Minbar Libya

مبادئ الدستور .. مع عرض لما تضمنه مشروع الدستور الليبي

 بقلم هشام زكاغ

يقدم هذا الكتاب عرضا تحليليا ومختصرا لمبادئ الدستور، ولما يتضمنه مشروع الدستور الليبي الصادر. وهو يهدف للإسهام في التوعية الدستورية التي تشكل أحدى الأولويات المرتبطة باستحقاق الاستفتاء الدستوري فالحكم على مخرجات المشروع واتخاذ مواقف منها يتطلب ابتداءً فهما جادا وحوارا متأنيا حول موضوعات الدستور المختلفة وكيفية تناولها في المشروع المقترح من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.

يتضمن الكتاب قسمين، يتناول أولهما دراسة الأساسية الأولى لفهم الدستور مع قراءة لتلك المفاهيم والمبادئ ضمن مشروع الدستور الليبي. أما القسم الثاني فيتضمن استعراضا للمضامين الأساسية للدساتير وكيف تعرّض مشروع الدستور الليبي لتلك المشتملات.

ختاما، تُمثل المعرفة الدستورية الزخم والإلهام الكفيلين بمنح الاستحقاق الدستوري إيمانا لدى المواطنين. وهو الإيمان الذي يجعل الدستور آكثر صمودا واستقرارا.

القسم الأول

المفاهيم العامة للدستور مع قراءة لتلك المفاهيم على ضوء مشروع الدستور الليبي

أولا: ما هو الدستور؟ ولماذا الدستور؟

أـ الدستور وثيقة لبناء السلام

قد تُشبه الثورات والحروب الأهلية وحركات التمرد الواسعة إلى حد ما حركات العواصف الاستوائية المدمرة أو البراكين القوية أو الزلازل العنيفة.

إن أعظم الدساتير التي وجدت عبر التاريخ كانت بعد عواصف استوائيةأو من أجل تجنب وقوعها. لقد كان أولئك الأباء المؤسسين وأعين بأهمية إنشاء وثيقة تؤسس لسلم وطني يجنّب الدولة والمجتمع حدوث عواصف استوائية، كما أنه يقع التفكير في كتابة دستور جديد عند قيام دولة على أسس مستحدثة أو عند الإنفصال عن دولة قائمة أو عند انقسام هذه الأخيرة إلى دولتين أو أكثر كما يقع ذلك لسن دستور جديد عند تخلص دولة من سيطرة استعمارية أجنبية.

يقدم هذا المدخل مقاربة في فهم الدستور من خلال تعريفه بأنه وثيقة لبناء السلم، ومعالجة الإنقسامات الداخلية سياسية كانت أو ثقافية أو جهوية أو غيرها، ليتمكن أبناء المجتمع الواحد من العيش تحت سقف واحد بعد الاتفاق على مجموعة من القيم المشتركة.

ب ـ الدستور ميثاق للحكم

إن فكرة بناء السلم لا تكون فقط بالاتفاق على القيم المشتركة التي تجيب على سؤال من نحن؟“. وإنما بالجواب عن سؤالين مركزيين آخرين، هما: “كيف نُحكم؟”. و ما هي ضماناتنا تُجاه من يحكمنا؟” “.

إن هذه الأسئلة تمكننا من تقديم تعريف ثان للدستور على نحو يكون فيه الوثيقة التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، والسلطات الحاكمة في الدولة، والعلاقة بين هذه السلطات، وضمانات المحكومين تُجاه هذه السلطات.

هذا التحديد يشكل مدخلا لبناء السلم والاستقرار، ويجعلنا أمام مرجع يحدد عمل وشكل وصلاحيات السلطة. ودون هذا التحديد سيظل السلم الأهلي مهددا دائما. فالسلطة بطبيعتها تجنح وتتوسع وتتغول.

لكن الدستور يحددها ويضبطها. ويرسم حدودها فلا تتغول على سلطة أخرى. أو على حقوق وحريات الأفراد من جهة أخرى فإن تحديد وتنظيم السلطة يبعد الدولة عن السقوط في صراعات سياسية مدمرة. فرئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والأغلبية والمعارضة والجيش تمثل كلها مؤسسات تعمل وفق الدستور وفي إطاره وهي ملزمة دستوريا بعدم تجاوز حدودها.

يمكن القول إذن أن الدستور يحول دون حدوث الإضطرابات والصراعات السياسية المدمرة، وهو كذلك يجنب الدول الوقوع في حالات من الفراغ. وذلك حين يجيب على فرضيات تتعلق بعجز بعض المؤسسات الدستورية عن القيام بعملها لأي سبب من الأسباب. إنه باختصار يعقلن السلطة إذ يجعل لها حدودا وضوابط لا يحق لها قانونا تجاوزها.

ت ـ الدستور وثيقة حقوقية

إن الدولة تعد مؤسسة هامة لا يمكن لها إنجاز مهامها دون أن تحظى بسلطة غير أن الإنسان ميّال إلى التعسف في استعمال هذه السلطة متى كانت مطلقة لذلك وجب تقييدها من خلال رسم حدود لها يكون فيها احترام الحقوق والحريات هو الفيصل.

إن هيبة السلطة وفعالياتها لا يجب أن يكونا على حساب الحقوق والحريات، لذلك يأتي الدستور أيضا لدسترة هذه الأخيرة في مقابل تنظيم الحكم والسلطة.

وهو في الواقع بتضمينه لتلك الحقوق والحريات يعمد إلى جعلها ديمقراطية وبالتالي ممثلة لحكم الأغلبية ومحترمة لحقوق الأقليات ويصح تبعا لذلك أن نقدم مفهوما ثالثا للدستور بأنه:

توازن بين السلطة والحرية

لقد أصبح بالإمكان اليوم تعريف الدستور بأنه وثيقة حقوقيةفهو يضمن الحقوق والحريات ويهيئ ضمانات لحمايتها، ويبين أين تقف السلطة، وما هي الحقوق المحفوظة للإنسان تُجاهها.

ثانيا: تصميم الدستور

أ ـ نظرة عامة في تصميم الدساتير

لقد تحدثنا آنفا عن الدستور باعتباره يشكل توازنا بين السلطة والحرية. هذا التوازن عادة ما يظهر منهجيا في تصميم الدستور من خلال تقسيمه إلى محورين رئيسين هما: محور الحقوق والحريات ومحور السلطة.

ويسبق في العادة هذين المحورين تقديم يتضمن ديباجة ومبادئ عامة. كما قد يختم الدستور بأحكام ختامية أو انتقالية.

التصميم الجيد للدستور يُعمل دائما مبدأ الفصل بين السلطات

ويترجم التصميم الشكلي للدستور عددا من الأفكار الأساسية في الدستور الديمقراطي لعل أهمها إحداث توازن بين السلط توازن بين السلط وتحقيق مبدأ الفصل بينها، فتنظيم عمل كل سلطة في باب أو فصل مستقل يؤكد على أن سلطات الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تجتمع في فرع واحد وأن كل سلطات الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تجتمع في فرع واحد وأن كل سلطة تضطلع بمهامها بشكل مستقل.

وهو ما يعد أداة للحماية من الاستبداد ويؤكد المحور الخاص بالحقوق والحريات على فكرة أن الدستور هو وثيقة لإحداث التوازن بين ضرورة توفر السلطة وضمان الحقوق والحريات وحمايتها.

ولهذا الاعتبار نجد أن عددا من الدساتير تميل إلى جعل باب الحقوق والحريات يقع قبل باب الحكم والسلطة في تصميم دستورها، تعبيرا منها على أولوية الحقوق والحريات.

إن التصميم الدستوري يعبر إذا عن فكرة أنه لا دستور ديمقراطي بدون فصل السلطات، لكن أيضا لا دستور ديمقراطي بدون منظومة للحقوق“.

إن تكريس المعايير الديمقراطية ليس وحده المعتبر في البناء الشكلي للدستور إذ لا بد أيضا من من ضمان فاعلية هذه المعايير وتحصين بعض موضوعاتها من التدخل المستقبلي من قبل المشرع. لذلك باتت الدساتير تميل في تصميمها لإدراج عدد من المحاور الأخرى لمنحها سموا نابعا من فكرة الدستور وقدرا من الثبات والاستقرار لا يتوافر عادة في التشريعات والقوانين العادية. ومن تلك الموضوعات: الحكم المحلي، المؤسسات الدستورية، الحكومة أو الحاكمة، الأحكام المالية والاقتصادية..

ب ـ تصميم مشروع الدستور الليبي

لم يخرج مشروع الدستور الليبي عن الإطار العام في تصميم الدساتير. فقد تضمن تصميمه هو الآخر محاور تتعلق بتنظيم السلطة والحقوق، بالإظافة إلى محاور أخرى رأى أن لها أهمية معتبرة فضمنها في بنوده. وقد احتوى مشروع الدستور الليبي على 12 بابا، وذلك على النحو التالي:

1ـ شكل الدولة ومقوماتها الأساسية، 2ـ الحقوق والحريات، 3ـ نظام الحكم، 4ـ السلطة القضائية، 5ـ المحكمة الدستورية، 6ـ الحكم المحلي، 7ـ الهيئات الدستورية المستقلة، 8ـ النظام المالي، 9ـ الثروات الطبيعية، 10ـ الجيش والشرطة، 11 الأحكام الانتقالية، 12ـ أحكام عامة.

يتبع في الجزء التالي ويتضمن المحور الثالث من القسم الأول وهو طرق وضع الدستور والحوار المجتمعي“.

_______________

H2O منظمة شبابية ليبية غير ربحية اتخذت من الرمز الكيميائي للماء إسما لما له من خصائص تعد مبادئ لعملها كالشفافية والنماء