Minbar Libya

بقلم أحمد البصيلي

  حراك فزان” يرفع مطالب أساسية تتمثل بتأمين المنطقة بقوات أمنية وعسكرية وحماية الحدود ودعم القطاع الصحي.

معاناة إنسانية في ليبيا

لا تزال أمام الأزمة الليبية أشواط كبيرة حتى تجد حلاّ لتعقيداتها وتطرق باب الاستقرار. فما إن تظهر انفراجة في أزمة حتى يلحقها انسداد في أزمة أخرى ضمن وضع يزداد تعقيدا في ظل تدخلات خارجية كثيرة تنقسم بانقسام الأطراف الداخلية المتباينة على مختلف الأصعدة.

ومؤخرا دخل الجنوب الليبي على خط الانفجار بعدما كادت جهات عديدة تنساه، لأن الأضواء منصبة على ما يدور في العاصمة طرابلس والشرق، بينما يظل الجنوب ركنا أساسيا في المعادلة، ومن الصعوبة الوصول إلى الأمن والاستقرار في ليبيا من دون هضم هذه المنطقة الحيوية والبحث عن حلول لأزماتها بالتساوي مع الغرب والشرق.

واستفادت بعض القوى من مساحة التغافل أو التجاهل عن الجنوب لتأجيج الخلافات والصراعات، حتى اندلعت أزمة حقل الشرارة النفطي قبل أيام، ومعها بدأت تتزايد علامات الاهتمام، ما يضع تحديات جسيمة على القوى السياسية والمؤسسة العسكرية.

وقال مصباح دومة، عضو مجلس النواب الليبي عن مدينة سبها، إن ما يجري في فزان هو “تحرك مدني ووطني تم بشكل عفوي، ويمكن أن يؤدي إلى إسقاط الأجسام السياسية الحالية في ليبيا وسيكرر تجربة إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، في حال تجاهلت السلطات مطالبه”.

وكان محتجون في جنوب ليبيا أغلقوا حقل الشرارة النفطي، بسبب تراكم المشكلات الاقتصادية والأمنية وتزايد التهميش الذي يعاني منه المواطنون في الجنوب الليبي، وأطلقوا على أنفسهم “حراك غضب فزان”.

وشدّد مصباح دومة في تصريحات لـ”العرب”، على أهمية الحوار مع المحتجين وبحث تلبية مطالبهم لامتصاص غضبهم، وحل أزمات الجنوب المهمّش بشكل كامل، وتقديم ضمانات لتنفيذ تلك المطالب، في ظل حالة فقدان الثقة بين أهالي الجنوب والأجسام السياسية الراهنة في ليبيا (المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، ومجلس الدولة، ومجلس النواب).

الأمن المفقود

وأكد البرلماني الليبي أن المواطن الذي يعاني من الفقر والجوع في مدن الجنوب لن تفيد معه تهديدات أو عمليات ترهيب، في ظل تغوّل الميليشيات المسلحة وسيطرتها على مقدرات الشعب الليبي، وعدم إنصات وزراء حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج لمطالب أهالي الجنوب الليبي.

وحمّل دومة المجلس الرئاسي الليبي مسؤولية تدهور الأوضاع بجنوب ليبيا مع استمرار حالة الانقسام التي تضرب البلاد، وعدم وجود رقابة على أداء الحكومة نتيجة الخلافات السياسية، لافتا إلى أن تحرك الشباب في الجنوب عفوي وأحد أسبابه البطالة وعدم وجود عدالة في توزيع الثروة رغم توافر النفط بشكل كبير في أقاليم الجنوب.

ويعاني الجنوب الليبي من أزمات طاحنة وصراع قبلي يدوران بين بعض المكونات القبلية مثل، التبو وأولاد سليمان، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى خلال السنوات الأخيرة.

واندلعت احتجاجات كبيرة في الجنوب الليبي في يوليو من عام 2017 بسبب عدم توافر الكهرباء في المدن التي عانت على مدار أشهر من غياب مثل هذه الخدمات إضافة إلى انقطاع شبكة الاتصالات، ناهيك عن التوترات الأمنية.

يرفع “حراك فزان” عشرة مطالب أساسية لحل المشكلات التي يعاني منها الجنوب، أبرزها يتمثل في المطالبة بتأمينها بقوات أمنية وعسكرية وحماية الحدود ودعم القطاع الصحي بالتعاقد مع أطباء وأطقم طبية وصيانة المرافق الصحية ومستشفيات الجنوب وتوفير الأدوية والعقاقير الطبية.

ودعا الحراك، الذي يضم عددا من الإعلاميين والنشطاء وأستاذة الجامعات، إلى تشغيل جميع مطارات الجنوب الليبي، وتوفير السيولة النقدية لمصارف قرى ومدن الجنوب وتشغيل مصرف ليبيا المركزي، وإيجاد فرص عمل لأبناء الجنوب في كل القطاعات، وتمكين الراغبين في الالتحاق بالمعاهد النفطية أسوة بباقي المناطق وإنشاء معاهد للنفط في الجنوب الليبي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة بالجنوب الليبي، واعتبار أن مدينة أوباري مدينة منكوبة وإعادة إعمارها أسوة بمدينتي بنغازي وككلة.

واتخذت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خطا تصعيديا في التعاطي مع الأزمة الراهنة في جنوب البلاد، وأدان غسان سلامة المبعوث الأممي الاعتداءات على حقل الشرارة النفطي ومنظومة المياه في الحساونة، واصفا الحراك الشبابي بـ”العناصر المسلحة” التي تسعى لإغلاق حقول النفط بشكل قسري.

ورفض أسامة الوافي، عضو حراك غضب فزان في جنوب ليبيا، اتهامات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمؤسسة الوطنية للنفط، مؤكدا أن “الحراك يضم جميع أطياف الجنوب الليبي ولا يرتبط بأي أجسام سياسية في البلاد”.

وحمّل، في تصريحات لـ”العرب”، من مدينة سبها، الأجسام السياسية المتصارعة في ليبيا مسؤولية تهميش الجنوب الليبي الذي يعاني من مشكلات كبيرة، أبرزها عدم توافر الأمن، قائلا “أطفالنا يموتون بسبب وجود أمصال واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب”.

وأشار إلى أن سكان الجنوب الليبي يواجهون أزمات معقدة، جراء انتشار الجماعات الإجرامية وقوات المعارضة التشادية التي تمرح في مناطقهم، في ظل فراغ أمني كبير، واصفا الجنوب الليبي بـ”المنطقة الأفقر في القارة الأفريقية، لأنها لا تستفيد من الثروات الضخمة والمتنوعة التي تملكها”.

وأخذت بعض القوى الإقليمية والدولية تلتفت إلى الجنوب الليبي، عقب اتساع نطاق التحركات التي تقوم بها عناصر إرهابية ومتشددة، وفرار عدد من أعضاء داعش إليها بعد هروبهم من درنة، التي اقتحمها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

الجيش الليبي طهر المنطقة من الجماعات المتشددة

وقامت قوات حفتر بالاقتراب من الجنوب لتنظيفه من التنظيمات المتشددة، غير أنها لا تزال تحتاج إلى دعم لوجيستي كبير للتخلص من الإرهابيين هناك. ويسعى حفتر إلى التنسيق مع تشاد للحد من تحويل الجنوب إلى بؤرة لتمركز المتشددين والمعارضين من دول مختلفة، ووقف عملية تحويله إلى ممر يتحرك منه الإرهابيون إلى شمال ليبيا.

واتهم أسامة الوافي مؤسسة النفط بتخصيص موارد الجنوب الليبي لمدينة أوباري فقط، فضلا عن دحض الاتهامات المزيفة التي توجه لشباب الحراك وملاحقتهم عبر مكتب النائب العام في طرابلس، ما دفعهم إلى إصدار عدة بيانات تشمل مطالب أهالي الجنوب الليبي، وهو ما أدى إلى تضامن جهاز حرس المنشآت النفطية الذي يضم حقل الشرارة النفطي ومطالبته العمال بإغلاق الحقل.

وقلل من أهمية التحركات التي تقوم بها الأطراف الليبية وبعثة الأمم المتحدة حول الترتيب لإجراء ملتقى وطني جامع أوائل العام المقبل، لأن سكان الجنوب لا يهتمون بما يجري الآن وكل ما يتمنونه هو توفير الخدمات وسبل العيش الكريم، والأمن والاستقرار وإجراء الانتخابات لوقف الصراعات الحالية بين القوى المختلفة.

واتهم مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، ميليشيا مسلحة بإجبار الموظفين في حقل الشرارة النفطي تحت تهديد السلاح على إغلاق وإطفاء الوحدات الإنتاجية، واصفا عمل هذه المجموعة بـ”الإرهابية”.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا حالة “القوة القاهرة” في حقل الشرارة النفطي. وأكدت أنها لن تشارك في أي مفاوضات مع الميليشيات وعدم استعدادها لتقديم تنازلات، خاصة بعد استخدام العنف وإهانة العمال وسرقة هواتفهم، وأنها ارتكبت خلال الأشهر الماضية الكثير من الجرائم، بما في ذلك العنف ضد الموظفين والسرقات وتعطيل الإنتاج، محذرة من أن إغلاق حقل الشرارة يكبّد البلاد خسائر يومية تقدر بـ32.5 مليون دولار.

ويدلّل الوضع المتأزم في الجنوب الليبي على حزمة جديدة من التحديات تضاف إلى خطة غسان سلامة بشأن رهانه على نجاح المؤتمر الجامع، كما أنه يضع القوى الليبية المختلفة أمام تهديد لا يقل ضراوة عما يجري في طرابلس، ما يفرض على القوى المعنية بالأزمة إعادة النظر في بعض الترتيبات الكفيلة بمعالجتها، لأن انفجار البركان في الجنوب كفيل بالعصف بالكثير من الطموحات.

______________