Minbar Libya

بقلم بلقاسم رمضان بريبش

يُنتَظَر، أنْ يكون هذا اللقاء حدثاً يتحقق فيه جَمْع الأطراف الليبية كافة، أو أكبر عَددٍ مِنها، تلك الفاعلة والمَعنية بالأزمة الليبية.

فالمؤتمر يأتي ضِمن مساعي البحث عن صِيغة مناسِبة لإعادة دفْع العملية السياسية وتَجاوُز مرحلة الأزمة الراهنة.. لتُحقِّق بذلك فكرة هذا المؤتمر تَبَنِّي ودعْم طيف أوسع مِن الليبيين لحالة التوافق بالذهاب إلى انتخابات عامة حرة ونزيهة وما يَتصل بها مِن إجراءات وخطوات، فتَستمِربذلك الأدوات السياسية القائمة ضِمن المشهد السياسي إلى حين إجراء تلك الانتخابات.

أمَّا في حال عدم حصول التوافقات المطلوبة، فإنَّ فكرة هذا المؤتمر يَتعَيَّن أنْ تُحقِّقُ الحد الأدنى اللازم مِن الشرعية للقيام بالبحث في سُبل إيجاد آليات لإعادة إنتاج إرادة سياسية مُوحَّدة بالبلد، والاستغناء عن هذه الأدوات السياسية.

يُتَصوَّر،، أنْ يُوفِّر الاتجاه نحو تنظيم هذا المؤتمر فرصة جِدِّية لالتقاء ممثِلين عن الليبيين مِن كل الأُطُر والتيارات والقوى والمكوِنات والشرائح مِمَّن يؤمنون بالتسوية السلمية للأزمة وبقيام دولة المؤسسات والقانون مِن دُون إقصاء أو تَهميِش.

وسيُمثِّل المؤتمر حِينها جَمعاً مِن هذا النوع محاوَلة لعلها أخيرة، وفُرصة ربما نادِرة، لتَنظيم حدثٍ قد يَكُون فارِقاً يَتولى عَبره الليبيون بإرادتهم – وبرعاية ودعم مِن الأمم المتحدة وبمساندة إقليمية ودولية – بَلْوَرة آرائهم نحو عملية الانتقال وبِناء الدولة، بحيث يُشكِّل هذا اللقاء لحظة تأسيسية مِفصلِية تَضَع حَداً للانقسام والصِراع العبثي، وتُفضي إلى إيجاد معالَجات وحُلول ناجِزة لتَجاوز الأزمة السياسية القائمة، وبما يُؤدي إلى إقامة دولة مستقِرة ومزدهِرة على أُسُس المصالحة الوطنية والعدالة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

هذا الفهم ليس أخذاً عن البعثة الأممية للدعم في ليبيا، ولا عن دوائر مُقرَّبَة منها أو مصادر وثيقة الاطلاع، فهو ليس توصيفاً لِما سيَكون، وإنما تصوراً لِما ينبغي أنْ يكون بالاستناد إلى متابَعة دقيقة وتحليلٍ واعٍ لمرحلة الأزمة، يُترَك للمتابع أمر تقدير قيمة وأهمية ما يُمْكِنُ أنْ تضيفه هذه القراءة.

لماذا هذا المسار؟

إنَّ التجربة البشرية في التعامل مع الظروف الاستثنائية والحوادث الطارئة جاءَت غنية بصُوَر الاستنباط وصُنُوف الابتكار التي كانت مَثَار دهشة ومَحل استغراب في حِينِها، وقد استقر بعضها اليوم حتى صار يُشكِّل قواعد وأُطُر يُؤسَّس عليها ويُحتَذى بِها.

وأنَّ ما تشهده الساحة الليبية اليوم مِن ِظروفٍ غير مألوفة تَستَوجِب أيضاً ألَّا تَخضَع الحلول بشأنها للقواعد العامة، ذلك أنَّنا لَم نَعُد مُطالَبين باتِّبَاع أو استنساخ قوالب وتَجارِب نَمَطية.. حيث لَم يَعُد مَصير أفراد وَحدَهُ على المَحَك، وإنَّما مَصير وطَنٍ بِمَن فيه.

إنَّنا والحال هذه.. مَعنِّيون بالأخذ بِما يُحقِّق تطلعاتنا وطموحاتنا، وبِما فيه خلاصنا ولو كان منقطعاً عن كل معايير قَبْلية.

ولمَّا كان “الاتفاق السياسي الليبي” – في تقدير كثيرين – طريقاً غير مُناسِبٍ لإنهاء حالة الصراع السياسي وما يَتصل بِها مِن إشكاليات على مستوَى إدارة مقاليد الأمور بالبلد، ولم يَعُد بالنسبة لهُم إطاراً كافياً للحَل بالنَظر لِما ثَار حوله مِن خلافات ماتزال مستمرة..كما لا يبدو في الأفق ما يُنبئ باتجاه مُختلَف الأطراف الليبية نحو اتخاذ خطوات جادة وعاجلة لِوضع حَد لاستمرار تفاقُم الأوضاع..

فإنَّ التوجه نحو تَبَنِّي صِيغة بديلة أضحى مَطلباً اضطرارياً تُملِيه ظُروف إخفاق تلك الأطراف المعنية في إحراز أي تَقدُّم إزاء دَفْع العملية السياسية، وتَفرِضه حقائق استنفادها التَام لِما هو مُتاح أمامها مِن وقت، وتَقتضِيه دواعي وضْع حَد لحالة العبث التي باتت تُحمِّل البلد تكاليف باهظة على مختلَف الصُعد.

إنَّ هذا المَنحى لن يَحمِل أي معنى مِن معاني الانقلاب على المسار الديمقراطي، بل يُعزِّز التمسك بآلياته عَبْر إعادة ترتيبها بإزالة ما عَلَق به مِن شوائب وما اعتَرَض سَبيله مِن عوائق مِن خلال وضْع ميثاق وطني في شكل وثيقة توجيهية تاريخية تكون ذات قيمة دستورية تُعبِّر عن صوت الليبيين وضميرهم لتُحقِّق القَدر الضروري مِن الشرعية لنظام سياسي مؤقت بأنْ تَمنَحه مُبرِّر وجوده السياسي والقانوني.

فالشرعية هي الأساس الذي يتم البناء عليه والسَنَد الذي يَجري العمل بموجبه، وهي هنا مَصَدر إضفاء المشروعية على الإجراءات التي تَتَّخِذُها السُلطة العامة في أي مجال مِن مجالات الدولة والمجتمع وفقاً لمَبدأ الخُضُوع للقانون، أو بِما يُمْكِنُ وصفه بتَقَبُّل الطَيفُ الغالب في المجتمع للنظام السياسي المُنتَج، والتزامهم بِما يَصدُر عنه طواعية مِن مُنطلَق تَوافُقهم على مَنحِه الثِقة في التعبير عن رؤى الجماعة وتطلعاتها إلى حِين قيام شرعية تَستنِد إلى إطار مِن القواعد الرسمية القانونية العُليا (دستور دائم).

ومِن ثم، سيأتي هذا المؤتمر والحال هذه استجابةً لضرورات ودواعي المصلحة الوطنية العُليا، ونزولاً عند مُقتضيات “حالة الضرورة” الأمر الذي يُنتَظَر أنْ يَنْتُج عنه صَوْغ وثيقة وطنية مُلزِمة تُحدَّد بها خارطة العمل لمرحلة مُقبِلة، يَتم وفقاً لَها إنجاز استحقاقات تؤدي مباشَرة إلى الانتقال السلِس لمرحلة دستورية دائمة مستقرة، بحيث تُعبِّر تلك الوثيقة عن انصراف إرادة الليبيين عُموماً للقيام بخطوات عملية للخروج مِن المأزق السياسي الراهن، وتَعكِس تَبنِّي ودَعْم المجتمع الدولي لَها مِن خِلال حُضوره لجلسة الإعلان عنها، وبما يَضمَن إلزام كل الأطراف بما يَرِد فيها عن طريق قرار مُلزِم يَصدُر عن مجلس الأمن في جلسة تُعقَد للغرض.

ويُعدُّ نموذج “المجلس الوطني الانتقالي مثالاً واضحاً لفكرة إنتاج الشرعية في ظروف الأزمات، حيث إنَّ قِيام عددٍ محدود مِن الليبيين غير موزَعِين جغرافياً ولا اجتماعياً بِصَوْغ وإصدار “الإعلان الدستوري” – المعمول به حالياً – اعتُبِرَ حينها يُمثِّل الإرادة الليبية الجامعة مِن حيث التَطلُع إلى الحرية وإقامة دولة المؤسسات والقانون، والأخذ بِزمام المبادرة لقيادة عملية تَحوُل ديمقراطي شاملة.

إذ أعطى الليبيون القِيْمة الفِعلية والقانونية لهذا الإعلان الدستوري ولِما تَرَتَّبَ عليه مِن إجراءات وخطوات عملية، مِن خلال اتساع دائرة إعلان مساندتهم وتأييدهم للمجلس الوطني الانتقالي، وإنفاذهم لِما تقرَّر بموجَبِه مِن استحقاقات.

كما عَزَّز المجتمع الدولي هذا التوجه مِن خلال قرارات مجلس الأمن وبياناته ومواقفه المُسانِدة والداعِمة للمجلس الوطني الانتقالي وكذلك تَبَنِّيه واعترافه بِما صَدر عنه، حيث أسْبَغَ المجتمع الدولي بذلك القوة القانونية والقيمة الإضافية على هذا الإعلان الدستوري.

يَتضِح مِن ذلك كُله أنَّ مَسار المؤتمر الجامع على قدرٍ كبير مِن الأهمية، لذلك يَنبَغي أنْ يَتم التحضير له بإجراء المشاورات واللقاءات والمباحَثات مع الأطراف كافة، والتريث في الذهاب إليه قَبل حَسْم القضايا الخلافية المتصِلة بالأزمة، وبَحث إمكانية قيام الأطراف جميعها بإعداد مُقتَرَح بتفاهمات تُحقِّق احتواء واستيعاب جميع الأطراف، وبِما يَكفل تحديد الأُسُس والضوابط وتوفير الضمانات الكافية لتعزيز فُرص نجاحه، أخْذاً في الحُسبان لمَحاذير تَعثُّرِه التي غالباً ما ستُؤدي إمَّا إلى القبول بصيغة دولية وانتظار حلول بمَكاييل لمَصَالِح أطراف إقليمية أو دولية.

إمَّا استمرار حالة عَدم اليقين وإهمال الملف الليبي والذهاب به إلى المجهول..أو تزايد حِدة الصراعات والاحتكام للسلاح ليُفتَح الباب على كل الاحتمالات..!!

إنَّه الوطن”..

وأنَّ ما يَجمَعنا يَكفِي لِحملِنا على أنْ نَلتَقي..

ولن يَكُون الانحياز للمَصالِح الشخصية أو الانتصار للانتماءات – أيّ كان نوعها – سِوى ضَرباً مِن ضُروب التَفريط، في أجلى صوره، وصنفاً مِن صنوف الخذلان بأتَمِّ مَعانِيه..

فماذا عن وثيقات العهود؟!!

________________