Minbar Libya

بقلم د. عبير أمنينة

جل هذه البلديات تفتقر للهيكل التنظيمي القوي والفاعل الذي يضمن الحد من المشكلات المحلية، ناهيك عن افتقادها للموارد البشرية المؤهلة والقادرة على الاضطلاع باختصاصات البلديات.

المقدمة:

كان الفراغ الذي تركه انهيار النظام السياسي السابق في فبراير 2011 وانسحاب الدولة الهشة المسؤولة عن تقديم الخدمات في المقام الأول من هيئاتها المحلية، السبب الرئيسي في تنادي كثير من سكان المدن التي تخلصت مبكرا من سيطرة النظام في منطقة برقة شرق البلاد وكذلك زوارة ومصراته والزنتان في غرب البلاد إلى تكوين مجالس محلية وتشكيلها بناء على  قاعدة التوافق بين السكان.

نُظِمت  اختصاصات هذه المجالس المحلية غير المنتخبة وفقا للقرار رقم (175) لسنة 2011 للمجلس الانتقالي والقاضي باعتماد النظام الداخلي للمجالس المحلية وتحديد اختصاصاتها. وسيرت أعمالها وفقا لميزانية الطوارئ في الحكومة الانتقالية.

ولقد أخذت هذه المجالس الوليدة الأبيار، بنغازي، مصراتة، زوارة، الزنتانعلى عاتقها مهمة ملء الفراغ الذي نجم عن انسحاب وغياب الدولة المركزية بمقدراتها الضعيفة.

وهي ساهمت بلا شك في تقديم الحد الأدنى من الخدمات للسكان بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية والمنظمات غير الحكومية الدولية التي انهمرت على البلاد حينها بحجة مساندة الليبيين وتقديم الدعم في بناء قدرات مؤسساتهم والإغاثة الإنسانية.

بعد إعلان انتهاء العمليات العسكرية ضد نظام القذافي في أكتوبر2011، شرعت كثير من المدن عام 2012 في انتخاب  مجالسها المحلية ومن ثم المجالس البلدية عام 2014 (بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (161) لسنة 2013 باعتماد ضوابط انتخابات المجالس البلدية).

وانتخبت 99 بلدية أعضاء مجالسها واختارت عميدها من بين المنتخبين. إلا أنه وبمجرد أن أعلن رئيس الوزراء حينها السيد علي زيدان تخصيص ميزانيات منفصلة للبلديات، بدأت مطالبات سكان القرى تتصاعد بشأن إنشاء بلديات لمناطقهم النائية رغم افتقارها إلى المقومات الموضوعية لتأسيس بلدية، على الأقل من الناحية السكانية.

ولقد مارست هذه المناطق كثيرا من الضغوط التي تمت الاستجابة إليها حتى وصل عدد البلديات حاليا إلى (104) بلدية، تتبع رأسيا وزارتين للحكم المحلي بسبب الانقسام المؤسسي الناجم عن الصراع السياسي في ليبيا؛ إحداها في شرق البلاد تابعة للحكومة المؤقتة المشكلة من قبل مجلس النواب، والأخرى في الغرب تتبع للمجلس الرئاسي.

وتفتقد هذه البلديات على إطلاقها الموارد البشرية للإدارة فضلا عن الموارد المالية اللازمة لتمويل مشاريعها.

ولا زالت عملية إنشاء البلديات الجديدة تتم بمعزل عن أي معطيات اقتصادية أو إدارية، إنما تتحكم فيها التوازنات القبلية والجهوية واعتباراتها. وتعد بلدية عمر المختار التي أنشئت بموجب قرار مجلس الوزراء بالحكومة المؤقتة رقم (629) لسنة 2018 أحدث بلدية تم تأسيسها في شرق البلاد دون أن يكون لذلك أي مبررات موضوعية.

مارست مجالس البلديات وإن كان بشكل غير كامل أغلب صلاحيات مجالس المحافظات التي أحيلت إليها بموجب التعديل رقم (9) للعام 2013 بعدما تم إرجاء عملية انتخابها نتاج الصراعات القبلية والجهوية بين المناطق سيما في غرب البلاد والتي تأججت بعد فبراير 2011.

استمرت مجالس البلديات في أداء عملها إلى أن اندلعت الحرب في مناطق شرق البلاد، حيث تمّ تعليق عملها في هذه المناطق واستبدال عمداء المجالس البلدية المنتخبة في كل من بنغازي، الأبيار، الأبرق، شحات، أجدابيا ،الكفرة، قمينس، المرج وبلدية الساحل،  بعمداء بلديات جدد، وذلك من قبل الحاكم العسكري درنةبن جواد، اللواء عبد الرازق الناظوري بموجب تكليف من مجلس النواب.

كما تم إيلاء تبعية كل القطاعات الخدمية والإنتاجية بالبلدية لهم. ولقد تم تبرير ذلك بمقتضيات مواجهة الارهاب الذي استوطن مدينة بنغازي.

لقد ألقت عسكرة البلديات بظلالها على طبيعة تعاطي الدول الغربية المانحة وتعامل المنظمات الدولية غير الحكومية التي ارتأت في البدء عدم التعاطي مع بلديات الشرق. فلم تتعامل هذه المنظمات معها إلا بعدما لمست على المستوى العسكري إنجازات تحققت على الأرض، ورأت بأنه لا مناص من التعامل معها ومع المؤسسة العسكرية في سبيل بناء قدرات هذه البلديات التي تضطلع  بمهام تقديم الخدمات للسكان المدنيين.

وبالرغم من إلغاء مجلس النواب لقرار تكليف  الناظوري بمهام الحاكم العسكري الذي صدر بعد تحرير درنة في 19 يونيو 2016 من الجماعات المسلحة، استمر عمداء البلديات المكلفون منه في مناصبهم بناء على قرار لرئيس الوزراء بالحكومة المؤقتة.

وقد تم تعديله لاحقا بإعفاء عميدي بلديتي شحات وبنغازي من منصبيهما وتسمية لجنة تسييرية لهما عوضا عن إرجاع مجلسيها المنتخبين سابقا .

كما تم تغيير تسمية المجلس البلدي لسلوق وأيضا بئر الأشهب إلى مجلس تسييري بموجب القرار رقم (701) لسنة 2018.

ولقد سبّب هذا التدخل من رئيس مجلس الوزراء الكثير من الاستهجان وطرح العديد من علامات الاستفهام  حول الإطار القانوني الكامن وراء هذه السياسة المنتهجة من قبل الحكومة للتدخل في عمل المجالس البلدية وانتهاكها لمواد القانون رقم (59) لنظام الإدارة المحلية الذي كان نص على أن إدارة البلديات تكون بواسطة مجالسها المنتخبة (المادة 26)، وأيضا في تغيير تسمية المجلس البلدي إلى مجلس تسييري دون مبرر موضوعي وقانوني.

وما يزيد من قابلية هذا الأمر للنقد، هو توقيت هذه القرارات، حيث أن الانتخابات البلدية ستكون على الأبواب، وأن طبيعة الوضع في بعض البلديات وبخاصة بنغازي التي عاشت ثلاث سنوات تحت الحرب، تحتاج إلى إدارة مستقرة وامكانيات كبيرة لتمكين النازحين من العودة وإصلاح البنية التحتية المدمرة. ويقدر عدد العائلات النازحة بأكثر من 100.000 عائلة.

الجدير بالذكر بأنه بالرغم من اختلاف تبعية بلديات الشرق والغرب وكذلك الجنوب لحكومتين مختلفتين، إلا أن واقع هذه البلديات يكاد يكون متطابقا. فجل هذه البلديات تفتقر للهيكل التنظيمي القوي والفاعل الذي يضمن الحد من المشكلات المحلية، ناهيك عن افتقادها للموارد البشرية المؤهلة والقادرة على الاضطلاع باختصاصات البلديات التي منحها إياها القانون (59).

من أهم التحديات التي تواجه عمل البلديات في ليبيا الوضع الأمني غير المستقر والذي يصل أحيانا إلى خطف عمداء البلديات ناهيك عن تأثير الوضع السياسي وانقساماته على أداء الإدارة المحلية واستقراراها ومدى انضباطها بمعايير الحوكمة.

فقد رصد ديوان المحاسبة لعام 2017 في هذا السياق كثيراً من التجاوزات المالية والإدارية والتي اقترفتها بعض المجالس البلدية.

وما يزيد من حجم التحديات، هو انهماك عمدائها في مناقشة الشأن السياسي لتقديم مبادرات للخروج من حالة الانقسام والتشظي والدخول في سلسلة من اللجان واللقاءات السياسية  والانهماك في دائرة مطولة من الاجتماعات برعاية دولية مع تناسي الاضطلاع بمهامهم التي انتخبوا أو اختيروا من أجلها ومسؤولياتهم الخاصة بتحسين أوضاع الخدمات وتنمية مناطقهم المحلية.

*** 

د. عبير امنينة ـ أستاذ مشارك في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بنغازي ورئيس مجلس إدارة مفوضية المجتمع المدني في ليبيا

__________

نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس