Minbar Libya

أثر حظر العمل والتنظيم الحزبي في ليبيا على تشوّه الثقافة السياسية تجاه الظاهرة الحزبية خلال الفترة 1951-2010

بقلم أحمد الرشيد، وعماد دخيل، وحكمت صبرة

تعد التعددية الحزبية ظاهرة حديثة العهد في الأنظمة السياسية المعاصرة، وقد أضحت ـ أحد مقومات العملية الديمقراطية في العالم اليوم، إذ لا تستقيم الديمقراطية النيابية إلا بوجود تعددية حزبية.

الجزء الخامس

المحور الثالث: العمل والتنظيم الحزبي خلال حقبة حكم القذافي

4ـ الكتاب الأخضر وحظر العمل والنشاط الحزبي وتجريمه

لقد شرعت صحيفة الفجر الجديدالرسمية منذ عددها الصادر 17 سبتمبر 1975 في نشر جزء من أحاديث وخطابات القذافي حول جملة من القضايا والمسائل المتعلقة بنظام الحكم في ليبيا لعل أهمها:

أـ المجالس النيابية: تمثيل خادع للشعب، والنظام البرلمانية حلّ تلفيقي لمشكلة الديمقراطية ، فلا نيابة عن الشعب، والتمثيل تدجيل، ووجود مجلس نيابي معناه غياب الشعب.

ب ـ الحزبية: إجهاض للديمقراطية، و تعدد الأحزابمدمّر لحياة المجتمع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، إن فوز أي جزب معناه هزيمة الشعب والديمقراطية، و اللعبة الحزبيةلعبة هزلية.

ج ـ الحزب: قبيلة العصر الحديث، والحزب يمثل جزء من سيادة الشعب، وسيادة الشعب لا تتجزأ، والحزب يحكم نيابة عن الشعب، والصحيح لا نيابة عن الشعب ومن تحزب خان الوطن.

وفي 3 يناير 1976 أصدر القذافي كتيبه الأخضر الذي تطرّق في فصله الاول للأحزاب السياسية على النحو التالي:

أ ـ الاحزاب السياسية ذات مصلحة واحدة وهي الحكم، وقد ورد في الكتيب الأخضر بأن الحزب: “هو حكم الجزء للكل، وهو آخر الأدوات الدكتاتورية حتى الآن، وبما أن الحزب ليس فرداً، فهو يضفي ديمقراطية مظهرية بما يقيمه من مجالس ولجان ودعاية بواسطة أعضائه، فالحزب ليس أداة ديمقراطية على الإطلاق، لأنه يتكون إما من ذوي المصالح الواحدة، أو الرؤية الواحدة، أو الثقافة الواحدة، أو المكان الواحد، أو العقيدة الواحدة، هؤلاء يكونون الحزب لتحقيق مصالحهم أو فرض رؤيتهم أو بسط سلطان عقيدتهم على المجتمع ككل، وهدفهم السلطة باسم تنفيذ برنامجهم

ويرى القذافي في كتيبه بأن الحزب يقوم أصلاً ممثلا للشعب، ثم تصبح قيادة الحزب، ويتضح أن اللعبة الحزبية لعبة هزلية خادعة تقوم على شكل صوري للديمقراطية، فهي حقا دكتاتورية العصر الحديث

ب ـ صراع الأحزاب مع بعضها من أجل الوصول إلى السلطة هو خراب للمجتمع وأداة للقضاء عليه في رأي القذافي حين قال: “مهما تعددت الأحزاب فالنظرية واحدة، بل يزيد عددها من حدة الصراع على السلطة، ويؤدي الصراع الحزبي على السلطة إلى تحطيم أسس أيّ إنجاز للشعب، ويخرب أي مخطط لخدمة المجتمع، لأن تحطيم الإنجازات وتخريب الخطط هو المبرر لمحاولة سحب البساط من تحت أرجل الحزب الحاكم ليحل محله المنافس له، والأحزاب في صراعها ضد بعضها، إن لم يكن بالسلاح ـ وهو النادر ـ فبشجب وتسفيه أعمال بعضها بعضا

ج ـ الحزب مدمر للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في نظر القذافي، حيث يقول: “إن حزب المعارضة لكونه أداة حكم، ولكي يصل إلى السلطة، لابد له من إسقاط أداة الحكم التي في السلطة، ولكي يسقطها لابد أن يهدم أعمالها ويشكك في خططها، حتى ولو كانت صالحة للمجتمع، ليبرر عدم صلاحها كأداة حكم، وهكذا تكون مصالح المجتمع وبرامجه ضحية صراع الأحزاب على السلطة، وهكذا، برغم ما يثيره تعدد الأحزاب من نشاط سياسي، إلا أنه مدمّر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا لحياة المجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى فنتيجة الصراع هي انتصار أداة حكم أخرى كسابقتها، أي سقوط حزب وفوز حزب ولكن هزيمة الشعب“.

د – يرى القذافي في الأحزاب أيضا التدجيل والتزييف والبطلان: “إن المجلس النيابي للحزب الفائز هو مجلس الحزب، والسلطة التنفيذية التي يكونها ذلك المجلس هي سلطة الحزب على الشعب، وإن السلطة الحزبية التي يفترض أنها لمصلحة كل الشعب، هي في واقع الأمر عدو لدود لجزء من الشعب، وهو حزب أو أحزاب المعارضة وأنصارها من الشعب، والمعارضة ليست رقيبا شعبيا على سلطة الحزب الحاكم، بل هي متربصة لمصلحة نفسها لكس تحل محله في السلطة، أما الرقيب الشرعي وفق هذه الديمقراطية الحديثة فهو المجلس النيابي الذي غالبيته هم أعضاء الحزب الحاكم، أي الرقابة من حزب السلطة، والسلطة من حزب الرقابة، هكذا يتضح التدجيل والتزييف وبطلان النظريات السياسية السائدة في العالم اليوم والتي تنبثق منها الديمقراطية التقليدية الحاليةوبذلك فإن:

ـ الحزب يمثل جزء من الشعب، وسيادة الشعب لا تتجزأ.

ـ الحزب يحكم نيابة عن الشعب، والصحيح لا نيابة عن الشعب.

هـ ـ الحزب هو الطائفة وهو القبيلة، فهو ظاهرة مرفوضة في الكتاب الأخضر لأنها تجسد نفس العملة، وهي المصالح حيث ورد في الكتاب الأخضر: “الحزب هو قبيلة العصر الحديث هو الطائفة، إن المجتمع الذي يحكمه حزب واحد هو تماما مثل المجتمع الذي تحكمه قبيلة واحدة أو طائفة واحدة، ذلك أن الحزب يمثل، كما سبق رؤية مجموعة واحدة من الناس، أو مصالح مجموعة واحدة من المجتمع، أو عقيدة واحدة، أو مكانا واحدا، وهو بالتالي أقلية إذا ما قورن بعدد الشعب، وهكذا القبيلة والطائفة فهي أقلية إذا ما قورنت بعدد الشعب، وهي ذات مصالح واحدة أو عقيدة طائفية واحدة، ومن تلك المصالح أو العقيدة تتكون الرؤية الواحدة، ولا فرق بين الحزب أو القبيلة إلا رابطة الدم، والتي ربما وجدت عند منشأ الحزب“.

5 ـ الأحزاب السياسية من منظور سلطة الشعب:

يعرف الحزب في النظرية الجماهيرية على أنه تحزب أشخاص تربطهم العقيدة الواحدة أو المصلحة الواحدة أو الرؤية الواحدة، فهو تنظيم يعبّر عن مصلحة هذه المجموعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مواجهة سائر أفراد الشعب الذين هم خارج الحزب“.

أما الحزبية فينظر إليها على أنها كل تجمع أو تنظيم أو تشكيل أيا كانت صورته أو عدد أعضائه يقوم على فكر سياسي مضاد لمبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 في الغاية أو الوسيلة، ويرمي إلى المساس بمؤسساتها سواء أكان سريا أم علنيا، أو كان الفكر الذي يقوم عليه مكتوبا أو غير مكتوب أو استعمل دعاته ومؤيدون وسائل مادية أو غير مادية، وفقا للمادة الثانية من قانون رقم 17 تجريم الحزبية لسنة 1972”.

وعلى أساس ذلك، يتم النظر إلى الحزبية بوصفها جريمة تشكل أساسا بالسيادة الوطنية وخيانة لها، لأنها تنال من مبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر في غايتها المتمثلة في تمكين جميع أفراد المجتمع من المشاركة في السياسة والحكم، ووسيلتها المتجسدة في الأخذ بمؤسسات الديمقراطية الشعبية المباشرة التي تعد الأحزاب أي كانت أفكارها وغاياتها اختراقا لها، ومصدرا خطيرا يهدد مؤسساتها الدستورية في المؤتمرات واللجان الشعبية“.

جاء إعلان قيام سلطة الشعب، الذي تم فيه وضع أسلوب الحكم الجديد في ليبيا في 2 مارس 1977، مؤكدا على أنه: “يجسد الحكم الشعبي على أرض الفاتح العظيم إقرارا لسلطة الشعب الذي لا سلطة لسواه، يعلن تمسكه بالحرية واستعداده للدفاع عنها فوق أرضه وفي أي مكان من العالم، وحمايته للمضطهدين من أجلها. ويعلن تمسكه بالاشتراكية تحقيقا لملكية الشعب، ويعلن التزامه بتحقيق الوحدة العربية الشاملة، ويعلن تمسكه بالقيم الروحية ضمانا للأخلاق والسلوك والآداب الانسانية، ويؤكد سير الثورة الزاحفة بقيادة القذافي نحو السلطة الشعبية الكاملة، وتثبيت مجتمع الشعب القائد والسيد الذي بيده السلطة والثروة والسلاح، مجتمع الحرية، وقطع الطريق نهائيا على أنواع أدوات الحكم التقليدية كافة، من الفرد والعائلة والقبيلة والطائفة والطبقة والنيابة والحزب ومجموعة الأحزاب، ويعلن استعداده لسحق أي محاولة مضادة لسلطة الشعب سحقا تاماً.

ما يميز إعلان قيام سلطة الشعب من غيره في ليبيا خلال حقبة النظام السابق هو تبنيه فكرة الديمقراطية المباشرة وتطبيقها خلال الفترة 1977ـ2010، فالديمقراطية المباشرة يمكن تطبيقها وفقا لهذه الرؤية من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية كبنى أساسية للنظام السياسي الليبي، والتي جاءت في الكتاب الأخضر في جزئه الأول الذي تناول المشكلات السياسية ذات العلاقة بأداة الحكم، كما انتقدت الأيديولوجيا النظام الحزبي وأصدرت مجموعة من القوانين التي وضعت قيوداً قانونية صارمة على النشاط السياسي لعل أهمها قطعا قانون حماية الثورة.

لا شك أن مبررات رفض الحزبية تتماشى أساساً مع طبيعة وأسلوب الديمقراطية المباشرة التي جاء بها الكتاب الأخضر، وهو ما حدا بالنظام السابق إلى تجريم أي نشاط أو تنظيم سري أو علني كونه يتناقض مع أهداف وطبيعة نظام الحكم المستند إلى مبدأ سلطة الشعب التي تعني أن جميع أفراد المجتمع يتقاسمون السلطة، وبذلك أصبحت الحزبية ظاهرة يتناقض وجودها مع التطبيق السليم لممارسة الحكم من دون أي وسيط أو وصاية، ومن هنا حرص المشرع الليبي على تجريم الحزبية في الإطار العام للنظام السياسي الليبي.

وفي خطاب للقذافي بمناسبة الذكرى الثالثة لإعلان سلطة الشعب عام 1980 أكد رفضه تأسيس الأحزاب السياسية في ليبيا حيث قال: “إن الإمكانات والمقدرات التي هي اليوم بيد الحكومات التي تعبر عن وجودها في حزب واحد أو في مجموعة أحزاب أو طبقة أو في طائفة أو عائلة أو في قبيلة أو في فرد أو في لجنة أو في مجلس، كل أشكال الحكومات التي تعبر عن نفسها بكيفية أو بأخرى في سيطرتها على الجماهير، هذه الإمكانات التي لدى هذه الحكومات توظفها هذه الحكومات للتنكيل بالجماهير.

وتحت عنوان هذه ديمقراطية مزيفةفي لقاء وحوار فكري مع أساتذة الجامعات اللبنانية في 9 فبراير 1983 “ما يسمى الآن بالديمقراطية التقليدية، هذا تزييف للديمقراطية، ديمقراطية معناها أن الشعب على الكراسي، نفتش إذا وجدنا الشعب جالسا على الكراسي، وليس نواباً عن الشعب، وليست حكومة الشعب، ولا مجلس الشعب ولا حزب الشعب ولا الجبهة الشعبية، هذا كله تزييف ودجل، ولا هناك حزب ديمقراطي ولا رئيس ديمقارطي، الحزب يتكون لكي يصل إلى السلطة نيابة عن الشعب، أما الديمقراطية فتعني المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية“.

وفي 2 مارس 1988، بادر القذافي أمام المؤتمر الشعبي العام بالتأكيد على أنه سوف يتخذ العديد من إجراءات الأنفراج السياسي في ليبيا، إلا أن الواقع أثبت بقاء الأسس التي قام عليها النظام الليبي ومنها استمرار العداء للديمقراطية الليبرالية واستمرار تجريم الحزبية.

وفي عام 2009، ألقى القذافي كلمة للإيطاليين في ميدان كامبيدو جليو الشهير بروما بقوله إنه لو كان الأمر بيده لألغيت الأحزاب السياسية ومُنح الشعب الإيطالي السلطة المباشرة، وأنه لن يكون هناك يمين ولا يسار ولا وسط فالنظام الحزبي يجهض الديمقراطية.

يتوافق ذلك مع أقوال القذافي في كتيبه الأخضر بأن المجلس النيابي تمثيل خادع للشعب، والنظم النيابة حل تلفيقي لمشكلة الديمقراطية، والحزب آخر الدكتاتوريات حتى الآن، لقد أدت هذه الآراء المعادية للأحزاب إلى غياب العمل والتنظيم الحزبي في ليبيا.

الجزء التالي سيتناول المحور الثالث: العمل والتنظيم الحزبي خلال حقبة حكم القذافي .. (6 ـ حملات الاعتقالات والإعدامات الممنهجة)“.

***

د. أحمد الزروق أمحمد الرشيد ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

أ. عماد مفتاح فرج دخيل ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

أ. حكمت أحمد رجب صبرة ـ استاذ العلوم السياسية المساعد، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي

***

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد الثالث عشر يناير – كانون الثاني 2019 – المجلد الثالث. وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيابرلين، تُعنى بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والقانون والسياسات المقارنة، والنظم المؤسسية الوطنية أو الإقليمية والدولية.

______________