Minbar Libya

 بقلم علي عبداللطيف اللافي

مما لا شك فيه أن بعض وسائل اعلام عربية وخاصة المصرية والاماراتية وبناء على اعتماد منهجيتي “التفكيك والتركيب” و”الهدم والترميم”، قد ساعدت اللواء المتقاعد خليفة حفتر على الصمود في الساحة السياسية والعسكرية طويلا رغم تعدد أخطائه القاتلة وهزائمه الميدانية والسياسية وعدم القدرة على الوصول الى أهدافه المرحلية والاستراتيجية،

ولكن ما هي أسباب تقلص محيط أنصاره وحلفائه، وماهي ترتبات ذلك في أفق المؤتمر الوطني الجامع؟

حول تقلص المحيط المقرب والاستشاري لحفتر

رغم أن حفتر مثل غيره من السياسيين الليبيين له وعليه، إلا أن الذين يعرفونه في ليبيا أو عايشوه في التشاد والسودان وأمريكا وفي مؤتمرات المعارضة الليبية في عقد التسعينات، يعرفون أن الرجل لا يؤمن الا بنفسه وأنه ينقلب حتى على أقرب المقربين منه، بل ويؤكدون أنه يُتوقع منه أي ممارسة مهما بدت غريبة للبعض على غرار بعض ممارسات أتاها أثناء اشرافه على الجناح المسلح لجبهة الإنقاذ في بداية التسعينات، كما أنه كان سببا مباشرا في كشف محاولة الانقلاب على القذافي والذي عرف بانقلاب ورفلة سنة 1993.

ومنذ إطلاق عملية الكرامة سنة 2014 ورغم أن حفتر قد انجز خطوة مهمة وأساسية وهي وأد مشروع الفدرالية في برقة إضافة الى المساهمة المباشرة او غير المباشرة في تقلص حضور التيارات الإرهابية في ليبيا (رغم نقاط الاستفهام في سكوته على ترك الإرهابيين يسيرون 800 كلم من درنة الى سرت)، ندم عديدون على مساندة حفتر وابتعدت أطراف عدة اضافة الى ابتعاد أطراف كانت تلعب دور استشاري دون اغفال أن جزء من مداخلة الشرق الليبي قد اعتبروا أخيرا أن عقيلة صالح هو ولي الامر.

ويُكرر حفتر اليوم في فعله السياسي والاجتماعي سياسات القذافي بغض النظر عن تواصل ايمانه من عدمه بمنطق استنساخ التجربة المصرية في ليبيا أي ان يكون “سيسي ليبيا”، أو إعادة انتاج القذافي مجددا أي العمل الخفي والمعلن على خيار القذافي2 ، فرجاله المقربين منه يبرزون عبر القيام بأدوار رئيسية ليختفوا من الأنظار ثم يُعاد بعضهم للواجهة مجددا ويُغيب آخرون تماما من المشهد وذلك يصح على أحمد العريبي والذي قادم بأدوار عدة وترأس جهاز المخابرات في الشرق الليبي قبل أن يتم إيقافه مع نجله مما تسبب في مسيرات واحتجاجات لقبيلة العريبات.

ومعلوم أن حركة ايقافات قد تمت منذ أسابيع وشملت عسكريين وقياديين في الكرامة وحكومة الثني، كما اختفى الظهور العلني لـ”الجروشي” و”الناظوري” و”عبدالباسط البدري(السفير السابق في السعودية) والذي لعب دور المستشار السياسي لحفتر .

وقام البدري بمهام عدة على غرار محاولة وساطة بين وفد من مصراتة وحفتر خلال يونيو الماضي، كما استغل بدري علاقة قرابة تربطه بأحد أقربائه من شباب الاخوان لإجراء محاولة وساطة بين حفتر والاخوان في مارس الماضي، وفي بداية نوفمبر اختفى البدري من محيط حفتر في صمت ومعلوم أن تقارير أكدت أن محيط حفتر أصبح في أغلبه (وليس كله) يتكون من مسؤولين محسوبين جميعا على قبيلة الفرجان وذلك ليس خافيا على أحد في الشرق الليبي.

ومن ناحية المستشارين المهمين ابتعد محمد بويصير والذي انسحب كما هو معلوم لينتقد لاحقا حفتر في أكثر من مناسبة متهما إياه هو ومحيطه الحالي بالقصور الفكري والسياسي.

واضافة الى كل ذلك انسحب عديدون من محيط حفتر في صمت وبحثوا عن مأمن في الخارج أو بعيدا عن الرجمة لان الآخرين تم حرقهم سياسيا بأشكال مختلفة او تم وضعهم تحت الإقامة الجيرية أو حتى ايقافهم بتهم ملفقة بناء على انهم في الحقيقة أمدوا منظمات أممية وحقوقية بمعطيات حول الوضع في الشرق الليبي وحول تصرفات أبناء حفتر (تقرير الأمم المتحدة ذا 200 صفحة مثالا للذكر لا الحصر)

نعمان بن عثمان” من داعم لحفتر الى مُنتقد لاذع له

في خطوة جديدة أكد بن عثمان (وهو رسميا رئيس ما يسمى مؤسسة “كويليام” الدولية للأبحاث)، أن “اللواء المتقاعد خليفة حفتر يعلم يقيناً بأن صراخ صفحات الفيس بوك وصفحات الرجمة على الفضاء الإلكتروني لن تنقذه مما هو قادم، كما نشر بن عثمان في تغريدة له على حسابه الرسمي في “توتير” قائلا: إن “حفتر تمنى لقاء السراج في الاْردن فلم يحظى به، وفهم متأخراً كعادته بأن مصالح فرنسا أكبر منه فقفز باتجاه القارب الإيطالي بحثاً عن بوليسة تأمين ولا يعلم بأنها تحتاج إلى ختم طرابلس”.

كما أضاف بن عثمان، أن “من أسوء الأوراق التي لعبها حفتر في إيطاليا هي محاولته التي أدهشت الطليان أنفسهم عندما قدّم لهم صورة سلبية للغاية عن الطوارق والتحريض ضدهم، وأكد للطليان بأنه قادر على إنهاء خطر الطوارق إذا ساعدوه بالسلاح والدعم”.

وأشار بن عثمان، إلى أن بعض المحللين الأمنيين يعتقدون بأن حفتر في أمس الحاجة لمعركة وحرب وصراع ساخن، لأنه بدون ذلك بدأ يفقد أهميتها تدريجياً نتيجة ضعفه في عالم السياسة، حسب قوله.

وتابع رئيس مؤسسة “كويليام” الدولية للأبحاث: “لذلك دخل على صناعة معركة الحدود الجنوبية والهجرة غير شرعية، وجعل الطوارق الهدف البديل للإرهابيين”.

وأكد نعمان بن عثمان، أن الجهود الوطنية الحالية المبذولة تتركز على حماية القوات المسلحة الليبية ورئاسة الأركان وفروع القوات المسلحة التي تشكلت خلال السنوات الماضية بالنضال التشريعي في البرلمان وجهود ودماء ضباط وضباط صف القوات المسلحة، كما أضاف في سياق تغريداته على “توتير” التي هاجم فيها اللواء المتقاعد خليفة حفتر بعد ما كان من أشد مناصريه، على أن الجهود مركزة على حمايتها من عبث ومغامرات مافيا القيادة العامة التي يرأسها حفتر، على حد تعبيره.

في أسباب انحسار حلفاء حفتر

لابد من التأكيد أن نخبا ليبية عديدة موظفة سابقا في نظام القذافي ومن رجال العديد من حلفاء ليبيين لدول عربية وأجنبية من مثقفين واعلاميين ورجال اعمال واعيان في المدن الكبرى والقبائل الليبية، قد جُندت وجمعت لصالح حفتر وعملية الكرامة تحت لافتات محاربة الإرهاب وأجندات أخرى عديدة تهاوت خلال السنوات الثلاث الماضية مما جعل البعض يتراجع في حماسه لحفتر والكرامة ويبتعد باشكال مختلفة وعلى فترات زمانية.

أصبح دور حفتر رغم تضخيم الاعلام المصري والاماراتي منذ نهاية 2017 هامشيا ومحكوم بالنهاية التراجيدية وسيتبين بعد أشهر من الآن أنه مُجرد آلية من آليات إيجاد حل سياسي بين الجهتين الشرقية والغربية وسيكون رقما ضمن اللعبة القادمة بشروط الآخرين وليس بشروطه التي طالما أملاها على حكومة “الثني” وبرلمان طبرق…

في قراءة لما يجري خلال الأيام الماضية وبغض النظر عن تطورات الأيام والاسابيع القادمة في أفق المؤتمر الجامع، فان البعض بحث عن موقع خارج محيط حفتر وبعيدا عن مربعاته ومربعات حلفائه اختيارا أو اضطرارا، وهو يعني نهاية فعلية لعملية الكرامة رغم التلويح بالعمل على سيناريوهات لم تعُد ممكنة بما فيها خطة الالتفاف على العاصمة والتي أصبحت مجرد حلم في ذهنية حفتر وبعض مستشاريه المقربين.

عمليا تفكك الفريق القريب منه بأشكال مختلفة وحتى عدد المقاتلين لم يعد يتجاوز الـــ600 فرد إضافة الى تقلص عدد المُجيشين من طرف القبائل البدوية المناصرة له في الشرق الليبي (نزول العدد المحتمل تجييشه من 3000 شخص الى 1200 شخص)، كما أن الحصول على مرتزقة أفارقة لم يعد ممكنا وفي أقصى الحالات لم يعد ممكنا أكثر من 1000 شخص بعد فشل صفقة بحث عنها حفتر مع اطراف سودانية معارضة، وهو ما يفسر عمليا أن حفتر قد التقى في روسيا مع تاجر روسي مختص في المجال (يومي 07 و08 نوفمبر الماضي).

*****

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب وباحث من تونس

______________