Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

موضوعيا يرتبط مستقبل الاسلاميين في ليبيا، بعوامل ذاتية تخصم كتيار وأخرى موضوعية على غرار التطورات الاقليمية والدولية وبمستقبل ليبيا كبلد يعيش أزمة متفاقمة منذ 2014.

ومن الطبيعي أن مستقبل التيارات الجهادية يختلف عن مستقبل الاسلاميين المؤمنين بالخيار الديمقراطي، فما هو مستقبل مختلف مكونات التيار الإسلامي في ليبيا في أفق نهاية 2019؟

حول تطور الأوضاع في ليبيا في أفق نهاية سنة 2019

بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة التي تقوم بها البعثة الأممية وتعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته، فإنه يمكن التأكيد على أن نجاح الليبيين خلال اشغال الملتقى الوطني الجامع المزمع عقده بعد أسابيع هو أمر يبحث عنه الجميع.

وخاصة بعد سقوط رهانات الحسم الميداني والعسكري بناء على توازن القوى أو بالأحرى توازن الضعف بين فرقاء الصراع بينما سيكون تشكيل حكومة وحدة وطنية أمرا مطروحا قبل أو بعد الانتخابات النيابية القادمة المعلن عنها في افادة سلامة الأسبوع الماضي.

ومما لا شك فيه أن الحكومة الحالية ( حكومة الوفاق) أو التي قد تشكلت قبل او بعد الانتخابات ستجابه صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية وربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها.

وستلعب تلك الأطراف كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق وإعادة الأمور للنقطة الصفر، أو ربما أعقد مما كان عليه الوضع في أغسطس 2014 .

ولكن الثابت أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة الموقع الجغراسياسي لليبيا وقربها ومن السواحل الأوربية وطبيعة التحديات الاقتصادية وحتى السياسية في دول الجوار ستدفع الجميع خلال الأسابيع والأشهر القادمة نحو إنجاح الحل السياسي وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات.

ورغم ذلك ستعرف ليبيا تحديات جسيمة على مستوى الترتيبات الأمنية وبناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة والعمل على إنهاء الصراع القديم/الجديد منذ سنوات بين “التبو” و”الطوارق”.

ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في بلد ذا مجال جغرافي واسع وثروات باطنية هائلة إضافة الى امتداد شواطئه الساحلية وقلة عدد سكانه وصحراء شاسعة وممتدة نحو وسط القارة الإفريقية.

وفي الأخير فان مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الليبيين حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتمكن من توقي الصعاب وانهاء المرحلة الانتقالية عبر إجراء انتخابات ديمقراطية تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية.

ولكن ما يمكن التأكيد عليه أن ليبيا قد تعرف الصعوبات والعراقيل ولكنها ستنجح في الأخير لأن عدم نجاحها يعني الانزلاق الى ما هو غير متوقع ليس في ليبيا فقط بل في كل دول الجوار.

كما أن النجاح المرحلي والبدء في المرحلة الانتقالية الأخيرة لا يعني عدم تجدد الخلافات لاحقا وان بشكل جزئي ولكن المهم هو النجاح المرحلي لان الخلافات والصراعات بعدها ستكون بيد صاحب السلطة الاصلية وهو الشعب الليبي وهو شعب يدل تاريخه الطويل أنه شعب وطني وصبور وفريد من نوعه.

مستقبل التيارات الجهادية

لا شك أنه على المدى المتوسط لا مستقبل للتيارات الجهادية ذات المنزع الإرهابي في المنطقة المغاربية لأنه لا حاضنة شعبية لها والدليل هو نهاية التيارات الجهادية في تونس والجزائر والتي لم يبق منها سوى ما هو ضمن أجندات لقوى إقليمية وما توظفه المنظومات القديمة ومن سياقات عصابات التهريب والمخدرات والجريمة المنظمة وهي سياقات عابرة للبلدان.

وكما أنه لا مستقبل للتيارات الإرهابية في ليبيا لأن داعش ليبيا من البداية كان تنظيما لقيطا (لم يترأسه أي شخص ليبيعدد الليبيين في التنظيمات الإرهابية لا يتجاوز في حد أقصى 15 بالمائة)، ولان خارطة انتشار التيارات الإرهابية في ليبيا خلال السنوات الماضية تزامنت مع أجندات إقليمية وضمن سياقات تطور الأزمة السياسية بين فرقاء الصراع.

وقد أثبتت كل القراءات لتاريخ ليبيا، أن المجتمع الليبي تماهى مع الحركة السنوسية كحركة صوفية وأيضا مع المالكية وروافدها الاجتماعية، ورغم ان السياقات السياسية اليوم قد تعمق الوضع في ليبيا مما يشجع قوى إقليمية ودولية على توفير بيئة أزمة حاضنة للإرهاب نتاج غياب الدولة وحضور الأجندات الإقليمية التي لا تريد للعملية السياسية ان تتجه نحول الحل النهائي.

الا ان المجتمع الليبي عصي على الاختراق وعصي على أن تكون له قابلية لاحتضان التيارات الجهادية ذات المنزع الإرهابي وخاصة في ظل وعي الليبيين بتبعات ذلك ومعاناتهم خلال السنوات الأربع الماضية.

حول مستقبل التيار المدخلي في ليبيا وترتيباته الإقليمية

يتحدد مستقبل التيار المدخلي بالملاحظات والسياقات التالية:

ـ إن صعود ما يُسمى بالمداخلة، لا سيَما في المؤسسات الأمنية والدينية والادارية، كان أحد نتائج الصراع المتفاقم في ليبيا والتدخل الإقليمي، وإن اعترف الفاعلون الأمنيون في المدن الليبية الكبرى في وقت ما بتسخير قوة الجماعات السلفية المقاتلة في حملاتهم ضد الخصوم السياسيين وخاصة ضد داعش ومثيلاتها من التنظيمات الارهابية.

ولكنهم تنبهوا عمليا لآثار لذلك على مستقبل ليبيا وبالتالي فلابد من إعادة النظر وتقييم مسارات تواجد المداخلة وضرورة الانتباه لخطورة أولئك إداريا وأمنيا وعسكريا ودينيا مع احتضان البعض بناء على قاعدة الولاء لليبيا أولا وأخيرا.

ـ على عكس مدن الشرق الليبي وخصوصياته فان الحضور الكمي والسياسي للمداخلة سيكون ضعيفا في الغرب الليبي (رغم التغلغل الحالي في بعض المدن) نظرا لسيطرة فعلية للتيارات الليبرالية (على غرار جمعيات أهلية قريبة من “تجمع الوطنيين الاحرار” أو من “تحالف القوى الوطنية”) والتيارات الإسلامية القريبة من الاخوان المسلمين عبر أذرع سياسية واجتماعية بناء على تراكم فعل تاريخي تنظيمي واجتماعي، إضافة الى التيارات الوطنية والعروبية (عمليا قيادات سياسية وفكرية ووطنية من تيار أنصار النظام السابق وعددا من النخب الجامعية ….)

ـ سيبقى حضور التيار المدخلي ضعيف كميا وسياسيا في الجنوب الليبي، لأن مُدنه وقُراه تغلب عليها عوامل القبيلة والغلبة والغنيمة، ولأنصار النظام السابق حُضور قوي كميا وشعبيا وقبليا، كما أن مستقبل التيار الإسلامي في الجنوب سيكون في المستقبل قويا وفاعلا لأسباب سوسيولوجية وإقليمية، كما أن أهالي الجنوب هم أقرب للاعتدال وأقرب لخصوصية وطنية تتناقض مع ماهية المنتسبين للتيار المدخلي.

ـ لن يتوقف خطر البعض من المنتسبين للتيار المدخلي المشحونين بالمقولات التكفيرية للمدخلي، عند بعض جرائمهم السابقة في ليبيا على غرار جريمة اغتيال الشيخ نادر العمراني، ولن تتوقف تلك الجرائم في ليبيا وفي الإقليم، إلا إذا تداعى علماء الأمة وقادتها ومُفكروها للتحذير منهم ومن ضلالاتهم وانحرافاتهم دون مُواربة بل لابد من انجاز تحقيقات أمنية واستقصائية لجرائم الاغتيالات التي حدثت في بنغازي سنوات 2012 و2013 و2014 وأيضا ما لم ترفع لافتة المالكية وإعادة اشعاعها لا في ليبيا فقط بل في كل المنطقة المغاربية.

ـ ستبقى التصريحات العلنية للمدخلي بشأن ليبيا، مُتناقضة في غالب الأحيان، بل واعتبرها المُتابعون والكثيرون في ليبيا مسيئة وتدخلا لا مبرر له في الشؤون الداخلية للبلاد، وهي تصريحات ستٌقلل من قدرة الفاعلين في التيار المدخلي مستقبلا على التلائم مع التطورات المستقبلية في ليبيا وخاصة في حال نجاح الحوار الليبي في الوصول الى توافقات مُهمة لان أغلبهم لا يستطيع السباحة الا في مستنقعات الفوضى العارمة وهُم ذوي قُدرة على الهدم لا على البناء ولن يستطيعوا التلائم العملي والفعلي مع مسار ديمقراطي انتقالي.

ـ ان بعض القوى الإقليمية والدولية من الممكن أن تُوظف مستقبلا أتباع التيار المدخلي بناء على توظيف شيوخهم الإقليميين على غرار “الرسلاني” أو”البرهومي” او مُنظري التيار ( ربيع المدخلي والجامي ومحمد المدخلي) كمقدمات موضوعية لضرب استقرار الجزائر ولو على مدى بعيد كما يمكن توظيفهم في اعاقة ناعمة لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس وتعطيل تجديد الفكر الديني وتطوير الشأن الديني عبر الدفع للخيار المصري عبر استنساخ تجربة حزب النور من خلال الدعم اللوجستي والمالي وعبر أدبيات فكرية وسياسية وإعلامية وتوجيه مدقق استخباراتيا عبر لافتات إعلامية واقتصادية وعبر مجالات الفنون والفلاحة والسياحة والعلاقات الخارجية وعبر استراتيجيات الانقلاب الناعم على مسار الثورتين الجزائرية والتونسية.

مستقبل التنظيمات والأحزاب الإسلامية المؤمنة بالخيار الديمقراطي

المحددات الرئيسية

من المعروف أن مستقبل التيار الإسلامي أو ما يعرف إعلاميا بـ”الإسلام السياسي” يرتبط موضوعيا بمستقبل الأوضاع الإقليمية وما يُعرف بصراع المحاور العربية واخوان ليبيا سيبقون مرتبطين بتطور تلك الأوضاع، إلا أن مستقبلهم ستحدده محددات ليبية ومغاربية عديدة وهو ما ينسحب على كل اسلاميي ليبيا من المؤمنين بالخيار الديمقراطي واهم تلك العوامل هي:

ـ قدرتهم على التواجد داخل المؤسسة التشريعية الليبية القادمة في ليبيا وفي مدى القدرة على محاصرة التيار الاستئصالي وضرب مشروع سيطرة العسكريين على الحياة السياسية.

ـ قدرتهم الفكرية والثقافية على احتواء التيار الجهادي وحسن توظيف “جمعية الدعوة الإسلامية العالمية” مع تغيير تركيبتها وأطرها وعملها الفكري والثقافي والدعوي.

طبيعة الفعل السياسي والتنظيمي للإسلاميين المغاربة ومستقبل الاخوان في مصر وفي المنطقة العربية.

ـ قدرتهم على المساهمة في حل الازمة الليبية وان يكون طرفا قادرا على التجميع وإعادة الروح لتيار فبراير والمساهمة في المصالحة الليبية ودفع الليبيين لدفن آلام الماضي.

ـ القدرة على الارتقاء بالفعل السياسي والاستيعاب العملي والفعلي لمقولات الحداثة والمدنية والاستفادة من تجارب اسلاميي تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا.

المستقبل السياسي للتيار الإسلامي المعتدل بمختلف مكوناته

بناء على المحددات الرئيسية المذكورة أعلاه، يمكن القول أن مستقبل الاخوان في ليبيا مرتبط عمليا بقدرة عقله السياسي على حسن قراءة ترتبات المتغيرات الدولية الأخيرة وفهم التطورات الإقليمية وانعكاساتها الممكنة على ليبيا.

وأولى شروط النجاح هو في ترك مساحات لحزب العدالة والبناء للفعل السياسي بدون اعاقته أو محاولة السيطرة على كل هياكله وقراراته وأطره التنظيمية والسياسية مع حقهم كتيار كبير داخله في التأثير والتفاعل وقوة الاقتراح.

أما مستقبل الحزب أي العدالة والبناء بمدى قُدرته على انجاز المؤتمر الثاني خاصة في ظل التجاذب الحالي بين تيارين داخله، وبمدى قدرته على الاستفادة من الاخوان دون السقوط في عقلية الارتهان لهم ولمقولاتهم التاريخية، ذلك أن للحزب خصوصية ليبية ومهمته تقديم بدائل للليبيين تتماهى مع طموحاتهم وآمالهم وآلامهم ومشاغلهم اليومية.

ومما لا شك فيه أن على الحزب اذا أراد ان يكون فاعلا أن يستفيد من القاعدة العريضة لتيار المفتي والتيار المحافظ عموما خاصة وأن التيار الأخير ينتقد الاخوان ودخل معهم في مناكفات عديدة خلال السنوات التي أعقبت امضاء الاتفاق السياسي.

كما لابد من فهم أهمية الصوفية في ليبيا وامتداداتها وبحث البعض عن توظيفها في اتجاهات مختلفة.

أما حزب “الوطن” فهو ورغم صعوباته الحالية قادر على لعب أدوار سياسية متقدمة وسيرتبط مُستقبله بالقدرة على الخروج من مكائد خصومه السياسيين في الداخل الليبي وأيضا خصومه الاقليميين ومدى قدرته على الائتلاف أو التمايز مع تكتل الصلابي او في التواصل واستيعاب جزء من التيار الوطني لانصار النظام السابق وبعض من أنصار التيار المحافظ في المجتمع الليبي.

أما أحزاب “الامة الوسط” و”الرسالة” و”الإصلاح والتنمية” وبعض أحزاب أخرى توسم بالإسلامية فأدوارها ستكون ثانوية ولافتات لبناء تكتلات أو حاجة مرحلية في سياقات الحملات الانتخابية لبعض مكونات سياسية أخرى لا أكثر ولا أقل.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_______________

المصدر: أسبوعية الرأي العام التونسية بتاريخ 17 جانفي 2019