Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

بات من الواضح بان البعثة الأممية تسابق الزمن للتهيئة لعقد المؤتمر الوطني الجامع، الذي من المقرر أن يعقد في يناير 2019م.

المبعوث الأممي غسان سلامة يراهن كثيرا على عقد المؤتمر الوطني الجامع لإحداث تقدم في مسار العملية السياسية المتعثرة في ليبيا ، والمؤتمر الوطني الجامع كان ضمن خطة غسان سلامة التي أعلن عنها يوم 20 سبتمبر 2017م.

ففي ذلك اليوم وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عرض غسان سلامة خارطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية تتكون من ثلاث مراحل تبدأ بتعديل اتفاق الصخيرات وفق المادة “12”، ثم عقد مؤتمر وطني تحت رعاية أممية لفتح الباب أمام الذين استُبعدوا أو همّشوا الاستحقاقات الدستورية:

التقى المبعوث الأممي غسان سلامة ونائبته ستيفاني وليامز برئيس حكومة الوفاق فائز السراج، وتم مناقشة خطوات تنفيذ المؤتمر الوطني الجامع، والانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإتمام الاستحقاقات الدستورية.

الخميس 13 ديسمبر 2018م، التقي غسان سلامة بأعضاء من المجلس الأعلى للدولة عن شرق ليبيا وتم الحديث عن التحضيرات لانعقاد الملتقى الوطني الجامع ، من جهتهم عبر أعضاء المجلس الأعلى للدولة عن قلقهم من الانتهاكات لحقوق الإنسان، والمعاناة التي يعيشها السجناء والنازحين والمهجرين ، كما أن بعض النخب الليبية بدأت عقد اجتماعاتها للنقاش في طرابلس للتحضير والاستعداد للمؤتمر الوطني الجامع.

التعاطي الدولي مع الأزمة الليبية:

السؤال هنا .. هل ستنجح البعثة الأممية في إنقاذ العملية السياسية في ليبيا ليكون عقد المؤتمر الوطني الجامع بداية لانفراج الأزمة، أم أنها ستكون عاجزة عن ذلك ؟.

وما هي مواقف الدول الكبرى التي لديها مصالح في ليبيا وتتعاطى مع الشأن الليبي تجاه عقد المؤتمر الوطني الجامع ؟.

هل ستقوم بالضغط لفرض الحل السياسي والتوافق بين الأطراف الليبية المتصارعة، أم أنها ستغضّ النظر وتكتفي بالتصريحات الضبابية ليستمر الصراع في ليبيا؟.

وماذا سيفعل اللاعبون الإقليميون على الساحة الليبية، مصر وحلفائها الإمارات والسعودية، وهم يتابعون وقائع تشكل مشهد سياسي جديد في ليبيا قد تكون فيه حظوظ حليفهم حفتر أقل أمام ظهور لاعبون جدد ؟.

نتوقع بان مشهد جديد سوف يتشكل، ويصعب الآن تصور كل معالمه، وشكل القوى الجديدة فيه، وشكل التحالفات بين القوى السياسية في مرحلة ما بعد المؤتمر الوطني الجامع.

لاعبون جدد سوف يأخذون مكانهم على حلبة الصراع المحلي بين الفرقاء الليبيين، هم نتاج المخاض العسير للصراع المستمر منذ ثمانية أعوام، بعضهم سيكون صاحب أجندة وطنية، والبعض الأخر هو أداة لقوى إقليمية أو دولية من القوى المتصارعة على النفوذ في ليبيا.

ضغط هائل تتعرض له قوى الثورة والنخبة الوطنية في ليبيا، مؤكدا بأن المؤتمر الوطني الجامع سيضع ليبيا أمام مفترق طرق، إما التوافق والحل السياسي وهذا مستبعد في المستقبل المنظور، او فشل الفرقاء السياسيين في العبور بالبلاد الى شاطئ الامان، والأرجح بان المشهد السياسي الليبي سوف يتجه نحو المزيد من التعقيد في ظل المؤشرات الحالية.

قد لا ينجح غسان سلامة ومن ورائه البعثة الأممية في إحداث التوافق، لإنقاذ العلمية السياسية، مما يجعل البعثة الأممية في ليبيا أمام امتحان عسير، فهي تواجه تحدي كبير، إما أن تنجح في عقد المؤتمر الوطني الجامع وتحقيق تسوية سياسية، وإما أن تفشل في ذلك، وهذا هو المتوقع، والفشل يعني بأن الطرق أصبحت مسدودة أمام الحل السياسي في ليبيا، والعقدة في حقيقة الأمر هي في وجود حفتر في المشهد السياسي، وإصراره على عسكرة الأزمة، كان من المقرر وفق المبادرة الفرنسية وخارطة الطريق في اجتماع سان كلو في باريس في يوليو 2017م أن يتم تنظيم انتخابات في مارس 2018م، وكان من المفترض أن يتم إعلان هدنة، ووقف القتال.

حفتر : الاتجاه المعاكس

صرح حفتر، أثناء زيارته لروسيا في أغسطس 2017م، بأقاويل تناقض اتفاق سان كلو في باريس حينما قال: “هناك مساران في ليبيا مسار عسكري ومسار سياسي ، ورغم ذلك تفاءل الكثيرون في ليبيا بإمكانية إجراء الانتخابات في ديسمبر 2018م، وظهر عدد من الأحزاب السياسية والأسماء غير المعروفة في محاولة استباقية للحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي الليبي يؤهلها لخوض الانتخابات المتوقعة.

إلا أن مسار الانتخابات قد تعثر، نتيجة رفض بعض الإطراف إجراء الانتخابات قبل الانتهاء من إعداد الدستور والاستفتاء عليه، ناهيك عن مماطلة مجلس النواب في إصدار القوانين اللازمة لإجراء الاستحقاقات الانتخابية، كما أن العسكر وإن أعلنوا عن موافقتهم على إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر 2018م، إلا أنهم في حقيقة الأمر لم يتخلوا عن المسار العسكري، وعسكرة الأزمة الليبية.

لم تكن تصريحاتهم بقبول الانتخابات إلا مناورة لأهداف سياسية، فهل يعقل بان يقبل العسكر بالانتخابات وهم يعزلون عمداء بلديات منتخبون في بعض مدن برقة ويعينون بدلا عنهم ضباط من الجيش ؟.

لا يمكن بان يقبل العسكر بالانتخابات وهم يريدون استنساخ تجربة السيسي في مصر واسقاطها على الواقع الليبي، العسكر وقائدهم حفتر يشعرون بأنهم أقوياء فقد سيطروا على برقة بعد حرب طويلة ومكلفة جدا بشريا واقتصاديا، والخسائر البشرية والاقتصادية وتكاليف الحرب الباهضة التي يدفعها الشعب الليبي من دمائه لا تعني شئ لقائد العسكر حفتر وهو يقول في مؤتمر باليرمو بان الصراع مستمر في ليبيا.

كما أنه في غرب ليبيا توجد بيئة حاضنة من أنصار العسكر من بعض النخب، والمنتفعين، وبسطاء الناس، وهم لا يعلمون حقيقة ما يجري، ولا يمكن أن يتصوروا حجم الدمار والمعاناة إذا ما زحف العسكر غربا، والعسكر وقائدهم حفتر هم في حقيقة الأمر أداة في يد مصر وحلفائها الامارتيون والسعوديون، وهولاء اللاعبون الإقليميون الداعمون للعسكر هم ألد أعداء الديمقراطية التي يرون فيها تهديد لعروشهم وأنظمتهم، وليس من مصلحتهم الحل السياسي السلمي في ليبيا.

من الصعب أن يحقق الليبيون التوافق في المؤتمر الوطني الجامع والكل يتربص بالديمقراطية الوليدة التي تعثرت كثيرا، ما إن تنتهي مرحلة انتقالية حتى تبدأ أخرى في مشهد استثنائي قل نظيره في تجارب الشعوب في التاريخ الحديث.

زيارة حفتر لروما يوم الأربعاء 12 ديسمبر 2018م ولقائه مع رئيس الوزراء الايطالي كونتي، وإعلان كونتي عن رغبته في تنظيم لقاء بين حفتر والسراج يعني استمرار الصراع والتنافس بين الايطاليين والفرنسيين على النفوذ في ليبيا، مما يقلل من فرص الحل السياسي والتوافق بين الأطراف الليبية، فلن يكون لقاء حفتر والسراج برعاية كونتي، إلا نسخة مكررة من اجتماع سان كلو في باريس في يوليو 2017م.

هذا الصراع بين ايطاليا وفرنسا سيجعل من مهمة غسان سلامة في تحقيق نجاحات من وراء عقد المؤتمر الوطني الجامع صعبة جدا، كما أن الخلافات العميقة التي طفت على السطح بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب بسبب قانون الاستفتاء، قد تعيق الجهود لخلق التوافق الذي يسعى إليه غسان سلامة.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار زيارة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الخميس 13 ديسمبر 2018م الى موسكو، وإعلانه عن الحاجة لدعم روسيا للجيش الليبي الذي يقوده حفتر، وتوقيع اتفاقية بين مجلس النواب الليبي ومجلس الدوما الروسي، فإننا نلمس بلا شك اثر العامل الخارجي في الأزمة الليبية، ورهانات بعض الأطراف على القوى الكبرى والاستقواء بها لتعزيز مواقعها التفاوضية قبل انعقاد المؤتمر الوطني الجامع.

هذه مؤشرات خطيرة تؤكد بأن القوى التي يمثلها مجلس النواب والعسكر لا يريدون الحل السياسي، وأنهم ماضون في المسار العسكري، والأخطر أن الدّب الروسي بدا يقترب من دولة تقع في شمال أفريقيا هي ليبيا الغنية بالنفط والغاز ليجعل منها سوريا جديدة، وليكون حفتر بشار جديدفي شمال افريقيا،والمؤلم هو أن بعض النواب وأعضاء الوفد المرافق لعقيلة صالح في زيارته الى موسكو طلبوا من روسيا دورأ اكبر في الأزمة الليبية ، فهل يعقل بأنهم لم يسمعوا بما يجري في سوريا، الم يشاهدوا ماذا فعل الروس في سوريا من جرائم وقتل وإبادة للشعب السوري؟.

ولعل سيد الكرملين وهو يشعر بالانتصار في سوريا لن يتردد في ارسال سفنه وطائراته الى ليبيا ليحقق حلم كاثرينفي اقامة قاعدة روسية في خليج بمبا، فقد طلبت ذلك من الدولة العثمانية عام 1793م ، وها هم بعض ابناء ليبيا يمنحون الفرصة لاحفادها ليحققوا الحلم، اليس هذا عبث بمستقبل الاوطان ؟.

هذا ما يجعلنا نقول بان المؤتمر الوطني الجامع بالنسبة للعسكر ومجلس النواب واجهتهم السياسية لن يكون إلا محطة مجبرين على الوقوف عندها إرضاء للبعثة الأممية، وبعض الدول الكبرى التي تعلن عن دعمها للحل السياسي نفاقاً وتضليلاً ولدرّ الرماد في العيون، كما أن العسكر ونواب طبرق يريدون أن يظهروا أمام الشعب الليبي بأنهم يؤيدون الحل السياسي، مع التأكيد على خطر الإرهاب، ودور الجيش الوطني المزعوم في مكافحته، وتوجيه التهم لخصومهم السياسيين، والصاق تهمة الإرهاب بهم.

غسان سلامة، بدعوته لعقد المؤتمر الوطني الجامع، يريد أن يضغط على أطراف الصراع، فهو كمن يريد أن يسحب البساط من تحت أقدام اللاعبين المحليين من القوى الليبية المتصارعة ويزج بلاعبين جدد، وسيكون الضغط الأكبر على مراكز ومواقع القوى السياسية المتصارعة، إذا ما سعى غسان سلامة الى إعطاء صلاحيات اكبر للمؤتمر الوطني الجامع في تعيين المناصب السيادية في الدولة، ورسم السياسات العامة، ومناقشة مواد الدستور وهو حق أصيل للجنة إعداد الدستور.

هذه بعض مهام واختصاصات المؤتمر الوطني الجامع عندما أعلن عنه غسان سلامة ضمن خطته الأممية، لكن من المتوقع أن لا يكون هناك جديد في المؤتمر الوطني الجامع إلا ظهور لاعبون جدد، وتشكل مشهد جديد، ولا شك بأن أهم اللاعبين الجدد هم أنصار النظام السابق، وهم منقسمون، وليس لديهم مرجعية واحدة، رغم أن كثيرون منهم يتاجرون بورقة إبن ألقذافي، بعضهم يدعم حفتر ومشروع العسكر، والبعض الآخر تحالف مع أنصار فبراير، ومنهم من أسس أحزاب سياسية وقطع مع فكر النظام الجماهيري البايد، وتنكروا لمقولة الهالك من تحزب خان، الا انه هؤلاء هم اكثر نضجاً من اولئك الذين يراهنون على إبن القذافي وروسيا، ومن لا يزال يعشش في عقولهم النظام الجماهيري.

في هذا الواقع المتأزم الذي غابت فيه الثقة بين الليبيين، نخشى أن يكون المشهد الجديد في ليبيا بعد انعقاد المؤتمر الوطني الجامع هو دخول البلاد الى سيناريو اقرب الى السيناريو السوري حيث تتعدد أطراف الصراع، مع وجود لاعب دولي جديد متربص تستدعيه أطراف محلية هو روسيا، ناهيك عن نشاط تنظيم داعش الذي يعلن عن وجودة بين الحين والأخر كما حدث في هجمات الفقهاء وتازربو ووزارة الخارجية بطرابلس مؤخرا.

إن معرقلي العملية السياسية في مجلس النواب والعسكر لن يقدموا أي تنازلات كما اعتادوا ، فهم من عرقل حكومة الوفاق لإفساح المجال أمام الحل العسكري.

خاتمة

إذا أردنا أن نكون أكثر تفاؤلاً سنقول بأنه قد يتم التوافق في المؤتمر الوطني الجامع على معظم القضايا الخلافية بين القوى المتصارعة في ليبيا، ويتفق جميع الليبيين، إلا أن حفتر سيكون هو العقبة الكأداء. فكل التوافقات تصل إلى موقع حفتر في المشهد السياسي وطبيعة دوره، وصلاحياته، لتتفجر الخلافات، ولتكون المواقف الصلبة المتعنتة، وليكون التوافق مستحيلاً.

فهل يُختزل وطن في شخص ما مهما كان دوره ؟ هل من أجل صناعة دكتاتور جديد ثار الليبيون في 2011م وقدموا التضحيات؟

نحن على ثقة بأنه لا بديل عن اتفاق الصخيرات، وشرعية حكومة الوفاق ، وأنه ليس أمام البعثة الأممية ومن ورائها الدول الكبرى التي تعلن عن رغبتها في حل الأزمة الليبية سياسيا إلا اتخاذ قرار شجاع إذا كانت هناك نوايا جادة وليس أقوال فقط، وهو معاقبة معرقلي تنفيذ الاتفاق السياسي وهم مجلس النواب والعسكر.

أما غير ذلك من مواقف وأفعال فهي لا تمثل إلا رغبة في إطالة أمد الصراع خدمة لأجندات ليست في صالح الليبيين، بالتالي قد يكون من المبكر أن نحكم على نجاح أو فشل المؤتمر الوطني الجامع، إلا أن غالبية المؤشرات والشواهد تؤكد بان الليبيين مازلوا بعيدين عن التوافق والحل السياسي.

***

محمد عمران كشادة ـ باحث ليبي

___________