Minbar Libya

بقلم د. محمد التومي

يعتبر عبد الله الغذّامي القبيلة أصل الهوية في ما بعد الحداثة ، وإن العودة القوية إلى الهويات القبلية في ليبيا كان في إطار العودة إلى الهويات الأصلية بأقوى صيغها حتّى لتبدو أشدّ حدّة مما كانت عليه في عهد المقبور القذافي.

وهي تكشف عن خروج الكامن إلى المعلن سياسيا وثقافيا وسلوكيا، يقابل ذلك تراجع لقيم الحرية والوحدة وهو ما بات يهدد ليبيا.

الجزء الأول 

مقدمة

أقام تجمع ثوار 17 فبراير  منتدى بالزاوية العاصمة الرابعة للثورة الليبية وقد حضره كل المعنيين بالحراك الثوري بليبيا وذلك يوم السبت 29 ديسمبر 2018  رافعين لواء الدولة المدنية كشعار للمرحلة القادمة من أجل بناء الدولة وتجاوز الولاءات القبلية والمليشياوية التي عصفت بكل مقومات الدولة المنظورة في ليبيا.

ومن ثمة التفرغ لإقامة دستور للبلاد يسمح بالتداول السلمي للحكم وتكوين مؤسسات الدولة بعيدا عن كل طائفة أو قبيلة أو إثنية تغتصب حق المجتمع المدني في إطار الدولة المدنية المنشودة التي تضع نصب عينيها حقوق الإنسان.

الدولة التي توفر للمواطن الصحة والتعليم والعيش الكريم خاصة ونحن أمام دولة غنية بالثروات الباطنية من المحروقات وهو ما جعلها في محط نظر السماسرة والدول الاستعمارية.

هذه الدول الاستعمارية التي ولغت في الدم الليبي وهو ما أشار إليه فتحي باشاغا وزير الداخلية في المؤتمر الصحفي الذي أقامه بعد تفجير وزارة الخارجية واتهام المخابرات الأجنبية… مع اتهام مبطّن للسراج كونه أصبح عبأً على الدولة معطلا لدواليبها، مستجيبا لضغوطات الخارج الطامعة إلى إنهاك الثوار وإعادة الوضع كما كان قبل الثورة، وقد رصدوا لذلك حفترا يناور آناء الليل وأطراف النهار، من أجل غايات أصبحت معلومة .

الإثنيات العرقية : إعادة تشكيل المجال

قسم الملك إدريس السنوسي ليبيا إلى ثلاثة أقاليم ( برقة، فزان، طرابلس) سنة 1963 تاريخ اكتشاف البترول في بلده ليسهل عليه تقسيم الثروة على المواطنين بصيغة أقرب إلى العدل.

خاصة أن ليبيا بلد مترامية أطرافه مساحته تتصدّر  المرتبة السابعة عشر في العالم والمرتبة الرابعة على قارة أفريقيا، حيث تبلغ مساحتها الكلية حوالي 1.759.540 كيلومتر مربع، ويبلغ طول الشريط الساحلي فيها حوالي 1.955 كيلومتراً، حيث يعد أطول شريط ساحلي من بين الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ويقدر عدد سكانها بحوالي 6.597 مليون نسمة لكنه يعتبر قليلاً نسبيّاً مقارنة بمساحتها الكبيرة

وتمتاز هذه الدولة بموقعها الجغرافيّ والاستراتيجي المهم تحدّها من الجهة الشمالية والغربية  تونس، وتحدها من الجهة الجنوبية تشاد والنيجر، وتحدها من الجهة الغربية الجزائر، ومن الجهة الجنوبية الشرقية مصر والسودان.

من أهم ميزاتها كونها تربط بين المشرق العربي والمغرب العربي، ينتصب أغلب سكانها على السواحل في حين تشهد بقية المناطق وخاصة الجنوب والغرب فراغ نسبي رغم تعدد الإثنيات فيها وتمركزهم في مناطق مختلفة من البلاد .

ـ العرب وهم المكون الإثني الأغلب ويتمركز على الساحل.  من طبرق والبيضاء مرورا ببنغازي وجدابيا شرقا إلى صبراطة والزاوية غربا ، مع بعض القبائل العربية المنتشرة في دواخل البلاد بسبب طبيعتها الرعوية مثل أولاد سليمان في سبهة جنوبا والصيعان في تيجي وبدر غربا .

ـ الأمازيغ وينتشرون من وازن غربا إلى نالوت والزنتان وجالو وكابو  والجوش ومنها إلى الزاوية العاصمة المفترضة للأمازيغ.
ـ التبو وهي المنطقة الممتدة على طول حدود ليبيا مع دارفور السودانية وتشاد والنيجر ، أي من الكفرة إلى وادي الفراغ إلى سبها ومنها إلى مرزق عاصمة التبو.

ـ الطوارق وهم من الأمازيغ في الأصل من بربر زناتة لهم نفس الأصول مع الربايعة والنوايل سكان زوارة ويتمركزون على الحدود الغربية مع الجزائر من جبال أكاكوس إلى أوباري عاصمة الطوارق ومنها إلى تناورت إلى درج وغدامس وسيناون وهي المناطق السوداء التي تكونت عبر تجارة العبيد باعتبار أن غدامس هي إحدى نقاط استراحة القوافل القادمة من التنبكتو والبيرنو من مالي والتي كانت إحدى النقاط المهمة في بيع العبيد ، تليها منطقة مارث من ولاية قابس.

ولكن هؤلاء الوافدين السود المتحررين من تجار العبيد اندمجوا في المناطق الحدودية (سيناون، درج، غدامس) المكونة للحدود الثلاثية  ( تونس، ليبيا، الجزائر) وأصبحوا إحدى المكونات الأساسية لتلك المناطق ولكنهم يؤكدون انتماءهم إلى العرب ولا يعترفون بانتمائهم إلى التبو ، وعلى هذا الأساس عوملوا خلال فترة حكم القذافي معاملة القبائل العربية كما اعتمد عليهم في مراقبة منطقة أقصى الجنوب التونسي وأقصى الغرب الليبي المتمثل في الحدود مع الجزائر.

وقد عمل القذافي على نفي الأقاليم وإقامة حكمه على أساس قبلي فكانت دولته دولة عربية أعرابية تماما كما وصف الجاحظ دولة بني أمية زمن معاوية بن أبي سفيان.

ولم تبنى الدولة في ليبيا على أساس مؤسسيّ وإنما كانت تحكم بالمليشيات وتصان بالمحابات القبلية والاصطفاف وراء شخص الزعيم الذي بذل فيه القذافي أموالا عريضة لتكوين صورة هلامية نحتت من الفراغ وأفسدت الدولة وألهت المجتمع بالمؤتمرات الشعبية بتعلّة مشاركته في الحكم تحت شعارات واهية مثلالسلطة والثروة والسلاح بيد الشعب”  .

ولكن الشعب عنده رهين عروبته فظلت القبيلة العربية الليبية هي الفاعل الأساسي في ضخّ السياسيين”  في دولة القذافي دون غيرهم من الاثنيات وباعتبار أن القبائل العربية هي التي تتمركز على شاطئ يمتدّ على 2000 كلم تقريبا وهي التي تملك الجزء الأكبر من الأراضي الخصبة وتعامل بقية الإثنيات من التبو والأمازيغ والتوارق معاملة التابع.

، وقد سعى القذافي إلى تحريك قبيلة أولاد سليمان في الجنوب لتكون شوكة الدولة نحو التبو ، تماما كما كانت قبيلة الصيعان في الغرب نحو الأمازيغ.

البقية في الجزء التالي بدأً بـ (جغرافية القبيلة في ليبيا)

*** 

الدكتور محمد التومي ـ باحث في السيراس

__________________