمون وسائل مختلفة، بما في ذلك المحاضرات، و28 محطة إذاعة في عرض البلاد، ولهم أثر قوي على منصات التواصل الاجتماعي لنشر فكرهم المعادي للديمقراطية”، فيما بدأت المجموعة حديثا ببث المحاضرات مباشرة على “فيسبوك”.

ويضيف الزواوي بقوله: “في إحدى المرات، كان هناك 16 شيخا يتحدثون على الهاتف إلى السلفيين في سبها، أربعة فقط منهم ليبيون، والباقي سعوديون”.

***

فرانتشيسكا مانوستشي هي صحفية إيطالية عملت في التلفزيون الإيطالي منذ سنوات عديدة ، وقد كتبت لمجموعة من المجلات العالمية والإيطالية.

_____________