Minbar Libya

أثر حظر العمل والتنظيم الحزبي في ليبيا على تشوّه الثقافة السياسية تجاه الظاهرة الحزبية خلال الفترة 1951-2010

بقلم أحمد الرشيد، وعماد دخيل، وحكمت صبرة

تعد التعددية الحزبية ظاهرة حديثة العهد في الأنظمة السياسية المعاصرة، وقد أضحت ـ أحد مقومات العملية الديمقراطية في العالم اليوم، إذ لا تستقيم الديمقراطية النيابية إلا بوجود تعددية حزبية.

الجزء الرابع

المحور الثالث: العمل والتنظيم الحزبي خلال حقبة حكم القذافي

يعد الأول من سبتمبر عام 1969 بداية حقبة جديدة لدولة ليبيا حديثة الإستقلال، بقيام مجموعة من صغار ضباط الجيش الليبي بقيادة الملازم أول معمر القذافي بالإطاحة بالنظام الملكي.

لقد كان للنظام الجديد ـ ومنذ البداية ـ رؤية واضحة فيما يتعلق بالأحزاب السياسية في ليبيا، فقد أظهر العقيد القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة رفضه القاطع للعمل والتنظيم الحزبي، حيث أشار في أول خطاب شعبي له أمام ضريح عمر المختار في مدينة بنغازي يوم 16 سبتمبر 1969، بتجريم الحزبية والحزبيين، فقال عنها: “لا حزبية بعد اليوم ومن تحزب خان، وتلا ذلك العديد من القرارات والقوانين التي منعت العمل والتنظيم الحزبي خلال فترة حكم نظام القذافي (1969 – 2011).

1ـ الاتحاد الاشتراكي العربي: التنظيم السياسي الوحيد في البلاد

في ندوة الفكر الثوري التي عقدت في مايو 1970، وأدارها العقيد القذافي بنفسه، اقترح فيها صيغة الاتحاد الإشتراكي العربي، كتنظيم وحيد للبلاد يضم قوى الشعب العاملة من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين وجنود ورأسمالية وطنية غير مستغلة، إضافة إلى بعض المثقفين والمفكرين والكتاب والحزبيين ومنتسبي الحركة الوطنية في ليبيا.

لقد شرع العقيد القذافي منذ بداية عام 1970 إلى فرض فكرة التنظيم السياسي الوحيد، وقد اتخذت هذه الفكرة شكل واسم التنظيم الشعبيثم تحولت إلى الاتحاد الإشتراكي العربي، وفي عام 1977 تطورت إلى صيغة سلطة الشعبمن خلال المؤتمرات الشعبية، واللجان الشعبية، والنقابات، والإتحادات، والروابط المهنية، مؤتمر الشعب العام، أي شكل النظام الجماهيري، وقدّمت هذه الفكرة في كل مرة على أساس أن التنظيم يشكل الوعاء السياسي الوحيدالذي يُسمح فيه لليبيين من خلاله بممارسة السلطة.

لقد حثّ القذافي الليبيين على إطلاق الحريات كاملة، لكنه لم يورد ذكرا للأهداف الديمقراطية مثل الأحزاب السياسية، وكان دائما يصف الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا بأنه دكتاتوريات العصر، ودعاها إلى أن تتعلم الديمقراطية الحقة، كما يظن، والمطبقة في ليبيا التي يعدّها الديمقراطية الحقيقية، وتتمثل في حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية.

ومنذ البداية حاول القذافي السيطرة على زمام الأمور في ليبيا عند الإعلان في 11 يونيو 1971 عن قيام الاتحاد الاشتراكي العربي، باعتباره التنظيم السياسي الوحيد في البلاد، الذي نص في نظامه الأساسي على أن مجلس قيادة الثورة هو اللجنة العليا للإتحاد، وعين الرائد بشير هوادي، وهو أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، أمينا عاما، والعقيد القذافي رئيسا للمؤتمر القومي العام لهذا التنظيم، ومن خلاله قام النظام السياسي السابق بإصدار العديد من القرارات والقوانين والتشريعات.

في ذكرى معركة الهاني الشهيرة ألقى القذافي خطابا مطولا جاء فيه: “لكن الشعارات التي تطرح اليوم، والتي يراد من ورائها ترضية الكتلة الغربية أو الكتلة الشرقية أو من أجل قيادة أحزاب سياسية، ومن أجل الزعامة وكراسي الحكم، هذه الشعارات فشلت كلها في الميدان، ولن تستطع أن تجمع الأمة العربية على كلمة، ولن تخلق زحفا مقدسا نحو الهدف العظيم، ولن تتمكن من أن تجمع الشعب المبعثر لتتحطم السدود وتختفي الحدود المصطنعة، لأن الشعارات التي طُرحت كانت شعارات حزبية ضيقة، الغرض منها الوصول إلى كراسي الحكم واحتلال مناصب في المجالس النيابية وفي تشكيل الحكومات … ، إن أغلب شعاراتها ضيقة، الغرض منها الوصول إلى كراسي الحكم واحتلال مناصب في المجالس النيابية وفي تشكيل الحكومات ، إن أغلب شعاراتها محدودة دون محتوى أو مضمون، كانت دون برهان يقنع الناس، بل كانت في معظمها تلفيقا وبهتانا وتدجيلا وتضليلا للتربع على كراسي الحكم.

2 ـ القوانين والتشريعات النافدة وتجريم العمل والنشاط الحزبي:

يعد صدور القانون رقم (17) لسنة 1972 تأكيدا على حظر تأسيس الأحزاب السياسية في ليبيا ومنع أي نشاط حزبي سري أو علني، حيث نصّ هذا القانون على رفض ومنع قياد الأحزاب السياسية منعا باتاً، وشكك في نواياها، وأعلن النظام الجديد عداءه التام لها، وصل إلى حد التجريم والإتهام بالخيانة للوطن، وتضمنت إحدى مواده بأن ممارسة الحياة الحزبية خيانة في حق الوطن، وتبلور ذلك بشكل واضح في مقولة من تحزب خان“.

ونصت المادتان الأولى والثانية من هذا القانون على أن: الاتحاد الاشتراكي العربي هو التنظيم الشعبي السياسي الوحيد في الجمهورية العربية الليبية، يمارس المواطنون من خلاله حرية الرأي والتعبير في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة، وفقا لأحكام النظام الأساسي للاتحاد الاشتراكي العربي.

كما أكدت هاتان المادتان أن الحزبية خيانة في حق الوطن وتحالف قوى الشعب العاملة الممثلة في الاتحاد الاشتراكي العربي. ويقصد بالحزبية كل تجمع أو تنظيم أو تشكيل أيا كانت صورته أو عدد أعضائه، يقوم على فكر سياسي مضاد لمبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر في الغاية أو الوسيلة، أو يرمي إلى المساس بمؤسساتها الدستورية سواءً أكان سريا أو علينا، أو كان الفكر الذي يقوم عليه مكتوبا أو غير مكتوب أو استعمل دعاته ومؤيدوه وسائل مادية أو غير مادية“.

ويتضح من خلال هاتين المادتين منذ البداية، أن الاتحاد الإشتراكي العربي ليس حزبا سياسيا، ولا يمارس مهام الحزبيين.

ورتّبت المادتان الثالثة والرابعة من هذا القانون عقوبات الإعدام والسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات لكل من دعا إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل سياسي محظور. وجاء في نص القانون أن يعاقب بالإدام كل من دعا إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور بموجب هذا القانون، أو قام بتأسيسه أو إدارته أو تمويله أو أعد مكانا لاجتماعاته، وكل من أنضم إليه أوحرّض على ذلك بأية وسيلة كانت بقصد إقامة التجمع أو التنظيم أو التشكيل المحظور أو التمهيد لإقامته، ولا فرق في العقوبة بين الرئيس والمرؤوس مهما دنت درجته في الحزب أو التجمع أو التنظيم أو التشكيل أو الفرقة أو الخلية أو ما شابه ذلك، كما يعاقب كل من علم بوقوع جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ولم يبلغ عنها بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات“.

وتنطلق النظرية الجماهيرية في تبرير دواعي معاداتها للظاهرة الحزبية ومساواتها بالتخريب والخيانة للوطن، من رؤية العقيد القذافي وتوجهاته التي جاء بها الكتاب الأخضر وأخذ بها التشريع الليبي واعتمد عليها لاحقا، وتمثلت هذه المبررات، إلى جانب التحليل العام الرافض للعمل والتنظيم الحزبي، مبدأ المعاملة بالمثل إذ يشير العقيد القذافي: “طالما أن الشيوعيين لا يسمحون لنا أن ننشط في أرضهم، فلماذا نسمح لهم أن ينشطوا في أرضنا، ويضيف في رفضه، خاصة للإخوان المسلمين: “إن الإسلام دين عالمي، ولا نسمح بأي شكل أن يتحول إلى خلية حزبية أو أن ينطوي على نفسه وينسحب في الظل، لأن ذلك يشكل جريمة حقيقية ضد الدين نفسه، ومن هنا كان الإخوان المسلمين يسيئون إلى الدين“.

3ـ الثورة الشعبية وتطهير البلاد من الحزبيين :

في ذكرى المولد النبوي الشريف، الموافق الخامس عشر من أبريل 1973، أعلن القذافي الثورة الشعبية، حيث قال: “تمثل هذه النقاط برنامجا للثورة الشعبية أو الثقافية التي ستبدأ بتشكيل لجان شعبية في كل مدينة وقرية ومدرسة ومصنع وجامعة ومطار ، الخ، ويمكن حصر النقاط الخمس التي شكلت رؤية القذافي وتوجهاته السياسية لاحقا:

أـ تعطيل القوانين المعمول بها كافة.

ب ـ تطهير البلاد من جميع الحزبيين الذين وصفوا بالمرضى.

ج ـ الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعدائه.

د ـ إعلان الثورة الإدارية.

هـ ـ إعلان الثورة الثقافية.

لقد تضمن خطاب زوارة في أهم بنوده تطهير البلاد من جميع الحزبيين، حيث أشار القذافي بالخصوص: “لابد من تطهير البلاد من جميع المرضى، منذ ثلاث سنوات والمرضى يعالجون معالجة طبيعية، ومنعتُ اعتقال الناس الذين يتآمرون على الشعب، ويتآمرون على التحول الثوري …، أنا لا أقبل أن واحدا يسمم أفكار الناس، وهو ليس بقادر على قبول التحدي، هذه حصلت في الجامعة، وحصلت في الشارع، وعليه أنا أقول لكم أي واحد نجده يتكلم عن الشيوعية أو فكر ماركس أو إلحادي سوف يوضع في السجن، وسأصدر الأمر لوزير الداخلية بتطهير أي مجموعة من هؤلاء الناس المرضى ، معنى هذا أن هناك أناس عليهم أن يجهزوا أنفسهم من الآن لأنني سأضعهم في السجن“.

ويمثل إعلان الثورة الثقافية أهم خصائص هذه المرحلة، التي تم فيها تثوير البنى الإدارية للحكومة من منظور ورؤية القذافي، وإلغاء القوانين القديمة، ففي 18 أبريل 1973، وخلال مؤتمر صحفى أكد القذافي رفضه للحزبية والحزبيين ونيته التخلص منهم حيث يقول: “أما أولئك الذين لهم توجهات أو أهداف حزبية، فلابد للشعب أن يتخلص منهم، وفي إحدى الكليات ظهر بعض الشوعيين، وهم إثنان أو ثلاثة طلاب، ولكن الطلبة أخرجوهم.

إن الحزبيين يجب ألا يكون لهم مكان بيننا، ولابد أن نضعهم في السجن ليدفعوا ثم جريمتهم لخروجهم عن الصف والجماعة وعمالتهم للأجانب،وعدم إيمانهم بشعبهم وأمتهم ودينهم. وهكذا يبدو أن إعلان الثورة الشعبية أريد به كسب التأييد الشعبي في اتجاه تنظيم المؤسسات الإدارية والبيروقراطية، وكذلك أداة أريد بها تجاوز معارضي النظام السابق.

الجزء التالي سيتناول المحور الثالث: العمل والتنظيم الحزبي خلال حقبة حكم القذافي (4ـ الكتاب الأخضر وحظر العمل والنشاط الحزبي وتجريمه)

***

د. أحمد الزروق أمحمد الرشيد ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

أ. عماد مفتاح فرج دخيل ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

أ. حكمت أحمد رجب صبرة ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

***

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد الثالث عشر يناير – كانون الثاني 2019 – المجلد الثالث. وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيابرلين، تُعنى بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والقانون والسياسات المقارنة، والنظم المؤسسية الوطنية أو الإقليمية والدولية.

______________