Minbar Libya

  بقلم سامي براهم

هل مازال لتيار الإسلام السياسي رصيد و دور في مستقبل المنطقة ؟ وما هي التحدّيات المطروحة على هذا التيّار السياسي ذي الطّابع العقائدي الشّمولي ؟

الجزء الأول

 نعي الإسلام السياسي

أراد مهندسو الانقلاب العسكري في مصر أن يكون الانقلاب حدثا تاريخيّا فاصلا يعلن نهاية  تيّار الإسلام السياسي ممثّلا في حركة الإخوان لذلك انبرت النّخب الفكريّة  السياسيّة والإعلاميّة التي ناصرت الانقلاب الدّموي في نعي هذا التيّار وإعلان سقوطه المدوّي.

وسرعان ما  تحوّل ذلك الاحتفاء الجنوني بالسّقوط  إلى حقيقة إنشائيّة غير استقرائيّة صيغت حولها التّحاليل والمقاربات والقراءات التي انتشرت في ربوع المنطقة العربيّة والعالم تبشّر بتدشين مرحلة حضاريّة جديدة تتخلّص فيها الاوطان من الأشرار المتاجرين بالدّين دعاة الجهل و التخلّف والظّلاميّة أعداء الحضارة والأنوار والتقدّم.

لكن منذ فضّ اعتصامي  رابعة العدويّة و النّهضة وما صاحبهما من مجازر وجرائم اندلعت حركة احتجاجيّة عارمة لا تزال متواصلة وبنسق ثابت ومتّسع يتجاوز الاخوان إلى عموم الشّعب المصري وكذّب هذا الحراك المجتمعي دعوى زوال الاخوان واجتثاثهم بشكل نهائي لا رجعة بعده وهي دعوى تقوم على أساس غير موضوعيّ في التمثّل والاستشراف يغفل أنّ الظّواهر السوسيولوجيّة لا تنشأ أو تزول بقرار مهما كانت قوّة الإجراءات المرافقة لذلك القرار  وزجريتها وعنفها.

مقدمة

هو حراك متنام ومتصاعد فشل العسكر وأمن الدّولة و الآلة الإعلاميّة في تحويله عن وجهته السلميّة و استدراجه للعنف وأساسا للسيناريو الجزائري وتحريفه عن مساره المدني ولا أحد يمكن أن يتنبّأ بمآلاته ومنتهاه خاصّة في ظلّ ما يروج عن محاولات للبحث عن حلّ تفاوضي في ظلّ عزلة حكومة الظلّ التي يحرّكها العسكر والانهيار الاقتصادي رغم الأموال التي ضخّتها دول الخليج الدّاعمة بل الشّريكة في الانقلاب .

غير أنّ ما يؤكّده هذا الحراك المناهض للانقلاب وحكم العسكر أنّ تيّار الإخوان واقع موضوعيّ له جذور عميقة في وجدان الشّعب المصري وبين فئاته وطبقاته و شرائحه الاجتماعيّة ، ممّا يدفع للتّساؤل :

ما هو مستقبل هذا التيّار في علاقة بالشأن العامّ و باعتباره إحدى التعبيرات المتقدّمة لما يسمّى بالإسلام السياسي الذي يواجه إكراهات حداثة عهده بالحكم و إدارة شؤون البلدان المثقلة بتركة الفساد و الاستبداد و الدّولة العميقة ؟… 

هل مازال لهذا التيّار رصيد و دور في مستقبل المنطقة ؟

ما هي التحدّيات المطروحة على هذا التيّار السياسي ذي الطّابع العقائدي الشّمولي ؟

 الإسلامواحدا و متعدّدا

عادة ما يُعترض على هذه التّسميات المتداولة بأنّ الإسلام واحد  شامل و ليس متعدّدا متجزّئا وليس هناك إسلام سياسي وإسلام صوفيّ وإسلام فقهي وإسلام

إخواني وإسلام سلفي وإلى غير ذلك من تقسيم الإسلام وفق معايير متعدّدة .

والواقع أنّ نسب هذا التقسيم للإسلام اعتباريّ مجازيّ لا غير فالإسلام واحد ولكنّ الفهم والتّأويل والقراءة كلّها تتّسم بالتعدّد والتنوّع والاختلاف النّظر ومناهج المقاربة فوقع التعبير عن الجزء بالكلّ وعن الفرع بالأصل من باب المجاز المرسل.

لكن يجدر السّؤال كيف نميّز بين الإسلام الواحد و المقاربات المتعدّدة وأين ينتهي الإسلام ويبتدئ التّأويل أو بعبارة أخرى كيف نميّز بين رأي الإسلام الثّابت والرّأي الإسلامي الاجتهادي ؟

يمكن من النّاحية الإجرائيّة أن نعتبر الإسلام الواحد الثّابت هو القرآن و ما صحّ من السنّة و أثبت ما فيهما القطعي ثبوتا و كلّ القرآن قطعيّ الثبوت في عقيدة المسلمين امّا السنّة مهما بلغت درجات الصحّة فهي ظنيّة الثبوت أي دون القرآن من حيث قطعيّة الثبوت ثمّ القطعيّ دلالة الذي ينزع إلى الثبوت من حيث دلالته اللغويّة ومآلاته الحكميّة وإن لم يخل من القابليّة للاختلاف في التّأويل والتّنزيل .

ومن خلال ذلك فالمجال مفتوح للتعدّد والاجتهاد ممّا يعني أنّ تقسيم الاسلام إلى ما كنّا بصدده من تصنيفات وصلت حدّ التّصنيف الجهوي و العرقي : الإسلام الإفريقي و الإسلام الآسيوي والإسلام العربي والإسلام الفارسي والإسلام الأسود ولم لا الإسلام التّونسي الذي أصبح الحديث عنه دارجا  كلّها تقسيمات اعتباريّة لا تعني تعدّدا في الإسلام ذاته بل في الخصوصيات و السّياقات التي رافقت عمليات التقبّل و الفهم و التطبيق.

الإسلام السّياسي

بداية لنحدّد مفهوم الإسلام السياسي على نحو إجرائيّ .

هي تسمية أطلقت على الحركات الإسلاميّة التي تتبنّى الإسلام من حيث هو مرجعيّة نظريّة  للسياسة وترفض اختزال الإسلام في البعد الروحي العقائدي و الطقوسي الشّعائري على تفاوت بينها في تمثّل معنى مرجعيّة الإسلام السياسيّة تأويلا و تنزيلا .

هي تسمية أطلقها الملاحظون من خارج هذا التيّار اقتناعا منهم أنّ الأصل في الإسلام أنّه دين يندرج ضمن المعتقد الشّخصي و اتّخاذه مرجعا للسّياسة يؤدّي الى رهن السّياسي للمقدّس و المتعالي والإطلاقية ويهدّد مدنيّة السّياسة التي تعني في ما تعنيه النسبيّة و الاجتهاد البشري و  تقدير المصلحة و فنّ الممكن .

واختار الخطاب الإيديولوجي إطلاق صفة الإسلامويّة على الحركات التي تندرج ضمن ما سمّي بالإسلام السياسي للتّعبير عن الاستهجان والتّأكيد على زيف هذا الضّرب من الإسلام الإسلاموي والنّزعة التحريفيّة لأتباعه و فكره و برنامجه

وإن كان مصطلح الإسلام السياسي متمحّضا للحركات الإسلاميّة ذات المشروع السياسي فيمكن أن ندرج فيه كلّ من يعتقد في المرجعيّة الإسلاميّة للسياسة في كلّ ابعادها : النشاط السياسي الحزبي / إدارة الشّأن العامّ / سياسة الدّولة ومؤسساتها / التّشريع سواء ترجم  ذلك  الاعتقاد من خلال فعل سياسي عملي أو تأليف نظري .

و تبعا لهذا التّحليل يمكن أن نعتبر المفهوم الإجرائي للإسلام السياسي هو كلّ سلوك نظري أو عملي يدافع عن المرجعيّة الإسلاميّة للسياسة و يريد أن يقيم الدّليل على إمكان ذلك نظريّا وعمليّا في سياق حجاجي حادّ، و لعلّ هذا ما يفسّر سلسلة الكتب و البحوث و النّدوات التي تتواتر عناوينها على نفس الصيغة الثنائيّة : الإسلام و الديمقراطيّة / الاسلام و الدّولة / الاسلام و الاقتصاد / الإسلام و المرأة و إلى غير ذلك من العناوين التي تختبر شرعيّة أن يكون الإسلام مرجعا للشّأن العامّ و جدوى ذلك ونجاعته.

وإذا انطلقنا من هذا المفهوم الإجرائي يمكن اعتبار النّشأة الفعليّة لهذا التيّار في بعديه النظري و العملي كانت إثر سقوط الخلافة العثمانيّة وانفصال الدّولة عن مرجعيّة الدّين الرمزيّة والمؤسساتيّة والتشريعيّة حيث يمكن إدراج كلّ المجهود النظري والعملي الذي انخرط في ما يشبه الحركة الاحتجاجيّة على هذا الفصل الدّراماتيكي الحادّ المزلزل للضّمير الإسلامي.

وفي توصيف هذه الحركة طيلة عقود من الزّمن إلى حدود التحوّل النوعي الذي تشهده المنطقة حاليّا يمكن أن نلاحظ الطّابع التبشيري والإحيائي والاحتجاجي والحجاجي الذي غلب عليها في سياق استراتيجيا الإقناع بأصالة المرجعيّة الدّينيّة للسياسة ومشروعيّة ذلك وجدواه في تحقيق الدّيمقراطيّة و الحريّة والعدالة و التنمية .

و اصطبغ سلوك منظوري هذه الحركة الواسعة بسمات الاهداف والمقاصد والسياقات والملابسات التي حفّت بنشأتها وتطورها على اختلاف مكوناتها وتلويناتها

كما أنّ المحن والاضطهاد والصعوبات التي مرّ بها مناضلو هذه الحركة إبّان فترة الاستبداد قد أضافت لها ذلك الزخم العاطفي الانفعالي الذي رسّخ شعور الغربة حيث يعود مجد الإسلام كما بدأ مع الغرباء .

والسّؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هل مازال الاسلام السياسي بمواصفاته تلك و هويّته التي تشكّلت في خضمّ التجاذب والتّدافع يستجيب للتّحديّات التي يقتضيها مسار الربيع العربي من خبرة و كفاءة نظريّة وعمليّة  في إدارة الشأن العامّ ؟

البقية في الجزء التالي وتبدأ بـ (الإسلام الحضاري)

*** 

 سامي براهم ـ باحث في الفكر والحضارة

_____________