Minbar Libya

اعداد : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

مع التسليم بأهمية وأولوية البعد الإنساني في منطق التدخل الدولي في ليبيا لحماية المدنيين، سوى أن ذلك التدخل وفق الكثير من المراقبين تجاوز روح القرار الأممي عندما منح نفسه إرادة إسقاط القذافي.

الجزء الاول

أي أن هذا التدخل لم يكن فقط يقتصر على أبعاده الإنسانية كما تم التسويق له، وإن كان أحد مبررات التدخل المعقولة، بل أن هناك أبعاد أخرى تخفي مصالح أمنية وسياسية واقتصادية للكثير من الدول الغربية محل التأثير في الساحة الدولية.

أي بمعنى أوضح أن دافع التدخل في ليبيا، كان يهدف بالدرجة الأساس إلى تحقيق مصالح الدول المتدخلة وتكريسها لواقع الهيمنة والاستغلال، وأن اعتبارات تفعيل الحمائية الإنسانية هي آخر من تحضر في أولويات التدخل الدولي.

فالتدخلات في الأخير هي حاصل مصالح أكثر من كونها أعمال إنسانية، إذ ليس في قاموس السياسة الخارجية ثمة أعمال خيرية محضة.

لقد نتج عن التدخل الدولي في ليبيا كثير من الآثار والتداعيات السلبية. إذ فتح الساحة الليبية على تأثيرات عميقة أتت على بنية الدولة الأمنية والسياسية والتنموية بمقتل، وبما يهدد الأمن الإقليمي والعالمي بدرجة غير مسبوقة، خصوصاً في ظل تجاذب إقليمي شبه معادٍ للثورات، ويسعى للإطاحة بها ورموزها.

المقدمة

اندلعت الاحتجاجات الشعبية في ليبيا، في السابع عشر من شباط\فبراير 2011، للمطالبة بحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. وبدلا من أن يتفهم ويستجيب نظام القذافي لمطالب المتظاهرين واجه تلك الاحتجاجات السلمية بالعنف والاستخدام المفرط للقوة، سرعان ما تصاعدت الأحداث وأدى ذلك إلى وقوع انتهاكات جسيمة وخطيرة لحقوق الإنسان، أقضت مضجع المنظمة الأممية، ولامست اهتمامها الإنساني، ودفعت في ذات الوقت أطرافها للعمل السريع لوقف تلك الفظاعات بحق أبناء الشعب الليبي.

أصدر مجلس الأمن القرار 1973، استند فيه إلى مبدأ مسؤولية الحماية، أو مبدأ المصالح الحيوية للدول محل التأثير في المنظومة الأممية، وبموجبه فرضت منطقة حظر للطيران عبر ليبيا مما فتح المجال أمام طائرات حلف شمال الأطلسي في القضاء على مقدرات النظام العسكرية ووسائل مقاومته.

جاء التدخل الدولي لكن بدون حسابات دقيقة للشأن الليبي، إلا من إسقاط الديكتاتور، ثم ماذا بعد؟

هذا السؤال هو لغز أبعاد وتداعيات التدخل الخارجي، الذي لا يساعد على حل المشاكل بقدر ما يخلق تعقيدات يصعب التعامل معها، وهي ذاتها ما واجهته القوى الثورية في ليبيا ما بعد القذافي، خصوصا في ظل لعبة التجاذبات الإقليمية والدولية ذات الأجندات الانتهازية، التي تسعى إلى خلق ليبيا على مقاصها، وليس مقاس المصالح الليبية الحقيقية، والتي تعود بالنفع على أمن المواطن وتنمية بناه المؤسسية.

هذه المشكلة تطرح الحاجة إلى الإجابة عن السؤال الرئيسي التالي، محول اهتمام هذه الدراسة، وهو:

هل كان البعد الإنساني هو الدافع الحقيقي للتدخل في ليبيا أم أن هناك أبعاد أخرى تخفي مصالح إستراتيجية وإقتصادية للقوى الكبرى محل التأثير في الساحة الدولية؟

وهنا نفترض أن الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية كان لها أثر كبير في سرعة التدخل وفاعليته في ليبيا تحت المسمى الإنساني.

تسعى هذه الدراسة لكشف أبعاد التدخل الدولي في ليبيا، بعيدا عن التسطيحات المطروحة من قبيل أن ذلك التدخل جاء لدواعي إنسانية محضة، من خلال البحث العميق لماهية الأبعدا الرئيسة والحيوية للتدخل في ضوء المتغيرات السياسية والإقتصادية والأمنية والجيوبوليتكية، التي تساعد على فهم أعمق للتدخل الدولي، حتى تتجلي الأبعاد الحقيقية وراء ظاهرة التدخل الدولي بكل معالمها وتفاصيلها.

وترجع أهمية هذه الدراسة لعدة اعتبارات أهمها: الرغبة في فهم الأبعاد الحقيقية للتدخل الدولي في ليبيا وتوضيح أثاره، لا سيما في ضوء الخلافات والنقاشات الحادة التي أثارها موضوع التدخل الدولي في ليبيا في الساحة الإقليمية والدولية، وكذلك في الأوساط الأكاديمية والقانونية.

اعتمدت الدراسة على المقاربة النظمية (النسقية)، حيث تنظر هذه المقاربة إلى الحياة السياسية على أنها نظام سلوك موجود في بيئة يتفاعل معها آخذاً وعطاءً من خلال دراسة بيئة مدخلات صناعة القرار الأممي، الذي جاء تحت مبرر إنساني في ضوء مصالح الأعضاء الدائمين، وبعض القوى الفاعلة في هذه المنظومة الأممية، كان أن طبيعة النسق السياسي لا يغفل أهمية مدخلات البيئة الداخلية الاستراتيجية أمنياً واقتصادياً للدولة محل التدخل وهي ليبيا.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى المحاور التالية في محاولة للإجابة عن التساؤل في أعلاه، وهي كالتالي:

المحور الأول: مفهوم التدخل الإنساني ومدى مشروعيته

أولا: مفهوم التدخل الإنساني

لم يكن هناك إجماع واتفاق لفقه القانون الدولي حول تحديد المقصود بالتدخل الإنساني، فانقسم فقهاء هذا القانون إلى فريقين رئيسيين، فهناك من يؤيد المفهوم الضيق، ومنهم من يعتمد المفهوم الموسع.

1ـ المفهوم الضيق للتدخل الإنساني

يرى فريق محدود من الفقه أن التدخل الإنساني لا يمكن أن يحدث إلا من خلال استخدام القوة المسلحة، وهو الأساس التي يقوم عليه هذا التدخل، من أجل وقف الإنتهاكات الخطيرة والصارخة التي تمس بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والتي يهتز معها الضمير الإنساني.

ويعد الفقيه ليلاش، من أبرز أنصار التدخل الإنساني، حيث اعتبر أن الهدف من التدخل يكمن في حماية الرعايا وحرياتهم متى كانت دولهم عاجزة عن حمايتهم أو غير راغبة في ذلك، ويتضح أن المفهوم الضيق للتدخل الإنساني يرتبط بالقوة المسلحة فقط.

كما يرى سان ميرفي أن التدخل الإنساني يكمن في قيام دولة أو مجموعة دول أو منظمة دولية بصفة أساسية، بالاستخدام الفعلي للقوة بغرض حماية مواطني الدولة المستهدفة أو رعايا الدول الأخرى متى كانوا في أوضاع معرضين فيها للخطر.

أخذ بهذا الرأي كل من براونلي، وهاليك، وروسو، حيث أكدوا أن التدخل ليس مبررا فقط، بل واجب على الدول للتدخل لوقف المذابح الدموية التي تحدث نتيجة للحرب الأهلية المندلعة في دولة أخرى وفقا لما تفرضه المصلحة الانسانية العليا.

يتضح مما سبق، أن السبب في اعتماد بعض الفقهاء للقوة المسلحة كوسيلة أساسية لتنفيذ التدخل الإنساني، ربما يعود حسب تقديرهم إلى أن الوسائل السلمية، دائما ما تحتاج إلى وقت طويل لكي تحقق أهدافها الخاصة بإنقاذ حياة الأفراد الذين يتعرضون لخطر الموت كما أن أختلاف سياسات الدول وتضارب مصالحها السياسية والاقتصادية، غالبا ما يحد من جدوى اللجوء إليها، ويجعل من اللجوء إلى التدابير العسكرية أمراً لا مناص عنه.

2ـ المفهوم الموسع للتدخل الإنساني

لا يربط المدافعون عن المعنى الواسع بين التدخل الذي يتم لأغراض إنسانية، وبين استخدام القوة المسلحة، فهذا النوع من التدخل يمكن أن يتم بوسائل آخرى سلمية، كاستخدام الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي .. الخ، فكلما كان الهدف من هذه الوسائل دفع إحدى الدول على الكفّ عن انتهاك حقوق الإنسان، أمكن اعتباره تدخلا دوليا إنسانيا.

وبدوره ينحو الإستاذ ماريو بيتاني صوب الدفاع عن المعنى الواسع لحق التدخل الإنساني، حيث لا يقتصر هذا الحق على استخدام القوة المسلحة فحسب، وإنما إلى إمكانية اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية، كل ذلك بشرط أن يكون من شأن استخدامها وقف الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

يتضح مما سبق، أن التدخل الإنساني أشكالا مختلفة تتدرج من الوسائل السلمية، منها السياسية والاقتصادية، وصولا إلى الوسائل العسكرية من أجل وقف المعاناة الإنسانية، سواء كانت ناتجة من كوارث طبيعية أو أزمات إنسانية، تجدر الإشارة أن التدخل الإنساني لكي يكون شرعيا يجب أن ينفذ من خلال الشرعية الدولية وفقا لميثاق الأمم المتحدة، كما أن التدخل الإنساني ينأى عن أن يكون إنسانيا إذا كان يهدف إلى تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية للمتدخل، أو إذا كانت وسائله أو نتائجه تزيد من حدة المعاناة لمن هم هدف التدخل الإنساني.

يتبع في الجزء التالي بتناول ثانيا: موقف الفقه الدولي من التدخل الإنساني

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال – جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

المصدر: مجلة الدراسات الإستراتيجية والعسكرية : العدد الثاني كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي مجلة ثلاثية دولية محكّمة تصدر من ألمانيا – برلين عن “المركز الديمقراطي العربي. تعنى المجلة في مجال الدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات الدراسات العسكرية والأمنية والإستراتيجية الوطنية، الإقليمية والدولية.

________________