Minbar Libya

بقلم صقر الجيباني

لا يختلف اثنان  أن الأزمة الليبية لها ظروفها السياسية والأمنية التي فجرتها في فبراير 2011 تاريخ اندلاع الثورة الليبية وما نتج عنها من تداعيات على الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والمعيشي، إضافة إلى أن طبيعة الاقتصاد الليبي الريعي بامتياز  المُعرضة دائما للأزمات والصدمات (الداخلية والخارجية ) كغيره من الاقتصادات الريعية نتيجة الخلل الهيكلي  الذي يعاني منه والتصاق الاقتصاد الريعي في الغالب الأعم بالاستبداد والدكتاتورية والفساد والحروب الأهلية (متلازمة الريع والدكتاتورية ).

ولا يمكننا هنا أن نُبرّئ النظام السابق من تحمله جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذه الأزمة نتيجة تركه البلاد متصحّرة سياسياً من مؤسسات الحكم الحديثة والراشدة وتجريم وتخوين الأحزاب السياسية وفشله الاقتصادي المسؤول عنه خلال العقود الماضية في تنويع مصادر الدخل الوطني على الرغم من حالة الاستقرار السياسي والرخاء الأمني الذي كانت تتمتع به ليبيا طوال عقود أربع، إضافة إلى الوفرة في الموارد المالية التي تحققت بفعل الطفرات النفطية خلال تلك العقود، والكثير من الدراسات العلمية التي كانت توصي وتنادي بضرورة تنويع الاقتصاد الليبي بالتقليل من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل القومي.

كل ما سبق ذكره  كان  إشارات واضحة وعلامات دالة أن الأزمة ستنفجر يوماً ما بمجرد أن تتوافر لها البيئة الخصبة من ظروف سياسية وأمنية واقتصادية.

وهذا ما حدث عام 2011 وما تلاه من أعوام  حيث اندلعت الأزمة وكان لها بالغ الأثر على حياة واستقرار المواطن الليبي ومتطلباته المعيشية.

إلا أنه يجب ألا نغفل عن عامل اجتماعي مهم جداً تمثل في المؤسسة التقليدية في ليبيا (القبيلة والتي فاق  تأثيرها وقوتها كل التوقعات، حيث كان لها دور كبير في تقويض عملية بناء وظهور مؤسسات الدولة الحديثة الوليدة في العهد الجديد والمؤسسات المدنية المساندة وعملية الانتقال والتحول السلمي نحو الديمقراطية والتنمية.

عندما تم هدم النظام السابق (نظام سبتمبر) وبداية بناء النظام الجديد (نظام فبراير نشأ صراع غير متكافئ  بين المؤسسة التقليدية (القبيلة ) الضاربة في أعماق الثقافة الليبية مع مؤسسات وليدة  في طور التكوين والنشوء في عهد فبراير (المؤتمر الوطني – البرلمان – الحكومات – الأحزاب  – الصحافة الحرة – ،، ) وقد  خسرت سلطات فبراير هذا الصراع وفشلت  في بناء هذه المؤسسات بسبب مقاومة  المؤسسة التقليدية لها.

وبالتالي تعثّرت المسيرة الديمقراطية المنشودة وتعطلت مشاريع  التنمية، بل أصبحت القبيلة في ليبيا هي العامل الأقوى في المشهد الليبي حيث كان لها الدور الأبرز في  التشكيلات المسلحة والنزاعات والحروب  والمحاصصة في مؤسسات الحكم وتوزيع المناصب العليا والوظائف المرموقة  وابتزاز الدولة بتعطيل عمل حقول وموانئ النفط المورد الوحيد للدخل في ليبيا وطغت ثقافة القبيلة على ثقافة المؤسسة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية بل وأكثر من ذلك كان هناك شبه غياب للدولة وحلول القبيلة محلها.

لا ننكر أن للقبيلة في ليبيا دور هام في حفظ الأمن في كثير من المدن والمناطق الليبية عقب انهيار المنظومة الأمنية للنظام السابق، وإحلال القبيلة محل مؤسسات  الأمن والدفاع والقضاء (العرف) لملء الفراغ الأمني بعد 2011.

ولكن لا يبدو أن هذا الدور مؤقت بمرحلة انتقالية إلى أن يتم استلام مؤسسات الدولة الحديثة لمهامها، بل الظاهر أنه حالة مزمنة يعيشها المجتمع الليبي.

لقد اتضح لنا من خلال تجربة 2011 وما تلاها أن إصلاح المؤسسة التقليدية هو الخطوة الاولى نحوالديمقراطية وتحقيق التنمية الاقتصادية وإصلاح المؤسسة القبلية نقصد به  السعي إلى تحديثها  “تمدينها” وصولاً إلى الغاية المقصودة وهي عدم تسييس القبيلة أو عسكرتها، لأن القبيلة إذا سُيّست أفسدت الحياة السياسية وتحولت   طبيعة الصراع على السلطة في البلاد من صراع سياسي سلمي  بين  الأحزاب إلى صراع  قبلي جهوي عنيف، والقبيلة إذا تعسكرت نتيجتها تكون الحروب الأهلية الطاحنة.

ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى سرّ النجاح (النسبي) في المسار الديمقراطي بتونس بعد الثورة؛ وإن أخفقت في عملية التنمية الاقتصادية، حيث طبيعة المجتمع التونسي الذي ألغى أثر القبيلة في الحياة السياسية، فكان الصراع على السلطة صراعاً سياسياً سلمياً بين النخب والأحزاب، على العكس من دول أخرى شهدت ثورات انتكست فيها الديمقراطية انتكاسة كبرى وتعثرت فيها مسيرة التنمية، مثل  ليبيا واليمن كمجتمعات قبليّة للنخاع،  أو سوريا كمجتمع “طائفي” انزلقت جميعاً إلى صراعات دموية وتورطت في أتون الحرب الأهلية.

وبين النموذج التونسي والنموذج  (الليبي – اليمني – السورييقف في المنتصف  النموذج الخليجي الذي نجح  في عملية التنمية إلى حد كبير وفي تحقيق الرفاه الاقتصادي للمواطن، إلا أنه طمس العملية الديمقراطية نتيجة قوة  القبيلة والعشيرة  وسطوتها في المجتمع الخليجي وثقافة القبيلة التي ترفض التغيير والتحديث وتتمسك بتقديس وتوقير الملك أو الأمير أو الشيخ، يدعمها في هذا التوجه المؤسسة الدينية هناك المتحالفة مع السلطة والتي تُجرّم الخروج على  الحاكم.

كما أنه من المفيد أيضا الإشارة إلى النموذج الماليزي، إحدى قصص النجاح في التنمية الاقتصادية والتغيير الاجتماعي  التي يُستشهد بها  كثيراً حيث سارت  التنمية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع التحديث الاجتماعي بنقل المجتمع الماليزي من مجتمع ريفي تقليدي يعتمد الزراعة والرعي، إلى مجتمع حضري حديث يعتمد على الصناعة ويشكل فيه قطاع الصادرات جزءاً مهماً من الناتج القومي.

إن تمدين القبيلة في ليبيا يتطلب وقتاً طويلاً لأنه يستلزم تغيير ثقافة مجتمع بكامله  لكن العلاج بالصدمة يختصر الوقت، وهناك طريق آخر للتحديث يكون بتنويع مصادر الدخل القومي لخلق طبقة وسطى كبيرة وقطاع خاص نَشِط ينقل الاقتصاد الليبي من اقتصاد ريعي نشأ عنه دولة ريعية مستبدة، تعتمد الولاءات القبليّة والجهوية وحكومات فاسدة وبرلمان أكثر فساداً وشعب يتسم بالكسل الاقتصادي، إلى اقتصاد الإنتاج والضريبة، وبالتالي مراقبة ومحاسبة الحاكم أوالرئيس، لأنه في هذه الحالة الشعب هو الذي يدفع للحكومة عن طريق الضرائب على العكس من الاقتصاد الريعي الذي تتفضل به الحكومة على شعبها  بتوزيع الريع ينتظره المواطن نهاية كل شهر على هيئة راتب أو مكافأة مالية ومنها يستطيع الحاكم شراء الولاءات وانشاء التحالفات.

وضمن هذا السياق أقتبس كلاماً جاء على لسان المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا السيد طارق متري في لقاء متلفز بما معناه ( إن من  بين الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها الليبيون هو إنشاء أحزاب سياسية قبل بناء المؤسسات، فانزلقت البلاد إلى صراع مسلح لعدم وجود مؤسسات تنظم الصراع على السلطة وتعطيه الطابع السلمي) ولنتذكر هنا أن أكثر الكلمات التي ردّدها القذافي في خطاباته الأخيرة ابّان الثورة هي كلمة القبيلة والقبائل، لأنه كان يعول على القبيلة لحماية نظامه الآيل للسقوط آنذاك ولمعرفته الجيدة أنه لم يبني مؤسسة قط طيلة فترة حكمه للبلاد، بل كان اعتماده في البقاء يرتكز على  الولاءات القبلية والانتماءات المناطقية، مستغلاً ثقافة المجتمع الليبي ودور القبيلة  الفاعل في ليبيا.

لا أعتقد أن حل الأزمة الليبية يتلخص في اعتماد دستور يتوافق عليه الجميع ويُرضي جميع مكونات المجتمع الليبي وانتخابات حرة نزيهة، فكتابة دستور أو تغيير الأجسام السياسية المتواجدة الآن على الساحة، واستبدالها بأجسام جديدة لن يغير من الواقع طالما لم تتغير العقلية التقليدية وطالما أن المؤسسة التقليدية في ليبيا مازالت هي من  يدير الأمور ويحرك المشهد مِن خلف الستار.

***

صقر الجيباني ـ أكاديمي ليبي

___________