Minbar Libya

بقلم د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

تبحث هذه الدراسة في مدى إمكانية معالجة أزمة النزوح والتهجير في ليبيا بالاعتماد على عملية المصالحة الوطنية، باعتبارها مقاربة لمعالجة التركة التي خلفها النظام السابق.

الجزء الرابع

مسار المصالحة الوطنية وانعكاساتها على نازحي تاورغاء الليبية

يمثل النزوح الجماعي التحدي الرئيس أمام إعادة أي بناء للتماسك الاجتماعي الليبي في مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي، وهو ما يعد أحد أهم الملفات الشائكة والمعقدة التي تواجه عملية المصالحة الوطنية في ليبيا.

في ظل غياب المعالجة الفعالة لمسببات النزاع في ليبيا، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان وظاهرة الإفلات من العقاب، تجدد الإقتتال في عام 2014، في عدة مناطق في ليبيا، وقد تسببت هذه النزاعات في خسائر في الأرواح ضمن المدنيين، مما أجبر الألاف من السكان المدنيين للنزوح عن ديارهم، واتخذوا من المباني العشوائية والمخيمات مسكنا لهم.

واستمر النزوح الداخلي في كثير من المدن والمناطق الليبية لفشل أطراف النزاعات المسلحة في احترام حقوق السكان المدنيين، بما في ذلك الخطوات اللازمة لمنع النزوح، وهو ما نتج عنه أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة والتعقيد، حيث كثيرا ما عانى الأشخاص الذين يعيشون أوضاع نزوح طويلة الأمد عمليات نزوح مستمرة، ثانية وثالثة في المناطق التي نزحوا إليها، فمتى ما توقفت حرب، أو أعلنت هدنة ما يلبث النازحون بالعودة إلى مدنهم وأماكن سكناهم، حتى تشتعل حرب أخرى في مكان آخر تكون أشد وأنكى من سابقتها.

وحسب وزارة الهجرة والنازحين في ليبيا فإن أكثر من مليون ليبي يعيشون حالة نزوح داخليا منذ عام 2011، وحتى الآن. وعلى الرغم من أن كثيرين عادوا إلى البلاد منذ ذلك الحين، إلا أن أعدادا كبيرة من الليبيين لا زالوا يعيشون في تونس ومصر والجزائر وهم غير مسلجين رسميا كلاجئين.

تشكل أزمة نازحي مدينة تاورغاء الحالة الأكثر دراماتيكية عن النزوح في ليبيا، فقد أقدم مقاتلو تاورغاء المؤيدين لنظام القذافي على ارتكاب انتهاكات جسيمة وخطيرة بحق أهالي مدينة مصراتة، من قتل ممنهج واغتصاب خلال حصارهم الذي فرضوه على المدينة خلال مارس 2011 والذي استمر لمدة شهرين.

لكن بعد سقوط نظام القذافي وجد ثوار مصراتة الفرصة سانحة، فأجبروا جميع سكان تاورغاء البالغ عددهم 42 ألف نسمة، على مغادرة المدينة التي أضحت مهجورة بالكامل. ويعيش معظم سكان توارغاء في ثلاثة مخيمات، في حين لجأ آخرون إلى مدن أخرى وفروا خارج البلاد.

تاورغاء هي إحدى المدن الليبية تقع شرقي مدينة مصراتة، وتبعد عنها مسافة تقدر بـ 40 كيلومتر، وتشتهر المدينة بإنتاج التمور، ويوجد بها مصنع لإنتاج الحليب ومشتقاته، ومصانع للأعلاف، إضافة إلى مشروع زراعي للمواطنين.

وبحسب فريد أبراهامزالمستشار الخاص لمنظمة هومن رايتس ووتش أن ثوار مصراتة ربما ذهبوا أبعد من ذلك، حيث تمت ملاحقة أبناء تاورغاء، واعتقالهم، وتعذيبهم، وقتلهم، فضلا عن التدمير المنهجي للمباني السكنية والتجارية والصناعية في المدينة بعد توقف القتال لمنع عودتهم.

ويقول علي التاورغي المتحدث باسم مخيم نازحي تاورغاء في جنزور غربي طرابلس العاصمة، أن أبناء تاورغاء أصبحوا الآن ضحايا الأعمال الوحشية، ويضيف نحن بحاجة إلى كشف حقيقة الانتهاكات التي ارتكبت بحق أهالي مدينة تاورغاء بعد الثورة، إذ لم يعد هناك عدالة انتقالية، هناك عدالة واحدة فقط لا غير عدالة المنتصر.

تجدر الإشارة إلى أن العديد من نازحي مدينة تاورغاء لم يتواطؤوا مع نظام القذافي وأجهزته الأمنية، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كون معظم المتهمين أو المتورطين بارتكاب انتهاكات جسيمة وخطيرة خصوصا الذين كانت تربطهم علاقة مباشرة مع النظام السابق، قد فروا إلى الخارج بعد انهيار الأمن، لخوفهم من أي ردات فعل انتقامية، أم البعض الآخر، فقد تم إلقاء القبض عليهم ودخلوا سجون الثوار، لاسيما في المدن الكبرى، مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة وغيرها. اللافت للنظر أن النازحون في المخيمات أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين، الذين لا ذنب لهم بجرائم النظام السابق، لذا فمعاناة هذه الشريحة تعد بمثابة عقاب جماعي.

لقد استمرت بعض المجموعات المسلحة التابعة لمدينة مصراتة في منع أهالي تاورغاء من العودة إلى ديارهم، رغم إعلان حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج في 19 يونيو 2017، أنها صادقت على اتفاق، بوساطة الأمم المتحدة، بين مدينتي مصراتة وتاورغاء لإنهاء خلافاتهم والسماح لسكان تاورغاء من العودة إلى ديارهم. لكن ذلك لم يحصل، واستمرت الميليشيات المسلحة من مصراتة في تعنتها التي تحتج على عدم حصولها على التعويضات المالية المتفق عليها، ما بدد آمال العائلات وألقى بظلال من الشك على تسوية جرى التفاوض بشأنها طويلا، وأظهرت مجددا كلفة الحياة في بلد يحكمه مسلحون دون حسيب ولا رقيب فيما يبدو.

من جانب آخر، تعدّ تاورغاء بالنسبة لمصراتة خاصرة أمنية رخوة ينبغي التعامل معها بكل حزم. ويبقى صراع تاورغاء ومصراتة من التركة القديمة التي خلفتها ثورة فبراير، لما شابها من انتهاكات جسيمة وخطيرة شملت القتل والتعذيب والاغتصاب، هذا فضلا عن التمييز العنصري.

هناك العديد من أبناء تاورغاء يؤمنون بأن العنصرية تعدّ أحد الأسباب الرئيسة وراء المحنة التي يواجهونها، إذ ينحدر سكان تاورغاء من غرب أفريقيا الذين يتميزون بالبشرة السمراء الداكنة أكثر من غالبية الليبيين. وعلى الرغم من أنهم عاشوا في البلاد على مدى قرون ويتحدثون اللغة العربية ويدينون الإسلام ويعيشون جنبا إلى جنب مع باقي الليبيين قبل الثورة، إلا أنهم يعتقدون بأنهم قد وضعوا في خانة التبعية، شأنهم شأن المرتزقة الأفارقة السود الذين جندهم القذافي للقتال إلى جانب كتائبه خلال فترة الصراع.

وفي السياق ذاته، فقد دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حكومة الوفاق الوطني الليبية إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية النازحين من أهالي تاورغاء من مزيد من النزوح والتعذيب وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك في أعقاب التهجير القسري لنحو 2000 شخص من مخيم طريق المطار في العاصمة طرابلس وهو أكبر مخيم للنازحين داخليا، ويستضيف 370 عائلة من مدينة تاورغاء منذ عام 2011.

يوافق الجميع وليس أقلها النازحون أنفسهم ولاسيما المتعاطفون مع النظام السابق على أن الحل يكمن في عودتهم إلى ديارهم عندما تسمح الظروف بذلك، خاصة في حال سيطرت الدولة على الأمن الداخلي مع ضمان أنهم لن يتعرضوا لأعمال عنف عشوائية وانتقامية.

صحيح أن أزمة تاورغاء تعدّ الحالة الأكثر تعقيدا من بين جميع حالات النزوح في ليبيا، إلا أنها ليست الوحيدة، وعلى سبيل المثال، يعود الصراع القبلي في جبل نفوسة بين قبيلة الزنتان ( التي انضم أهلها إلى الثوار) وقبيلة المشاشية (التي أتهم أهلها بالوقوف إلى جانب النظام السابق) إلى نزاعات على الأراضي من الحقبة الاستعمارية.

ومنذ منتصف عام 2014 وبعد انطلاق عملية الكرامة في مدينة بنغازي، فقد أسفرت الاشتباكات بين ميليشيات الجيش الوطني الليبي ومجلس شورى ثوار بنغازي عن موجات نزوح كبيرة من المدينة، ووفقا للمجلس البلدي بنغازي فقد هجرت قسريا حوالى 3700 عائلة، وبحثت عن مأوى لها في المدن الغربية مثل طرابلس ومصراتة وزليتن والخمس، عندما هاجمت مجموعات مسلحة ديارهم واستولت عليها أو أحرقتها بعد أن اتهمتهم بالإرهاب.

كما أظهرت العديد من الفيديوهات خلال العام 2017 على وسائل التواصل الاجتماعي تورط على ما يبدو، مقاتلين من ميليشيات قوات حفتر في إعدامات خارج إطار القانون والتمثيل بجثت المعارضين الذين أسروا في شرق البلاد.

ومع الاعلان عن عملية الكرامة لحفتر ثم انطلاق عملية فجر ليبيا في طرابلس في عام 2014، واتساع رقعة الاشباكات لتشمل مدنا عدة سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب الليبي، ما نتج عنه تضاعف العدد الكلي للنازحين في ليبيا يمعدل أربعة أضعاف ليصل إلى مستوى تاريخي في منتصف عام 2015. وتشير التقديرات إلى أن 450 ألف شخص فروا من منازلهم بحثا عن الأمن والسلامة ويعيش حوالي 100 ألف منهم في مساكن جماعية في العراء أو في مبان بدائية مثل المدارس غير المكتملة أو في المخازن الخالية، ويعق أكبر عدد من النازحين في بنغازي وطرابلس والجبل الغربي والزاوية ومصراتة.

كما أدت الاشتباكات في مناطق ورشفانة إلى نزوح معظم سكان المنطقة الشاسعة، وفي الوقت نفسه كانت هناك اشتباكات على طول الساحل الليبي الممتدة من الزاوية إلى زوارة وفي جبل نفوسة بين قوات فجر ليبيا والقوات المحسوبة على عملية الكرامة في المنطقة الغربية.

ثم حرب ككلة ونزوح كامل لسكانها، وأخيرا نزوح أهالي مدينة سرت لا سيما بعد سيطرة تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية “داعش” بشكل كامل على المدينة، وأوضح التقرير أن طرابلس استقبلت العدد الأكبر من النازحين الذين يبلغ عددهم 126 ألف نازخ، فيما سجلت بنغازي ثاني مدن ليبيا نحو 110 ألف نازح.

والحال لا يختلف كثيرا في مدينة سبها جنوب ليبيا، فقد أسفرت الاشتباكات المسلحة بين قبائل أولاد سليمان والتبو والطوارق، إلى نزوح أكثر من 4500 شخص موزعين على اكثر من 300 عائلة، في ظل عجز الحكومات الليبية ولجنة الأزمة عن تقديم المساعدات لهم.

وبحست تقرير وكالة الأمم المتحدة للهجرة، بدأت تتقلص أعداد النازحين الليبيين منذ أواخر عام 2017، وبرجوع السكان إلى المناطق التي نزحوا منها لا سيما مدينتي سرت وبنغازي وغيرها من المدن التي تعرضت لأزمة كبيرة، لكن سرعان ما أخذت أعداد النزوح تتصاعد في مناطق أخرى، حيث تسببت الاشتباكات التي اندلعت في 17 أغسطس 2018، بين مجموعات مسلحة في العاصمة طرابلس ومحيطها إلى نزوح الألاف من السكان، وقال يوسف جلالة وزير الدولة لشؤون النازحين والمهجرين أن عدد النازحين تجاوز الـ 5 آلاف عائلة، أي ما يقارب 25 ألف نازح، إلى بلدات مجاورة أو البحث عن مناطق آمنة داخل العاصمة، وذلك وفق وزارة شؤون النازحين.


البقية في الجزء التالي

سنتناول في الجزء التالي المحور الرابع التحديات التي تواجه النازحين داخليا في ليبيا

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخرئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

نشر البحث في مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل : العدد الرابع كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي “ألمانيا –برلين” . وتُعنى المجلة بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية وكافة القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية ودول حوض النيل.

____________