Minbar Libya

الملخص التنفيذي

يرصد هذا التقرير القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية لليبيا. في البدء، يحدد التقرير ويصف القضايا، قبل أن يتعرض للاستجابات التشريعية الرئيسة والبيئة السياسية التي صدرت فيها هذه الاستجابات، ثم يعقب بتقويم هذه الاستجابات في ضوء مدى قابليتها للتطبيق، من ناحية، ومدى تعزيزها للمصالحة، من ناحية أخرى.

وينتهي التقرير بمقترح رؤية لهوية وطنية جامعة، ومقترحات سياسة وتشريع تكفل ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي.
تشكل المسائل الإثنية والدينية والسياسية المحاور الرئيسة في شاغل الهوية الوطنية، الذي يركز على ما تثيره هذه المحاور من قضايا. فهذا الشاغل يتقصى تحديدا، قضيتين في كل محور؛

في المحور الديني: مكانة الشريعة في التشريع، وحرية التمذهب؛ وفي المحور السياسي: رموز الهوية الوطنية، والمشاركة السياسية؛

وفي المحور الإثني: ترسيم لغات المكونات الثقافية، وعدم التمييز ضدها.

غير أن اختيار هذه القضايا لم يجئ نتيجة تحليل نظري لمفهوم الهوية الوطنية ومقوماتها فحسب، بل جاء كذلك وأساسا بسبب مخاوف عبّرت عنها جماعات التركيز.

وكان السؤال الرئيس الموجه إلى هذه الجماعات يستفسر عن المخاوف المتعلقة بالهوية الوطنية التي يرون أنّ من شأن الفشل في تبديدها أن يعرقل مساعي المصالحة الوطنية.

وقد طُلب من عناصر جماعات التركيز عرض رؤاهم في أمثل السبل التي تضمن تبديد مخاوفهم والحفاظ على مصالحهم. وقد نُقلت هذه المخاوف والرؤى إلى رعاة المصالح المعنيين، رسميين وغير رسميين، في لقاءات معمقة أجريت معهم بغرض التعرف على مواقفهم من التشريعات المتعلقة.

غير أننا قمنا أيضا برصد الاستجابات غيرالتشريعية، سواء أاتخذت شكل سياسيات وقرارات صادرة عن مؤسسات رسمية لا تحتمل وصف التشريع، أم صدرت عن مؤسسات غير رسمية، كالقيادات التقليدية، بسبب أثرها المحتمل على المصالحة الوطنية.
أما فيما يتعلق بالمحور الديني، فقد تحددت القضايا في مكانة الشريعة في التشريع، ومكانة مذهبي أهل البلاد، المالكي والإباضي.

فبالنسبة إلى القضية الأولى، حصرت المواقف ذات العلاقة في موقف يدعو إلى هيمنة الشريعة، وثانٍ يدعو إلى استبعداها كلياً، وثالث ينادي باستلهامها في النظام القانوني دون استبعاد مصادر غيرها.

وفيما يتعلق بالاستجابات، رصد التقرير استجابات للموقف الداعي إلى استلهام الشريعة، ومثّله الإعلان الدستوري لعام 2011 الذي نص على أن الشريعة هي المصدر الرئيس، وهو ما ينبئ عن إمكان استلهام مصادر أخرى.

كما رصد استجابات معززة لدور أكبر للشريعة، ومثّلها التعديل التاسع للإعلان الدستوري الذي حصر مصادر التشريع في الشريعة، والقوانين التي أصدرها المؤتمر الوطني العام بعد إحيائه، مثل القوانين المعدلة للقانون المدني وقانون العقوبات.

ولم يرصد التقرير أيّ استجابات للموقف الداعي إلى استبعاد الشريعة.

وفي المقابل، رصد التقرير استجابات غير تشريعية هدفت إلى تحقيق هيمنة الشريعة من قبل جماعات لم تر كفاية الاستجابات التشريعية القائمة، ومثّل هذه الاستجابات غير التشريعية ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في درنة وسرت.

ويلاحظ التقرير في ما يتعلق بتقويم هذه الاستجابات، أنّ الاستجابات التشريعية للموقف الأول (هيمنة الشريعة) تثير استقطابات حادة، وتقوّض المنظومة القانونية القائمة، ولا تستجيب لمطالب قطاع يشكل أكثرية في المجتمع.

أما الاستجابات غير التشريعية فمرفوضة ابتداءً لتوسلها العنف في فرض موقفها. خلافاً لهذا، لا تثير الاستجابات المرصودة للموقف الداعي إلى استلهام الشريعة دون إقصاء غيرها من المصادر استقطاباً لكونها تعبّر، وفق ما استبين من استطلاعات الرأي العام، عن القطاع الأوسع في المجتمع، ما يجعلها معززةً لمساعي المصالحة الوطنية.
أما بالنسبة إلى قضية مكانة المذهبين المالكي والإباضي، فقد سجل التقرير موقفاً أوّلا يدعو إلى استلهام هذين المذهبين، ويقترن باعتماد المذهب المالكي لدى القائلين بهذا الرأي اعتمادُ التصوف والعقيدة الأشعرية.

كما رصد موقفاً ثانياً يدعو إلى عدم التمذهب بحجة تتبّع الدليل من الكتاب والسنة أيا كان القائل به، وتبديع التصوف، ورفض العقيدة الأشعرية، والإنكار على الإباضية.

وبالنسبة إلى الاستجابات التشريعية ذات العلاقة، رصد التقرير استجابات معززة للموقف الأول يمثّلها قانون إنشاء دار الإفتاء رقم 15/2012، وأخرى مؤيدة للموقف الثاني يمثلها القانون رقم 8/2014 الذي حلّ دار الإفتاء ونقل صلاحياتها إلى الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التي شكّلت بدورها لجنة عليا للإفتاء غلب عليها تيار سلفي رافض للتمذهب كما تدل على ذلك فتاواها ضد الإباضية والصوفية والأشعرية.

وفي مقابل هذا، يرصد التقرير استجابات غير تشريعية، بعضها معزز للموقف الأول مثل بيان رئيس المجلس الرئاسي الذي يشجب الفتوى الصادرة عن اللجنة العليا للإفتاء بعدم جواز الصلاة وراء أئمة إباضيين، وإذن الحاكم العسكري العام درنة بن جواد بفتح الزوايا الصوفية.

البعض الآخر من الاستجابات غير التشريعية التي رصدها التقرير مؤيّد للموقف الثاني، ومنها الخطاب الديني السلفي الطابع الرائج في المساجد التي يسيطر عليها أنصار هذا الفهم السلفي، وهي كثيرة.
وفي تقويم هذه الاستجابات، يذهب التقرير إلى أنه على الرغم من ترجيح أن يكون للاستجابة التشريعية للموقف الأول (استلهام مذهبَيْ أهل البلد) والمتمثلة في القانون المنشئ لدار الإفتاء صدى مجتمعي إيجابي لتوافقها مع الإرث الديني في البلاد، فإن ممارسات الدار (المتعلقة بالصوفية مثلا) أسهمت في عرقلة مساعي المصالحة الوطنية.

من ناحية أخرى، أثار قانون حل دار الإفتاء استقطابا، لأنه خلق ازدواجية في مصادر الفتوى، وبسبب سيطرة التيار السلفي على اللجنة العليا التي تم استحداثها، وقد استفزت بعض فتاوى هذه اللجنة العاطفة الدينية السائدة.
أما بالنسبة إلى المحور السياسي، فإن القضايا المتعلقة به تتمثل في رموز الدولة والمشاركة السياسية.

وفي شأن القضية الأولى، رصد التقرير المواقف التالية:

ـ الدعوة لدسترة عَلَم الاستقلال و/أو نشيده؛ اعتماد علم الاستقلال والنشيد مؤقتا إلى حين الاستفتاء عليهما؛

ـ والدعوة إلى العودة إلى العلم الأخضر ونشيد الله أكبر“.

أما في ما يتصل بالاستجابات التشريعية، فقد رصد التقرير غياب أيّ استجابات للموقف الأخير، وتعزيز بعضها للموقف الأول، مثل مسودة لجنة العمل التابعة لهيئة صياغة الدستور، وتأييد بعضها الآخر للموقف الثاني مثل مسودات مشروع الدستور لعامي 2016 و2017.

أما الاستجابات غير التشريعية، فتتمثل من ناحية أولى في استمرار الاحتفاء على نطاق واسع بعلم الاستقلال ونشيده، وفي رفع العلم الأخضر في بعض المدن والمناطق من ناحية أخرى.

وفي سياق تقويم الاستجابات التشريعية، ينطلق التقرير من أن الدعوة إلى دسترة العلم والنشيد بشكل دائم قد تصادر حقاً أصيلاً للجيل الراهن والأجيال القادمة، وأن الأَولى الجمع بين الاعتماد المؤقت لعلم الاستقلال ونشيده لما في هذا من استجابة لمطالب شعبية واسعة، والاستفتاء على العلم والنشيد لاحقا حفظاً لحق الجيل الراهن والأجيال القادمة.

وهذا ما يتحقق في موقف مسودات مشروع الدستور لعامي 2016 و2017، مع ملاحظة أن موقف الأولى أَولى بالتأييد لأنه نص على إخضاع العلم والنشيد لاستفتاء شعبي، ولم يتركهما، كما هو الحال بالنسبة لمسودة 2017، لقانون يضعه مجلس النواب.
أما في ما يخص قضية المشاركة السياسية، فقد رصد التقرير المواقف التالية: عزل كل من عمل مع النظام السابق؛ اقتصار العزل على من تلوثت أيديهم بدماء الليبيين أو أموالهم؛ لا عزل، بحيث تتاح المشاركة السياسية للجميع، ويعفى عمن ارتكب جرما في حق الليبيين.

وفي شأن الاستجابات التشريعية، تعد استجابةً للموقف الأول تشريعات مثل قانون 26/2012 بشأن تطبيق معايير النزاهة والوطنية، وقانون العزل السياسي 13/2013، وقانون 37/2012 بشأن تجريم تمجيد الطاغية بحكم أثره.

أما الموقف الثالث، فقد حظي باستجابات مثل القانون رقم 2/2015 الذي يقضي بإلغاء قانون العزل السياسي، وقانون العفو العام رقم 6/2015.

أما بالنسبة إلى التقويم، فإن التقرير ينطلق من أنّ العزل العام، الذي يعبّر عنه الموقف الأول، يعد إقصاءً، ويخلق انقساما سياسيا واستقطابا مجتمعيا، ومن ثَمّ ينبغي تجنبه.

في المقابل، فإن العفو العام المطلق، أي الذي لا يستثني مرتكبي الجرائم ومنتهكي حقوق الإنسان، عفو يخالف مبادئ العدالة الانتقالية، وقد يستثير ردوداً عنيفة تصدر عمن انتهكت حقوقهم، ويخلق استقطابا مجتمعيا يسهم في تقويض مساعي المصالحة الوطنية.
أما بالنسبة إلى المحور الإثني، فقد رُصدت القضايا التالية: ترسيم لغات المكونات الثقافية، وعدم التمييز. وسجّلت في ما يتعلق بالقضايا الأولى، المواقف التالية: ترسيم هذه اللغات، أو الاكتفاء بدسترتها بوصفها لغات وطنية يحق للمكونات الثقافية استخدامها.

وفي صدد الاستجابات التشريعية، عززت غالبيتها من الموقف الثاني، ومثّلها الإعلان الدستوري، والقانون رقم 18/2013 بشأن حماية الحقوق الثقافية واللغوية، ومقترحات هيئة صياغة مشروع الدستور المختلفة عدا مسودة صدرت عن اللجنة النوعية لشكل الدولة دعت إلى ترسيم لغات المكونات.

وبدعوى عدم كفاية هذه الاستجابات التشريعية، صدرت استجابات عن ممثلي مكونات ثقافية تبنّت الموقف الداعي إلى ترسيم لغاتها، ومنها ما سمي بالقانون رقم 1/2017 الذي أعلن عنه المجلس الأعلى للأمازيغ.
وفي تقويم الاستجابات التشريعية، يذهب التقرير إلى تأييد تلك المعزِّزة لحماية لغات المكونات الثقافية بوصفها لغات وطنية، لأنها تكفل الحفاظ على تراث هذه المكونات، وتستجيب لمطالب القطاع الأوسع منها، كما أنها قابلة للتطبيق.

خلافاً لهذا، تعد أيّ استجابة للموقف الأول (الترسيم) غير قابلة للتطبيق لأنها تكلّف الدولة مبالغ طائلة، كما أن الدعوة إلى الترسيم لا تحظى بموافقة أغلبية المكونات نفسها.
أما بالنسبة إلى قضية التمييز ضد المكونات الثقافية، فقد رصد التقرير موقفاً أوّلَ يؤكد على الانتماء العروبي، وآخر يؤكد على عدم الإشارة إلى هذا الانتماء في اسم الدولة ونشيدها وشعاراتها ومؤسساتها.

وفي حين غابت الاستجابات التشريعية للموقف الأول، تعددت تلك المؤيدة للموقف الثاني، ومنها الإعلان الدستوري، ومشروع الدستور. خلافاً لهذا، رصد التقرير استجابات غير تشريعية للموقف الأول تمثلت في استمرار التوجه الثقافي المتمركز عروبيا في مناطق واسعة من البلاد، واستمرار استخدام أسماء مؤسسات تشير إلى العروبة.

وفي تقويم الاستجابات، يذهب التقرير إلى تعارض الاستجابات غير التشريعية للموقف الأول (العروبي) مع مبدأ المواطنة المتساوية، وخلقها استقطابا، وتأثيرها سلباً على تنوع الثقافة المحلية؛ في حين تسهم الاستجابات التشريعية المعززة للموقف الثاني (عدم الإشارة للانتماء العروبي) في تعزيز المصالحة الوطنية.
ومما سبق، يخلص التقرير إلى أن الحاجة قائمة إلى رؤية جديدة لهوية وطنية، تتوسل التشريع، إضافة إلى وسائل أخرى، في مسار ترجمتها إلى واقع عملي.

وتتلخص هذه الرؤية في أنّ الهويّة الوطنية هويّة جامعة، تحترم التنوع الإثني، والديني، والمذهبي، والثقافي، والسياسي، والاجتماعي، وتقوم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، ومبادئ السلم والتكاتف الاجتماعي وتكافؤ الفرص.

***

المصدر: تقرير دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا .. الهوية الوطنيةوهو تقرير عن المرحلة البحثية الأولى حول الهوية الوطنية من مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا. التقرير صادر عن مركز دراسة القانون والمجتمع، جامعة بنغازي، ومؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع، جامعة ليدن، وبدعم من سفارة المملكة الهولندية في ليبيا

________________