Minbar Libya

بقلم د. محمد التومي

يعتبر عبد الله الغذّامي القبيلة أصل الهوية في ما بعد الحداثة ، وإن العودة القوية إلى الهويات القبلية في ليبيا كان في إطار العودة إلى الهويات الأصلية بأقوى صيغها حتّى لتبدو أشدّ حدّة مما كانت عليه في عهد المقبور القذافي.

وهي تكشف عن خروج الكامن إلى المعلن سياسيا وثقافيا وسلوكيا، يقابل ذلك تراجع لقيم الحرية والوحدة وهو ما بات يهدد ليبيا.

الجزء الثاني

جغرافية القبيلة في ليبيا:

 ظلت القبيلة خلال أربعين سنة من حكم القذافي المطبخ الداخلي للسياسات الداخلية في إطار عملية فرّق تسد وهي التي أتقنها المقبور وأسس لها سياسة من سياساته بعد أن أوهمهم بممارسة حقهم السياسي من خلال المؤتمرات الشعبية وهي الوريث لمهرجانات الصوت التي كان يعقدها إدريس السنوسي في إطار قبلي ليضمن أصوات القبائل.

ولكن الدولة في عهد الملك كانت أقرب إلى التحقق منها في عهد القذافي الذي تصاعدت فيه الهويات القبلية في إطار عودة إلى الهويات الأصولية بأقوى صيغها حتى لتبدو  أشدّ حدّة مما كانت عليه في التاريخ القديم .

ومن المعلوم أن المجتمع الليبي مجتمع قبلي بطبيعته، تلعب القبيلة فيه الدور الرئيسي في تشكيل خارطة الولاءات والانتماءات.

وبالرغم من الآراء التي تذهب إلى أن سيطرة التحالفات القبلية على العقل المجتمعي الليبي بدأت مع انقلاب 1969، حين ألغيت الأحزاب السياسية المدنية فاتحةً المجال للفكر القبلي للتمدد والانتشار، وثمّة من يرى أن معاداة الليبيين للفكر الحزبي بدأت عقب الاستقلال بعام واحد فقط، تحديداً في 1951 في عهد الملك إدريس السنوسي، ثم جاءت أحداث ما بعد 2011 لترسخ مبدأ القبلية وسيطرتها بصورة كبيرة.

اعتمدت كافة الأنظمة السياسية التي حكمت ليبيا، بدءاً بالملكية وصولاً إلى مرحلة الثورة مروراً بالجمهورية والجماهيرية، على القبلية وما لديها من ميليشيات مسلحة في بناء تحالفاتها

وفي السنوات الست الماضية، استغلت القبائل الغياب شبه الكامل لدور الجيش والشرطة والمنظومة المؤسسية لصالحها من خلال الحصول على النفوذ والمكاسب المادية

البرلماني حسن صالح، عضو مجلس النواب الليبي، أشار إلى أن القبيلة في البداية كانت تقوم بدور مجتمعي ثقافي في المقام الأول، في ظل إحكام الأنظمة الحاكمة سيطرتها على البلاد بصورة كاملة، إلا أنه مع سقوط نظام القذافي عام 2011، وما تبعه من انهيار لمؤسسات الجيش والشرطة، لم تجد القبائل بداً من القيام بدور المؤسسة الأمنية في الدفاع عن نفسها والمناطق التي تحتضنها.

إن المسؤولية الأمنية الملقاة على كاهل القبائل بعد ثورة 2011 قادت إلى تشكيل ما يسمى بـالميليشيات القبليةسواء من أفراد الجيش السابقين، أو من منتسبي القبيلة المدنيين، خاصة في ظل تفتت الدولة وتباعد أطرافها، إضافة إلى بنية المجتمع الليبي غير المتماسكة والتي لا يمكن التعويل عليها كوحدة مترابطة، ومن ثم بات للقبائل دور كبير في رسم الخارطة السياسية الليبية طوال السنوات الست الماضية.

 وأنّ قوات الجيش رغم كونها مازالت في طور التشكّل إلا أنها بدأت في اتخاذ بعض الخطوات لتحجيم دور الميليشيات القبلية من خلال الاتفاق مع القبائل الكبرى لتشكيل تحالف إقليمي لمواجهة الميليشات القبلية والمليشيات المتطرفة.

  ويرى المتابعون للشأن الليبي أن القبيلة قويت شوكتها على حساب العمل السياسي منذ الفترة الملكية حينما أنشأ الملك السنوسي مهرجانات الصوت التي تقام لعرض المرشحين السياسيين على أفراد القبيلة من أجل تزكيتهم سياسيا.

وهو ذات العمل الذي استفاد منه القذافي في المؤتمرات الشعبية مع قصف العمل الحزبي ووصفه بالخيانة وهو ما أربك مؤسسات الدولة ومنعها من البروز  والقيام بدورها. في المقابل فإن أربعين ومائة قبيلة في التراب الليبي بمختلف أحجامها وإثنياتها العرقية حاولت جميعها أن تلعب دورا في ظل غياب مؤسسات الدولة ولكن ثلاثين من القبائل العربية هي التي تصدّرت المشهد الليبي.

في حين كانت خمسة منها تقود العملية السياسية من وراء حجاب وتفرض الأمر الواقع عن طريق مليشيات مسلحة تسليحا جيدا وهو ما عطّل بناء الدولة في محاولات متكررت يائسة، ولعل أوّل هذه القبائل:

1/ قبيلة ورفلّة: وهي قبيلة كبرى يصل تعداد أفرادها إلى مليون نسمة ( سدس السكان) وتتمركز في الوسط الليبي من وادي  الشاطئ إلى الجفرة وعاصمتها مدينة بني وليد .

2/ قبيلة  المقارحة : وهم أصهار القذافي يتمركزون في الوسط أيضا في منطقة وادي الشاطئ، ومنهم من استقرّ في الشرق في مدينة البيضاء وهم الذين يحتضنون سيف القذافي بعد هروبه من الزنتان، وهي من القبائل الفاعلة سواء في عهد القذافي أو بعد الثورة.  

3/ قبيلة القذاذفة وقد انعكس اهتمام النظام بالقبيلة في سعي عديدين من شيوخها إلى كسب ود قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها القذافي، محاولين البحث في أغوار التاريخ، علهم يجدون أي نوع من التضامن أو التقارب، أو ما يعرف باللهجة الليبية “الصف” أو “الخوايا” بين قبيلتهم وهذه القبيلة، ما سيضمن لهم امتيازات ومناصب عديدة، كانت توزع حسب أهميتها، بناء على الولاء والقرب من قبيلة القذاذفة أو غيرها من القبائل المحسوبة على النظام.

تتمركز في خليج سرت نحو المناطق الجنوبية، وهي من القبائل الكبرى والفاعلة في السياسة الليبية خاصة في عهد القذافي استسلمت للثورة ولم تبدي مقاومة تذكر مثلما هو الحال لورفلة والمقارحة مثلا ، بل إنها توسطت بين مصراتة وورفلة من أجل حقن دماء الليبيين ولأنها تحمل عبء أفعال القذافي غابت بعد الثورة عن أي فعل سياسي إلا لبعض الأفراد المحسوبين عليها مثل قذاف الدم .

4/  قبيلة تاورغاء: وهم من التبو المخلصين في خدمة القذافي وفيها انتصبت الفرقة 32 معزز التي كانت تدكّ مصراتة وهم من اختطف أحد شباب مصراتة من الذين قبضوا على القذافي ليسلموه بعد ذلك جثة هامدة الأمر الذي أغضب أهل مصراتة فدكوا تاورغاء لثلاثة أيام متتالية وقتلوا من أهلها ما يربو عن  ثلاثة آلاف تاورغي ، وقد شدّ البقية منهم الرحال إلى بني غازي مشيا على الأقدام بعد تجميعهم في جميلن وهؤلاء الغاضبون مثلوا العمود الفقري لجيش حفتر

4/ قبيلة ترهونة: تتمركز في جنوب غرب طرابلس في منطقة تسمى باسمها وهم يمثلون ثلث سكان العاصمة

5/ قبائل مصراتة : من القبائل العريقة ذات أصل أمازيغي وعرّبت تعريبا كاملا ، اشتهرت في التاريخ بصلابتها وتمرّسها بالقتال، تهابها كل القبائل الليبية شرقا وغربا وقد أثبتت فاعلية كبرى في اسقاط نظام القذافي وتكوين دروع ليبيا كما فزعت لنجدة الثورة كلما دعتها الحاجة إلى ذلك مثل إخراج ثوار الزنتان المعتصمين بالمطار ، ودحر داعش عن مدينة برقة ، وإخراج المليشيات الست المسلحة من العاصمة طرابلس.

قبائل الشرق:

1/ قبائل العبيدات ـ البراعصة ـ العواقير ـ المسامرة

قبائل الجنوب:

1/ قبيلة أولاد سليمان : وهي قبيلة عربية تتمركز في سبهة وهي على خلاف دائم مع القذاذفة الذين يشاركونهم نفس المجال الجغرافي

2/ قبيلة زوية:

3/ قبائل التبو: وهم من القادمين من الدول المتاخمة لليبيا مثل السودان عبر دارفور وتشاد والنيجر ويتخذ هؤلاء مجموعات منفصلة عن بعضها وتعدّ مدينة مرزق عاصمة لهم

قبائل الغرب :

1/ قبيلة الصيعان: وهي من القبائل العربية تتمركز في تيجي وبدر إلى أم الفار وقد استعملها القذافي شوكة ضد الأمازيغ الرافضين لحكمه وحاجزا يحول دون اتصالهم بالبحر

2/ الأمازيغ: وهم على ضربين :

بربر زناتة : ينتشرون على جبال نفوسة من وازن إلى نالوت إلى جالو والقلعات ومنها إلى الزنتان وكاباو إلى الزاوية .

بربر كتامة : وهم النوايل من زوارة والطوارق

3/ الطوارق: ويتمركزون على الحدود مع الجزائر على سلسلة جبال أوباري وتعدّ مدينتا أوباري وغات مركزا للطوارق وعلى الحدود التونسية غدامس ودرج وسيناون ويلحق أهلها بالطوارق .

البقية في الجزء التالي بدأً بـ (دور القبيلة في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا)

*** 

الدكتور محمد التومي ـ باحث في السيراس

__________________