Minbar Libya

بقلم خالد الفرجاني

لم يعد يخفى على أحد داخل بنغازي وخارجها أن الوضع الأمني في المدينة أصبح سيئا جدا وبدأ التململ يسود الرأي العام في  بنغازي بشكل كبير،

حيث وقف الإعلام الموالي لخليفة حفتر أمام معضلة جعلت من الواجب عليه أن يتعاطى مع هذه المشكلة، ويبوح بها ويتحدث عنها بطريقة أو بأخرى ولكن طبعا دون وضع اللوم على المسؤولين الحقيقيين.

في الآونة الأخيرة كثرت الحوادث في مناطق شبنة وحي السلام شرق المدينة بالإضافة إلى سيدي فرج وبوعطني في الجنوب والجنوب الغربي للمدينة وفي فترة سابقة من هذا العام، نشطت عصابة مسلحة بالقرب من المدينة الرياضية في وسط المدينة.

سكان المدينة في الآونة الأخيرة لا يرون حرجا من طرح هذه المشكلة على الرغم من أنها ليست بجديدة إلا أن تكاثر عمليات السطو المسلح على السيارات غالية الثمن والمحلات التجارية في مناطق مختلفة من بنغازي استفزت الرأي العام، بدرجة جعلت الأمر يخرج على السطح لا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد كسر حاجز الصمت من بعض النشطاء داخل المدينة وخارجها، وعلى الرغم من سياسة التعتيم، والانحياز الكبير للسلطات الأمنية في شرق ليبيا.

 الحوادث لا يمكن سردها أو إجمالها في مقال واحد، ولكن من الملاحظ أن الأحداث الإجرامية تتركز في حيّين في مدينة بنغازي وهما شبنة وحي السلام.

وأصبح الناس في المدينة يتحدثون بشكل صريح عن حتمية حدوث سطو مسلح على السيارات الفارهة في حال دخولها إلى هذه المناطق في ساعات متأخرة من الليل، وأصبح الناس يتعاملون مع الأمر بتندر أحيانا وعلى سبيل المزاح، كما أن هذه الحوادث وانتشار هذه العصابات أصبحا يؤرقان السكان في مدينة بنغازي، وأصبح كثير منهم يخافون الخروج في ساعات متأخرة من الليل، لاسيما في هذه المناطق التي تنشط فيها العصابات.

وعلى الرغم من ادعاء خليفة حفتر قائد “جيش البرلمان الليبي” وادعاءات مناصريه ومؤيديه بأنه يسيطر على المدينة إلا أن ذلك غير صحيح بالمرة، لا سيما وأن المتهمين في معظم الحوادث يرتدون زيا عسكريا كما أن المتهمين بالانتماء إلى هذه العصابات أعضاء في المليشيات التابعة للقيادة العامة.

استوقفني منشور كتبه أحد ضباط مديرية الأمن في بنغازي يدعى أحمد العرفي قال فيه إن الناس يطالبون الأجهزة الأمنية بالقبض على المجرمين، إلا أنه في حال القبض عليهم، يسارع رفاقهم في الكتائب المختلفة وأقاربهم بالمطالبة بإطلاق سراحهم، ويصل الأمر إلى استخدام السلاح ضد الشرطة ومراكز الشرطة في المدينة.

وقال أيضا إن المجرم يصبح فجأة بعد القبض عليه بطلا “قام بتحرير  بنغازي بإصبع رجله الصغير” وهو هنا يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن المجرمين في حوادث السطو هم من عناصر المليشيات التابعة لجيش البرلمان الليبي.

في الحقيقة، لا يبدو أن خليفة حفتر وأعوانه ومناصريه في الأجهزة الأمنية والعسكرية قادرون على السيطرة على عناصرهم، والمنتمين إلى “الجيش” وهذا الأمر ينفي طبعا الادعاءات التي يطلقها هؤلاء بأنهم قاموا بتأسيس مؤسسة عسكرية نظامية محترفة ومنضبطة.

المثير للسخرية في كل ذلك، ليس حدوث الجريمة من عناصر الجيش الذين يفترض بهم أن يحموا الدولة، ولا إفلاتهم من العقاب أيضا، ولكنه تعاطي الناس والنخب والمثقفين والإعلام الموالي لحفتر مع هذه الحوادث، فهم في الحقيقة يلقون باللوم على وزارة الداخلية والمسؤولين فيها، ويطالبونهم بضبط الأمن ويستغربون منهم فشلهم في القبض على العسكريين غير المنضبطين.

تلك محاولة لتبرير استمرار تأييد خليفة حفتر وأحلامهم التي تصوره بأنه منقذ البلاد، وهو ما يدفعهم لإبعاده عن دائرة المسؤولية فهو في نظرهم قائد الجيش فقط، وليس مسؤولا عن إجرام عناصر المليشيات التي لا تمثل الجيش الليبي حسب رأيهم، والمطالب بضبط النظام هم أفراد الشرطة، وهذا كلام فارغ غير منطقي.

المسؤول عن هذا الانفلات الأمني واضح وضوح الشمس في صيف صحراء ليبيا، إنه حفتر، الذي فشل في ضبط عناصره، وفشل في محاسبتهم وفشل حتى في إلقاء القبض على المتهمين منهم بالانتهاكات وعلى رأسهم محمود الورفلي مثلا المطلوب من محكمة الجنايات الدولية والذي يسرح ويمرح في بنغازي دون محاسبة أو رادع، ودون أي حساب للمسؤولين الكبار في الجيش.

ربما يكون حفتر صادقا في سعيه لبناء مؤسسة عسكرية ولكن يجب على العقلاء من أنصاره أن يدركوا ويجاهروا بانتقاد فشله الكبير في إدارة المؤسسة العسكرية التي يقودها والتي تضم في أركانها مدمني المخدرات وأصحاب السوابق والمجرمين والقتلة والذين عاثوا في بنغازي فسادا خلال السنوات الماضية قبل عملية الكرامة وبعدها.

عمليات السطو كانت موجودة خلال السنوات الماضية ولكنها تركزت على مناطق الحرب ومنازل النازحين، وممتلكات المتهمين بمناهضة حفتر وأنصاره وعملية الكرامة، ولكنها تحولت الآن إلى سكان المدينة بعد انطفاء نار الحرب في ثاني أكبر مدينة في ليبيا.

بعد أسابيع من الجدل والاستياء في الأوساط البنغازية، قام وزير الداخلية في الحكومة الموازية التي تدير شكليا شرق البلاد، قام بإقالة مدير أمن بنغازي وأعلن خطة للطوارئ وجرى تعيين مدير مديرية أمن البيضاء لقيادة الخطة، وعلى الرغم من العناوين الرنانة والخطوط العريضة البراقة لهذه الخطة إلا أنها لن تنجح بالتأكيد لأن سبب الداء وأصله لم يعالج ولم ولن تتم مواجهته.

الأمر أكبر من مجرد إقالة مسؤول أو إعلان خطة، الخلل كبير ويشمل سلسلة وتراتبية وأركان وعناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا يحتاج العلاج إلى الكي ربما فقط، ولكنه يحتاج عملية استئصال لورم سرطاني كبير جدا، وربما يصل الأمر إلى ضرورة استصدار شهادة وفاة للمنظومة الأمنية الفاسدة وهدمها، وإعادة بناء منظومات أمنية وعسكرية جديدة منضبطة، فقد اتسع الخرق على الراقع.

***

خالد الفرجاني – كاتب صحفي من بنغازي

_____________