Minbar Libya

بقلم سالم العوكلي

نستطيع أن نلمس في ليبيا تعددا ثقافيا، إثنيا وجهويا، أسست له مراجع تاريخية وجغرافية، وأسهمت قوى إدارة الهوية المتعاقبة، سواء أكانت غازية أم محلية، في محاولة تكريس هذا التعدد أو محوه وفق مصالحها.

فقد اعتبرت الإمبراطورية العثمانية (من القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين) ليبيا جزءا من هويتها الإسلامية وحافظت إلى حدّ كبير على تقسيمها إلى مراكز إقليمية تابعة لها، بينما اعتبر الغزو الإيطالي بتوجهه الفاشي، ليبيا شاطئ إيطاليا الرابع، ومنع إدراج اللغة العربية مادّةً في مناهج المدارس الإيطالية التي أقيمت في مدن مختلفة من ليبيا.

لم يبرز سؤال الهوية الليبية بوضوح إلا مع بداية الغزو الإيطالي، إذ لم يتناقض هذا النزوع مع الغزو التركي السابق له باعتباره غزوا يحمل الدين والعقيدة نفسها، وهو شأن يشي بأهمية الدين والعقيدة في مكونات الهوية الليبية.

أما مع الغزو الإيطالي فتحركت النخب المثقفة والقرائح الشعبية الفطرية لإنتاج خطابات هويّة موحّدة في ظلّ أدبيات المقاومة والإحساس بخطر الزوال الذي يتهدد المجتمع برمته، ولعبت الزوايا السنوسية دورا مهما في الدفاع عن اللغة العربية ونتاجها المقاوم ضد محاولات المسخ الإيطالية لخصائص هذا الكيان.
أما في مرحلة ما بعد الاستقلال فقد برز سؤال الهوية الليبية بقوة مع أوّل كيان سياسي ليبي حقيقي، وظهر كتّاب ومفكرون يطرحون سؤال الهوية والكيان طرحا ملحّا، خصوصا مع عودة النخبة المثقفة من المنافي.

وتمخّض هذا السؤال بشأن الشخصية الليبية عن مشروع السيد عبد الحميد البكوش حيال الهوية الليبية، المنفصلة والمتصلة، مع دوائر انتمائها الأخرى، العربية والإسلامية، ولاقى هذا التوجه، نهاية الستينيات، معارضةً حادة من قبل معظم النخبة الليبية التي كانت في تلك اللحظة تعيش ذروة المد القومي العربي في المنطقة.

بعد انقلاب 1969 الذي حدث في حمّى هذا الحماس القومي، أُلغي اسم ليبيا تقريبا من القاموس السياسي، وبدأت حملة تعريبها بالكامل عبر مؤرخين تناغموا مع توجه السلطة في إدارة الهوية الليبية وفق مزاج المنطقة وبإقصاء واضح للثقافات الأخرى.
أما الدور المهم للنخبة المثقفة والكتّاب والشعراء فبرز بقوة بعد هزيمة الاحتلال الإيطالي وواكب بداية هاجس استقلال هذا الكيان.

وعلى الرغم من محاولات التقسيم التي قامت بها قوّة اجتماعية محليّة وقوى دولية، فإنّ هذه النخبة نجحت في النهاية في حصول ليبيا على استقلالها ومن ثم توحيدها، وظهر مؤرخون ومفكرون وناثرون وشعراء في هذه المرحلة مثّلوا رموزا وطنية التف حولها الوجدان الليبي.

فقد برز يوسف القويري، وعبد الله القويري، المفكران العائدان من ساحة الثقافة المصرية، في تركيزهما الواضح على سؤال الكيان والهوية الليبية ملهِمين بعض الساسة بأطروحاتهما الرصينة؛ وائتلق علي مصطفى المصراتي، الكاتب والسياسي والموثق الذي سخّر جلّ جهده في التوثيق الوطني لتاريخ الثقافة الوطني وعبر تجواله في مناطق مختلفة من ليبيا.

كما برز الأديب والناقد والمترجم خليفة التليسي الذي توزع جهده بين ترجمة مراجع التاريخ الاجتماعي وتأليف مصنفات فيه، وهذا المجال المعرفي يؤكد وحدة هذا الكيان تاريخيا رغم تنوعه الثقافي، وتزداد هذه الوحدة خصوصا حين يكون الكيان مهددا بخطر خارجي.

أما الظاهرة الوطنية الأبرز فتمثلت في المفكر المشاكس الصادق النيهوم، الذي نبش في أعماق الشخصية الليبية وتكوينها الثقافي، إضافة إلى إنجازه موسوعة تاريخناالتي ألفها ليضع قاعدة مهمة تؤسّس لهوية هذا الكيان عبر تقلباته التاريخية المتعاقبة.

أما على مستوى الإثنيات فقد برز كاتبان مهمان هما سعيد المحروق وإبراهيم الكوني. عالج الأول مباشرة مسألة التعدد اللغوي والثقافي دون أن يغفل عن أنّ هذا التعدد يتم داخل هوية واحدة تفرضها معطيات التاريخ والجغرافيا، محذرا من إقصاء الثقافات المختلفة لصالح الثقافة المهيمنة الذي بقدر ما يعرقل النمو والثراء الثقافي، يُستغل من قبل الساسة في تقويض المشترك الثقافي لصالح انتماءات خارج الحدود.

أما الروائي إبراهيم الكوني، فقد انغمس عبر عشرات الروايات في رصد تفاصيل حياة الطوارق جنوب ليبيا بوصفهم شعبا مخترقا للحدود السياسية وله خصائصه المميّزة.

ومثلما حدث لسعيد المحروق، أثارت روايات الكوني قلقا لدى السلطة التي كانت في حمى حماسها القومي وتعمل بمثابرة على تعريب كل المكونات الليبية ثقافة وعرقا.

ثمة الكثير من المحطات الثقافية الهامة التي أسهمت في بلورة الكيان، ومُثلت في هذا السياق بأهم الأسماء التي برزت بعد الاستقلال، ومن هذا المنطلق يمكن عبر هذه المشاريع الثقافية تلمّسُ جوهر الثقافة الوطنية المعززة لإمكانية التعايش والانصهار الوطني والمصالحة.

إنّ ما سبق ذكره من تكنيكات لإدارة الهوية لصالح السلطة أسهم من جانب آخر، عبر إقصائه للتنوع الثقافي، في تكريس منطلقات معرقلة للتعايش.

وقد أيّد ذلك بروز أسماء مثقفة من هذه الإثنيات تدعو صراحة إلى الانفصال، أو الاندماج في الثقافات المشابهة خارج الحدود، أو بدرجة أقل الحصول على حكم ذاتي، والمعتدلون منهم يسعون لحقوق ثقافية ولغوية واضحة في مدونة الدستور.

من جانب آخر تبرز خطابات إلغائية من قبل الثقافة المهيمنة التي تعتبر خطابات الأقلية خيانة للوحدة الوطنية.

وجميعها تضع عراقيل أمام المصالحة وإمكانية الانصهار الوطني، لاسيما وأن الأصوات الموضوعية من كل الأطراف خافتة.

أما الاستقطاب الجهوي فهو ينطلق من مرتكزات اقتصادية متعلقة بالمركزية والتهميش، لكنها تحاول استثمار الخصائص الثقافية لصالح هذا النزوع.

ومما لا شك فيه أنّ ثورة المعلومات ومواقع التواصل صارت تخلق الآن براحا لكل هذا النزوعات كي تعبّر عن نفسها، بداية من الانطواء داخل مجموعة ثقافية صغيرة وصولا إلى تلمس انتماءات كونية أو ما يسمّى المواطنة العالمية.

وتتضح هذه الحقيقة خصوصا بين الشباب الذين منذ انكفائهم على شاشات هذا العالم الجديد وإعطائهم بظهورهم للمكان، تظهر في كتاباتهم رغبة للانتماء للهوية الزمنية بدل المكانية واندماجهم في قريحة عصر تتوحد فيه الآمال والمخاطر.

***

الورقة ضمن تقرير عن المرحلة البحثية الأولى حول الهوية الوطنية في إطار مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية.

***

سالم العوكلي ـ كاتب ورؤائي وشاعر ليبي

___________

المصدر: تقرير دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا .. الهوية الوطنيةوهو تقرير عن المرحلة البحثية الأولى حول الهوية الوطنية من مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا. التقرير صادر عن مركز دراسة القانون والمجتمع، جامعة بنغازي، ومؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع، جامعة ليدن، وبدعم من سفارة المملكة الهولندية في ليبيا

________________