Minbar Libya

بقلم نجيب الحصادي

للّيبيين، كما لمعظم شعوب أقطار العالم، هوية وطنية ذات مقومات يمكن تحديدها. ولهذه الهوية منظومة قيمية راهنة، تشكلت بعد أن طرأت عليها تغيرات ترجع إلى عوامل متنوعة، سياسية واقتصادية واجتماعية.

وفي كل طور من أطوار تشكّلها تمظهرت هذه المنظومة في أنماط سلوكية، وميول عامة، وثقافات حاكمة.

وتحاول هذه الورقة رصد بعض هذه التمظهرات، بما يمهّد لتقويم ما اعوج منها وتعزيز ما استقام.

وتخلص الورقة إلى أنّ السبب الرئيس الذي يعرقل مساعي المصالحة الوطنية وجهود بناء الدولة لا يرجع إلى خلل كامن في الليبيين، كما يزعم البعض، ولا في هيمنة ذوي الأصول البدوية على مفاصل الدولة، كما يزعم آخرون، بل في اشتمال منظومتهم القيمية الراهنة على خصال معوجة أسهم النظام السابق في تكريسها وسوف تَضطرهم دولة القانون إلى التخلي عنها.

1. ثمة من يأخذ بما يسمّيه الباحث نظرية الأرومة الليبية التي يرى أصحابها أنّ العنت الذي يلقاه الليبيون ناجم أساسا عن عطب كامن في شخصيتهم الوطنية، وأنّ فشلهم في إقامة دولة ليس مجرد مصادفة تاريخية.

ويجادل الباحث ضد هذا الموقف بتوضيح أنّ الأنماط السلوكية التي تشيع بين الليبيين، كتلك التي تشيع بين أيّ شعب آخر، ليست سوى استجابة لظروف سياسية وتاريخية واجتماعية، ما يجعلها سجايا عابرة وخصالا قابلة للتغير بتغير هذه الظروف.

كما يجادل ضدها بتبيان أنها تفضي إلى نزعة قطرية عرقية تصيب معتنقيها باليأس والإحباط.

2. بعد ذلك التفتت هذه الورقة إلى دراسة المنصف وناس، حيث لاحظ نجيب الحصادي أنّ معظم الخصال التي يعزوها للشخصية الليبية البدوية خصال سلبية، فهي ارتجالية، وفوضوية، وانتهازية، واستئثارية، تعادي الاستقرار والتحضر، وتتعصب للقبيلة، وتمارس الإجحاف، وتوظف القيم الإيجابية، كالكرم، في تحقيق مآرب مشبوهة، كالسيطرة وشراء الولاءات.

وللرد عليه تعرض الحصادي للتمييز الذي يفترضه، من يماهي بين البدو والتخلف، كما يماهي بين الحضر والتحضر، وطرح بديلا عنه تميزيين: واحدا بين الحضر والبدو، مؤسسا على اعتبارات جغرافية؛ وآخر بين التحضر والتخلف، مؤسسا على اعتبارات قيمية.

فينبغي وفق هذين التمييزين، أن لا نعني حين نصف شخصا مّا بأنه حضري سوى أنه يعيش في مدينة، وأن لا نعني حين نصفه بأنه بدوي سوى أنه يجول في صحراء. وحين ينتقل البدوي إلى المدينة يصبح حضريا، فإذا عاد إلى صحرائه عاد بدويا.

ولمّا كانت الفروق الجغرافية تسبّب فروقا بيئيّة تسبّب بدورها فروقا قيميّة، فإنّ قيم البدو تختلف عن قيم الحضر.

ولما كانت الفروق القيمية ذات أصول بيئية، فإنها تظل فروقا طارئة قابلة للتلاشي حين تحدث تبدلات جغرافية مّا. لكنّ هذا يعني أنّ علاقة البدوي بالمنظومة القيمية التي يجعلها التمييز السائد جزءا من شخصيته علاقة عارضة، وكذا شأن علاقة الحضري بالقيم المدنية

3. وفي معرض الإجابة عن السؤال: ما الذي أتى بنا إلى كل هذا الخراب؟.

يجادل الباحث القول بأن الوهن الذي ألحقه النظام السابق بالروح المهنية علّةٌ أساسية لما نلقى من عنت في بناء الدولة. فحسب تعريف الحصادي للروح المهنية، تتجسد هذه الروح في ذلك الحماس المشبوب لمواصلة السعي الدؤوب نحو اكتساب معارف ومهارات لاستثمارها في تجويد العمل، بما يتطلبه هذا السعي من تدريب واقتدار، وخيال واسع وابتكار.

وما إن نتفكر في مفهوم الروح المهنية بهذا التوصيف حتى تتهاطل على أذهاننا حزمة من القيم والسجايا والخصال الإيجابية: العلم، والتعليم، والتعلم؛ والعمل، والتفاني، والإخلاص؛ والجدية، والدقة، والإتقان؛ والدربة، والتفوق، والانضباط؛ والنظام، والتخطيط، وتقدير قيمة الوقت؛ والتنافسية، والمسؤولية، والعصامية؛ وأخلاقيات المهنة، ومواثيق الشرف؛ والإبداع، والقيادة؛ والرضا الوظيفي، والنجاح المهني.

وبسبب هذا الزخم القيمي الذي يكتنف هذا المفهوم، يتبدّى أنّ البلد الذي يعاني من وهن في روحه المهنية سوف يعاني من تهتك جسيم في شخصيته الوطنية.
وفي الوسع نسبة التفسخ الذي أصاب القيم التي تجسدها الروح المهنية إلى الأساليب الفوضوية والقمعية التي ما فتئ النظام السابق يتبناها في مختلف مناحي حياة الليبيين، وإلى الثقافة الريعيّة المؤسسة على قيم تتناقض تماما مع الروح المهنية، فهي ثقافة ليست منتجة ولا تنافسية ولا مبدعة، وهي ثقافة لا تقدّر العمل، ولا تشترط التفاني فيه، ولا تستهدف النجاح المهني، ولا تؤكد الشعور بالمسؤولية، ولا تسبّب أي نوع من أنواع الرضا الوظيفي.

وفي الوسع أن نقرّ أنّ سوء الأداء الوظيفي العام في بلادنا إنما يرجع أساسا إلى وهن الروح المهنية، إذ لا مكانة موقرة لقيم هذه الروح في أيّ من قطاعات الدولة.

فقد تميّز الأداء العام في بلادنا بملامح غالبة تضافرت في تدني مستواه، نذكر منها فقد الرغبة الحقيقية في قيام الموظف بتأدية واجبه المهني، وغياب المهارات اللازمة لقيامه بهذا الواجب، وتوظيف قيامه به في الحصول على العائد المادي الأكبر الممكن؛ ما جعل مايكل بورتر، الخبير الاقتصادي الأمريكي، يقول عن منظومة العمل الليبية إنها صمّمت بعناية بحيث لا تعمل.

غير أن وهن الروح المهنية ظاهرة طارئة في المنظومة القيمية الليبية، يشهد على ذلك أنها كانت عفيّة قوية خلال العهد الملكي، الذي أعمل قدرا لا بأس به من الرقابة، ومستوى لافتا من الكفاءة. من منحى آخر، فإنّ الحصادي لا يحمّل النظام السابق وحده جريرة ما آل إليه حال البلاد، فالليبيون لم يكونوا دائما ضحايا أبرياء من كل مسؤولية، بل استغل كثيرون منهم الفوضى الجماهيرية في تحقيق مآرب شخصية، ومارَوْا النظام السابق، وأسهموا في إطالة عمره، والتزموا الصمت طويلا حيال انتهاكاته.

ولأن لليبيين، كما لأيّ شعب آخر، وتماما كما أخبرنا ونّاس، قدرة فائقة على التكيف مع الظروف، سواء أساءت تلك القدرة أم تحسنت، ومع التوجهات التي تفرضها الدولة، أكانت إصلاحية أم هدّامة، فإنه يظل في الوسع استثمار هذه القدرة في فرض سيادة القانون، ما يعني أنّ الروح المهنية التي يعاني المجتمع الليبي من وهنها قد تستفيق وقد تقوى.

تحديدا، حين يجد الليبي أنه لا مناص له من إتقانه عمله، وتطوير مهاراته، وحين يكتشف أنّ حصوله على وظيفة مّا هو رهنٌ لتأدية مهامها على النحو الأمثل، سوف يكتشف أن لتخاذله ثمنا باهظا، وأن مآله أن يصبح متسولا على قارعة الطريق.

وحسبنا للتدليل على ذلك أن نتذكر أولئك الليبيين الذين أحرزوا، بسببه قدرتهم على التكيف، أو اضطرارهم إليه، تفوقا جديرا بالإشادة في أكثر الدول تقدما وتنافسية، فلم تحل دون تفوقهم أرومة جبلوا، ولا تنشؤهم بدوا في صحراء قاحلة.

***

الورقة ضمن تقرير عن المرحلة البحثية الأولى حول الهوية الوطنية في إطار مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية.

***

د. نجيب المحجوب الحصادي ـ أكاديمي ومترجم ليبي، له العديد من المؤلفات، يشغل كأستاذ في جامعة بنغازي. ليسانس من الجامعة الليبية بقسم الفلسفة، وماجستير من جامعة جورجتاون، وماجستير من جامعة ويسكونسن ـ ماديسون.

___________

المصدر: تقرير دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا .. الهوية الوطنيةوهو تقرير عن المرحلة البحثية الأولى حول الهوية الوطنية من مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا. التقرير صادر عن مركز دراسة القانون والمجتمع، جامعة بنغازي، ومؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع، جامعة ليدن، وبدعم من سفارة المملكة الهولندية في ليبيا

________________